للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الخميس، 26 يوليو، 2012

الإمارات: بين "جنرالات الأمن" وعقلاء السياسة

                                        - I -
ماذا يعني تواصل حملة الاعتقالات في الإمارات؟
أمر واحد في الواقع: استمرار هيمنة المجابهة الأمنية لمشكلة سياسية هي على الأرجح متوهّمة، أو على الأقل مضخمة، إلى حد كبير.


فلا أحد في الإمارات، أو حتى في خارجها، لايعلم أن الغالبية الكاسحة من الأماراتيين راضية عن واقعها الحالي الذي يستند في الدرجة الأولى إلى عطاءات وضمانات ضخمة توفّرها الدولة لمواطنيها. ولا أحد أيضاً لايدرك أن جماعة الإخوان المسلمين (عبر جمعية الإصلاح وغيرها) لن تستطيع في أي يوم أن تشكّل تهديداَ جدياً ما للنظام، ليس لأنها ضعيفة فقط بل أيضاً بسبب قوة الولاءات القَبَلِية في البلاد.
قد يقال هنا أن جماعة الإخوان قد تستطيع اختراق هذا النسيج الاجتماعي- السياسي المتلاحم، عبر استغلال الفروقات الشاسعة بين الإمارات الغنية والفقيرة، أو بعض السلوكيات الاجتماعية المنفلتة من عقالها في إحدى الإمارات.
ربما كان هذا صحيحاً، خاصة وأنه تبين (على سبيل المثال) أن أحد المعتقلين الإسلاميين هو من أقارب أحد شيوخ إمارة فقيرة. لكن هذا لايشكّل حدثاً بل هو مجرد حادث. بمعنى أن بعض الشيوخ هم الذين يستخدمون المحتجين لا العكس. وهذه  رسالة من تحت الماء للحصول على المطالب "من فوق". رسالة تؤكد البنية القبلية التي يستند إليها النظام بدل أن تنفيها.

                                        - II -
ثمة، إذا، مبالغة بالفعل في تصوير الخطر الأمني على الإمارات. وهي مبالغة هددت في مرحلة ما العلاقات الخارجية برمتها للدولة مع دول الربيع العربي وفي مقدمها مصر، خاصة بعد التصريحات الملتهبة الأخيرة لقائد شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان.
ومع أن وزير الخارجية الشيخ عبد الله سارع إلى استيعاب هذا الخطر آنذاك، إلا أن استمرار الاعتقالات، يشي بأن العقلية الأمنية البحتة لاتزال لها اليد العليا في التعاطي مع تطورات وأبعاد الربيع العربي. وهذا تكتيك من شأنه أن يضر على نحو بالغ بالوضع الاستراتيجي للإمارات.
لماذا؟
لأن جعل السياسة الخارجية أسيرة التحليلات والتوجهات الأمنية، قد يضع الإمارات في نهاية الأمر على خط الزلازل والمجابهات في المنطقة العربية، أو حتى في عكس تيار التاريخ الدولي والإقليمي الراهن.
بعض المسؤولين الإماراتيين ربما غضبوا من تخلي الولايات المتحدة عن حليفها الرئيس في المنطقة حسني مبارك، أو شعروا بالحنق والقلق من الحلف المشروط الجديد الذي أبرمته واشنطن مع جماعات الإخوان المسلمين في المنطقة. بيد أن الغضب والحنق لم يكونا يوماً الأداة الأمثل لمجابهة التحديات، ناهيك عن أنهما لايقدِّما أو يؤخّرا في شيء تفاعلات الوضع الدولي الجديد.

- III -
الأمر في حاجة إلى وقفة تأمل عميقة هذه الأيام في أبوظبي حول دور السياسة والأمن في هذه المرحلة. وهي وقفة سرعان ماقد تجعل المسؤولين الإماراتيين يدركون أن تحصين الوضع الداخلي لايكون بتكوير القبضة الأمنية وإطلاق العنان لها، بل بتعزيز اللحمة الاجتماعية- السياسية بين الحكّام والمحكومين، عبر فتح النظام السياسي الحالي أمام تطويرات لا بد منها في مجال المشاركة.
مثل هذه التطويرات ليست خياراً بقدر ما هي ضرورة، بعد أن تبيّن لكل من يريد أن يرى أن الربيع العربي يترعرع في أحضان قرار دولي من أعلى المستويات، وأن من يريد أن يقاوم هذا القرار سيكون كمن يسعى إلى السباحة في حوض لا ماء فيه.
لقد اعتاد ليون تروتسكي أن يقول: "قد لاتكون أنت مُهتم بهذه الحرب، لكن الحرب مُهتمة بك".
وبالمثل، قد لاتكون الإمارات مُهتمة بالقرار الدولي حول الإصلاحات، لكن هذا القرار مُهتم بها.
والمدخل إلى المصالحة بين مايريده القرار الدولي وبين ماترغبه دولة الإمارات، يبدأ وينتهي بجملة واحدة: أولوية السياسة على الأمن. فـ"حرب" الربيع العربي أخطر بكثير من أن توضع بين أيدي "جنرالات الأمن".

                                                                                          سعد