للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 29 يوليو، 2012

السعودية: لماذا لن يكون الأمير بندر هو "المُنقِذ"؟


- I -

كان ملفتاً أن ترقية الأمير بندر بن سلطان في سلّم القيادة السعودية، لم يحظ في الغرب سوى بالقليل القليل من التغطية الإعلامية.
وإذا ماكان هذا الأمر غير مفاجيء ومتوقع في المنطقة العربية، بحكم سيطرة، أو هيمنة، أو النفوذ المالي للمملكة على معظم وسائل الإعلام والإعلان العربية، إلا أنه مثير للدهشة في الغرب.

                                        أمراء شبان سعوديون (عن غوغل)
فهل لهذا الأمر رابط ما بعلاقة الأمير بندر الوثيقة مع مراكز القرار والاستخبار الأميركية والغربية؟ أم أن واشنطن ولندن وباريس مهتمة هي الأخرى بعدم ازعاج الرياض بما تعترف أنها تنزعج كثيرا منه: الكشف عن سرّية المداولات والصراعات داخل الأسرة الحاكمة.
لكن، حتى هذا القليل القليل مما نشر في الغرب عن عودة بندر إلى دائرة الفعل السياسي في المملكة، يشي بالكثير في الواقع بالنسبة إلى الرياض.
كيف؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، فلنتوقف معاً أمام ماجاء في هذا "القليل".
سايمون هندرسون، مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، نشر في 24 تموز/يوليو 2012 مقالاً مستفيضاً في الموقع الالكتروني للمعهد، أورد فيه النقاط المهمة التالية:
1- تعيد المملكة العربية السعودية رجلها الأكثر دهاء (بندر) إلى إدارة "الربيع العربي" لكن هل يستطيع بندر أن ينقذ حقاً الموقف في الرياض؟ الواقع أن تعيينه يشكِّل انعكاساً لمخاوف الملك عبد الله من التطورات الجارية في الشرق الأوسط، ولاسيما في سوريا، ومحدودية القيادات الموهوبة في بيت آل سعود لمجابهة مثل هذه التحديات. وبصراحة يشير تعيينه إلى وجود حالة من الذعر في الرياض.
2- حتى لو كان بندر قد استعاد بعض رونقه السابق (وخَرَجَ من حالات الاكتئاب النفسي والمشاكل الصحية)، إلا أن مشاكل الشرق الأوسط من منظور سعودي هي بالتأكيد أكبر من أن يتولاها شخص واحد. ففي سورية تريد الرياض خروح بشار الأسد، لكنها لاتريد انتقال العدوى إلى الأردن. وما يزيد غضب الرياض هو أن تجد نفسها تتصارع على النفوذ في سورية مع دويلة قطر التي هي الأخرى تزوِّد المعارضة بالمال والسلاح، لكنها تتمتع بنباهة شديدة في التعامل مع الأحداث على أرض الواقع. وفي الوقت ذاته تلوح إيران في الأفق إذ تكتسب قدرة نووية وتثير أيضاً - من وجهة نظر السعودية - لهب السخط الشيعي في البحرين بل وفي الداخل أيضاً في المنطقة الشرقية من السعودية. 
3- يشير تعيين بندر إلى وجود نقطة ضعف أخرى في الرياض: فالملك عبد الله على ما يبدو لايتمكن من تحديد أية [شخصية] أخرى ذات موهبة داخل آل سعود لتولي هذا الدور، أو ربما لايستطيع أن يثق بشخصية كهذه. وقد وُلد بندر غير محظوظ - والدته كانت محظية سودانية - ولذا فليس من حقه أن يصبح ملكاً في المستقبل. لكن ماذا عن كبار الأمراء الذين يجدر بهم أن يُظهروا ميلاً للقيادة في هذا المفصل التاريخي الدقيق؟ لايبدو أن ولي العهد ووزير الدفاع سلمان ووزير الداخلية الجديد الأمير أحمد يجتذبان ثقة كبيرة. أما الجيل الثاني الذي ينحدر منه الأمير بندر فيشمل نائب وزير الدفاع الأمير خالد بن سلطان وقائد الحرس الوطني الأمير متعب بن عبد الله وكذلك حاكم المنطقة الشرقية الأمير محمد بن فهد والأمير محمد بن نايف. وحيث يهرم معظم الأمراء الكبار، فقد حان الوقت لهذا الجيل أن يتقدم ليتخذ دوراً قيادياً لو شاءت المملكة أن تتجنب وقوع أزمة فوضى في الخلافة في المستقبل القريب، أو على الأقل هذا هو ما يفكر به هؤلاء الرجال باعتبارهم الأصغر سناً وإن كانوا الآن بالفعل في الخمسينيات والستينيات من عمرهم.
4- لكن لبعض الأسباب، يمكن القول بأن الملك عبد الله قد اختار الأمير بندر لدورٍ يمكن أن يوصف - من دون كبير مبالغة - بأنه إنقاذ للمملكة. إنه بالفعل اختيارٌ لافتٌ.
- II -
هل هذا التحليل في محله؟
بالطبع، أهل مكة أدرى بشعابها من أهل واشنطن. لكن أي تدقيق سريع في هذا التحليل، يسلِّط الكثير من الأضواء على حجم التحديات الكبرى التي تُواجه المملكة هذه الأيام، إلى درجة حديث سايمون هاريسون عن حاجتها إلى "منقذ".
وهي، بالمناسبة تحديات داخلية بقدر ماهي خارجية.
وعلى سبيل المثال، صحيح أن كسب معركة سورية سيمكّن السعودية من ربح أهم جولات حرب النفوذ مع إيران في منطقتي الهلال الخصيب والخليج، وربما أيضاً حتى داخل بلاد فارس نفسها، إلا ان هذا النصر الكبير لن يترجم نفسه بالضرورة استقراراً كبيراً ونهائياً للداخل السعودي.
لماذا؟
ببساطة لأن طبيعة التحديات اختلفت إلى حد كبير عن تلك التي كانت تجري خلال نصف القرن المنصرم.
فحين تمكنّت الرياض (بالتعاون مع الولايات المتحدة) من إلحاق الهزيمة الكاسحة بالقومية العربية الناصرية على إثر حرب 1967 الإسرائيلية، دانت المنطقة كلها للإديولوجيا الإسلامية التي تبوأت فيها السلفية الوهابية نفوذاً لم تعرفه طيلة عمرها المديد الذي ناهز القرنين. كما أن هذا النصر دشّن على المستوى الاستراتيجي ماعُرِف آنذاك بـ"الحقبة السعودية".
وفي حقبة الثمانينيات، بدا أن الرياض تحقق نصراً تاريخياً آخر، حين أسفر تحالفها الكبير مع أميركا في أفغانستان عن إلحاق الهزيمة العسكرية بموسكو وما تلاها من تداعي الامبراطورية السوفييتية نفسها.
لكن هذه المرة كان هذا نصراً غير مؤزر وغير كامل. إذ أنه إدى إلى إفلات السلفية من عقالها اللاسياسي، فقعدت هذه قرانها الإديولوجي مع الجهادية المصرية، فُولِد بذلك أول تحدٍ للشرعية الإسلامية السعودية من داخل بيتها الإسلامي نفسه.
والآن، قد تتكرر هذه الصورة، لكن بشكل أخطر بكثير. فالربيع العربي بقياداته الإسلامية الجديدة المنفتحة (حتى يثبت العكس، إذ هي لاتزال تحت مجهر الاختبار الغربي) على الديمقراطية والليبرالية، ستنضم إلى السلفية الجهادية بوصفها قوى تتحدى الشرعية الوهابية، كل من من موقع  مغاير بالطبع.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك القرار الأميركي الداعم للربيع العربي، والمعطيات المحلية السعودية التي تتجلى في الطفرة الديمغرافية الكبرى في أعداد الشباب، ونشوء طبقة وسطى كبيرة ومثقفة ومتعلمة، ووجود العديد من الأمراء السعوديين الذين قد تتقاطع مصالحهم مع أهداف الإصلاحيين الداعين إلى نوع من الملكية الدستورية، فإننا سنكون حينها واثقين بأن التحديات الداخلية أخطر وأكبر بما لايقاس من التحديات الخارجية، إلى درجة أن أي نصر تحزره المملكة في سورية ولبنان والبحرين وغيرها سيفاقم من هذه التحديات بدل انقاصها.
- III -
ماذا يعني كل ذلك؟
أمراً واحداً: المملكة تحتاج إلى "بندر" داخلي يقوم بمهمة الإصلاح الداخلي، أكثر بكثير من حاجتها إلى بندر خارجي. ومثل هذا "البندر" الداخلي، وبسبب التعقيدات الهائلة المرتبطة بالصراع على السلطة والثروة داخل الأسرة الحاكمة، لن  يولد إلا إذا كان شخصية تاريخية وجريئة قادرة، من جهة، على إقامة التحالفات المكينة بين الأمراء الشبان والحركات الإصلاحية السياسية كما الدينية، وواعية، من جهة أخرى، لطبيعة الأنقلابات الكاملة التي طرأت على الاستراتيجية الدولية في حقبة مابعد 11 أيلول/سبتمبر ولضرورة التأقلم معها.
وحين يبرز هذا "البندر الداخلي"، لن تكون ثمة حاجة للغرب، كما للشرق، لأن يعتبرا أي تطور أو حدث سياسي في المملكة سراً مكنوناً من الأسرار العليا "المقدسة". العكس سيكون صحيحاً على الأرجح.
 ومثل هذا العكس سيكون دلالة بدايات صحّية، لانهايات كارثية.

                                                                                سعد