للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 8 يوليو، 2012

شمال لبنان في جيوبوليتيك "الانفجار العظيم" السوري






سعد محيو
هل يكون شمال لبنان أولى المحطات الإقليمية المُحتملة لتمدد "الانفجار العظيم" السوري نحو باقي مناطق المشرق، كما حذّر وزراء خارجية الغرب، وحتى روسيا، مؤخرا؟ وهل القصف المدفعي والصاروخي الذي تعرضت له أمس منطقة وادي خالد هو أول نُذُر هذا التمدد؟


فلنقل، أولاً، أن ثمة عاملين جيو- استراتيجيين يجعلان من طرابلس والضنية ومناطق عكار ووادي خالد في شمال لبنان محط أنظار العاصفة السورية العاتية التي لم يسبق لها مثيل في الواقع في تاريخ سوريا، سواء القديم منه أو الحديث.
الأول، يمكن لحظه بسهولة من خلال إي إطلالة سريعة على خريطة لبنان وسوريا. إذ سيتبيّن أن شمال لبنان يشكّل في الواقع الضلع الثالث من مثلث المنطقة الجغرافية العلوية الذين يضم، إلى اللاذقية وطرطوس وجبالهما، مناطق حمص وحماه. هذا الموقع الجغرافي هو الذي دفع المؤرخين إلى إطلاق اسم "طرابلس الشام" على عاصمة الشمال اللبناني، ليس فقط لتمييزها عن طرابلس شمال إفريقيا، بل أيضاً للإشارة إلى مدى ارتباطها العميق والوثيق بالعمق السوري. وهو ارتباط كان ديموغرافيا حيث العائلات واحدة على جانبي الحدود، وتجارياً، والأهم: أمنيا."
 البعد الأهم، أي الأمني، كان دوماً على رأس أولويات أي نظام سوري مهما كان لونه. لكنه يرتدي هذه الأيام أهمية أكثر خطورة بسبب احتمال أن يؤدي فشل الحلول السياسية الدولية للأزمة السورية إلى تنامي امكانات تقسيم سورية على نحو مافعل الفرنسيون في أوائل القرن العشرين، حين قسموا البلاد إلى دول علوية ودرزية ودولتين سنيّتن. وفي حال وقع هذا المحظور، فسيكون الضلع الثالث من "المثلث العلوي" (أي شمال لبنان) أحد المواقع الرئيسة لرسم الخطوط الدموية الجديدة  للتقسيم.
تاريخ حافل
هذا عن أهمية شمال لبنان من زاوية سورية. أما من الزاوية اللبنانية فالمسألة لاتقل أهمية. إذ يجب أن نتذكّر هنا أن الطرابلسيين كانوا حتى فترة متقدمة بعد استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1943 يعتبرون أنفسهم جزءاً من سورية، وكانوا يتظاهرون في كل حين رافعين العلم السوري مطالبين (من موقع قومي عربي آنذاك) بالعودة إلى الكنف السوري.
صحيح أن الصورة تغيّرت مع وصول النظام السوري الحالي إلى السلطة ومع انحسار موجة القومية العربية، إلا أن هذا عبّر عن نفسه طرابلسياً في تحوّل "الانتماء السوري" من رابطة العروبة إلى رابطة الإسلام، على الأقل بالنسبة إلى حركات الإسلام السياسي.
العامل الجيو- الاستراتيجي الثاني عملاني، إذا جاز التعبير. فقد تحوّل شمال لبنان خلال الأشهر الأخيرة إلى مقصد للاجئين والجرحى السوريين المعارضين للنظام، سواء من المدنيين أو المسلحين، الذين حظوا بعناية خاصة من الأهالي وحركات الإسلام السياسي. وهذا ما جعل المعارضة السورية ترى في شمال لبنان ملاذاً شبه آمن، مع أن السلطات الأمنية اللبنانية (خاصة منها الأجهزة القريبة من دمشق) كانت تنشط لمراقبة السوريين اللاجئين وتحاول أحياناً التضييق عليهم أو حتى تسهيل اعتقالهم.
دعم متباين
من جهتها، لم تخف مختلف القوى السياسية اللبنانية في الشمال، من حركات الإسلام السياسي إلى التيار السنِّي الرئيس "المستقبل"، دعمها الكامل للثورة السورية. لكن هذا الدعم  تباين بين فصيل وآخر. ففي حين حرص تيار المستقبل أن يبقي عملية المساندة في الأطر التي لاتضر بعلاقته مع الدولة اللبنانية وموقعه الأساسي والمؤسس فيها، كان العديد من الحركات الإسلامية تذهب إلى النهاية في مثل هذا الدعم وعلى كل الصعد تقريبا.
والأمر الذي يجعل هذا التباين مهماً هو أن حركات الإسلام السياسي في شمال لبنان شهدت خلال السنوات الأخيرة صعوداً مميزاً على الصعيد التمثيلي للجماعة السنّية في لبنان بفعل عوامل متشابكة عدة، منها:
- عجز تيار المستقبل عن الوقوف في وجه حزب الله حين اجتاحت قوات هذا الاخير بيروت العام 2008، ماجعل العديد من الشبان السنّة الشماليين يتحوّلون من دعم تيار المستقبل إلى مساندة الحركات الإسلامية الأكثر تشددا.
- عجز آخر للمستقبل عن إيجاد حلول لمسألة الفقر المدقع في العديد من مناطق الشمال، حيث أفاد تقرير لمجلس الإنماء والإعمار حول الفقر في لبنان أن الدخل الشهري لنصف العائلات التي تقطن باب التبانة السنّية (المواجهة لبعل محسن العلوية) في طرايلس لايتعدى الـ130 دولاراً. وقدّر تقرير آخر أن 23 في المئة من فقراء لبنان يعيشون في عكار. وحين لم تف حكومات الحريري المتعاقبة بوعودها للحد من الفقر في المنطقة، تقّدمت الحركات الإسلامية، خاصة السلفية منها، (بدعم جمعيات خاصة خليجية) وأقامت شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية والصحية والمدارس الدينية، ما ساهم إلى حد بعيد في زيادة نفوذها في الشمال.
- ترى دراسة لمركز كارنيغي للشرق الأوسط (كانون االثاني/يناير 2008) أنه الوجود العسكري السوري الذي دام 30 سنة في لبنان كان أحد العوامل الرئيس في تحديد شكل تطور الحركات الإسلامية في الشمال. فأغلبية الإسلاميين على مختلف مشاربهم، باستثناء حركة الأحباش، يتذكرون بمرارة سياسة الحصار التي فرضت على نشاطاتهم تحت الوصاية السورية، حيث ارغمتهم أجهزة المخابرات السورية واللبنانية المرتبطة بها على النزول تحت الأرض، وظلّت مدارسهم ومراكزهم تحت الرقابة الصارمة، وامتلأت السجون السورية واللبنانية بهم.
- وبالتالي، حين انسحبت القوات السورية من لبنان العام 2005، شهدت الحركات الإسلامية في الشمال طفرة كبيرة في نشاطاتها. ولم يؤد اغتيال رفيق الحريري في ذلك العام نفسه سوى إلى تفاقم المشاعر المذهبية بين الشبان السنّة في الشمال.
- حتى وقت غير بعيد، لم تكن طروحات الإسلاميين الشماليين تلقى آذاناً صاغية لدى غالبية المسلمين السنّة في الشمال. لكن الحملة العسكرية للجيش اللبناني في مخيم نهر البارد التي دامت ثلاثة أشهر، وغليان الرأي العام الإسلامي غداة حربي العراق وأفغانستان، وتفاقم التوترات المذهبية في كل الشرق الأوسط، والحرب الإسرائيلية على لبنان العام 2006، كل ذلك  (وفق كارنيغي) زوَّد الإسلاميين بإطار عمل للترويج لبرامجهم بين سنّة الشمال .
- والآن، تأتي التطورات السورية، التي تتخذ هي الأخرى طابعاً مذهبياً يزداد حدة يوماً بعد يوم، لتتوّج هذا الصعود إلى درجة تدفع البعض إلى القول أن الحركات الإسلامية في الشمال بدأت تشب عن طوق تيار المستقبل الذي كان في السابق يحتضنها ويموّل الكثير منها، لتشق لنفسها طريقاً مستقلة على إيقاع الثورة السورية.

3 سيناريوهات محتملة
ربما بات واضحاً الآن، بعد هذه العجالة، أن شمال لبنان بوضعتيه الجغرا- سياسية، وتاريخه الإسلامي المديد، وتركيبته المذهبية، والصعود السريع للحركات الإسلامية فيه، فضلاً عن تنامي مختلف التأثيرات الإقليمية عليه من السعودية وتركيا وبقية دول الخليج السنّية إلى إيران والعراق الشيعيين، يعتبر فريسة مُثيرة للعاب الوحش العنفي المنطلق من الحدود السورية.
وهذا ماسيضع الشمال، ومعه لبنان، أمام سيناريوهات متباينة ترتبط كلها بمآل الازمة السورية:
السيناريو الأول: انهيار سلطة الثلاثي الحاكم حالياً في سورية (الرئيس بشار الأسد وشقيقه ماهر وصهرهما آصف شوكت) بفعل بروز "وفاق" أميركي- روسي حول سوريا تقوم بموجبه موسكو بتنفيذ إنقلاب عسكري ضد هذا الثلاثي، على أن تحصل في المقابل على الحفاظ على النظام السوري الحالي بعد تطويره، مع الحفاظ على نفوذها فيه. هذا الخيار، الذي تحدث عنه "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركية مؤخرا( 29 أيار/مايو 2012)، قد يجنِّب شمال لبنان ولبنان نفسه تجرُّع الكأس السورية المرّة.
السيناريو الثاني: تهاوي خطة كوفي أنان وانسداد الأفق أمام أي تسوية سلمية، يليها انفجار الحرب الاهلية المذهبية في سورية بشكل كامل. وحينها ستكون المناوشات العسكرية الراهنة عل الحدود اللبنانية- السورية مدخلاً لتطورات أمنية كبرى قد تسفر في النهاية عن انهيار السلطة اللبنانية في بيروت وتراقص لبنان نفسه على شفا حرب أهلية.
هذا السيناريو سيتضمن كذلك جهوداً سيبذلها النظام السوري، أو ماتبقى منه في المثلث العلوي، لإقامة "منطقة آمنة" له في عمق الشمال اللبناني، تكون معاكسة للمنطقة الآمنة التي قد تقيمها القوى الإقليمية المعادية له.
السيناريو الثالث، هو تحرّك سريع تقوم به القوى السياسية الرئيسة في لبنان لوضع استراتيجية موحّدة للنأي بالبلاد عن مضاعفات الأزمة السورية.
لكن السؤال المتعلق بمدى قدرة الأطراف السياسية اللبنانية على اتخاذ قرارات مستقلة عن أسيادها الإقليميين يبقى مصلتاً كالسيف فوق رؤوس الجميع في بلاد الأرز. وهذا لسبب مقنع: منذ استقلال لبنان قبل نيف و68 عاماً، لم يكن ثمة مرة واحدة كان فيها القرار اللبناني لبنانياً، ولم يحدث مرة واحدة أيضاً أن حلّت أزمة داخلية لبنانية إلا بقرار خارحي. فلماذا يكون الوضع الآن غير ذلك؟
على أي حال، التفاقم السريع للأزمة السورية بدأ يدفع الأمور في لبنان إلى إخراج هذا البلد من "غرفة الانتظار" التي يقبع فيها منذ سنة ونصف السنة، وقد يدخله قريباً في غرفة "العناية الفائقة".
وإذا ماحدث ذلك، والأرجح أنه سيحدث، لايبقى أمام المراقبين سوى التساؤل عما يمكن أن يحدث في داخل هذه الغرفة.