للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 15 يوليو، 2012

كيف ستُجابه المملكة السعودية "أخطر أيامها"؟







                                              - I -
قلنا بالامس ("اليوم، غدا" - 14-6-2012) أنه بات واضحاً أن الربيع العربي له قسمات إخوانية فاقعة في مصر وتونس والمغرب وسورية (والعد مستمر)، وأنه سيكون على القادة السعوديين قريباً مواجهة المقلب الآخر من التحدي الإخواني: الطبعة الليبرالية والديمقراطية المُفترضة من الإسلام.
فهل يؤدي ذلك إلى مجابهة جديدة بين جماعات الإخوان والمملكة، أم تنجح استراتيجية "شراء الخلافات نقداً" (ومعها شراء الوقت)؟ ثم: ما الخيارات امام النخبة السعودية هنا؟

                               تظاهرة للإخوان في القاهرة (غوغل)

سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. لكن الأهم من طرح التساؤلات هو معرفة كيفية مقاربة قادة الرأي في المملكة السعودية لهذا التطور.
هنا، قد يزوّدنا المفكر والكاتب السعودي البارز جمال الخاشقجي ببعض "المعالم على الطريق" حيال المقاربة الراهنة، على الأقل بالنسبة إلى جانب من النخبة السياسية السعودية.
ففي مقال نشره في الزميلة "الحياة" (في 26-6-2012)، يرسم الخاشقجي اللوحة التالية للإخطار التي تحيق بالمللكة هذه الأيام والتي يعتبرها "الأخطر في تاريخها": الانقلابات "الناعمة" والهادئة" واللااستقرار في الجناحين الاستراتيجيين للسعودية، مصر وباكستان؛ احتمال انضمام السودان (وسريعا) إلى الربيع العربي؛ اشتعال سورية بما قد يفتح أبواب جهنم إقليمية؛ الأزمة الدستورية الخطيرة في الكويت؛ الأزمة المتواصلة في البحرين؛ تكالب "القاعدة" على اليمن؛ أوضاع لبنان والعراق والصومال المضطربة؛ هذا إضافة بالطبع إلى التهديد الجيو-سياسي الإيراني المقيم.
ويخرج الكاتب بخلاصة تدعو ولي العهد الجديد الأمير سلمان إلى اتباع سياسة خارجية هجومية للرد على هذه التحديات، تماماً كما فعلت المملكة (بقيادة الأمير سلمان أيضا) حين ردّت على تحديات حقبة الثمانينيات، التي كانت خطرة هي الأخرى، بشن الحرب على السوفيييت في أفغانستان.
هل هذه النصيحة في محلها؟

                                                - II -
أجل، من حيث الشكل المستند إلى الذاكرة التاريخية الحديثة. فالكاتب يتذكّر هنا على الأرجح السياسة الخارجية الهجومية الناجحة التي شنّتها المملكة ضد القومية العلمانية الصاعدة في الخمسينيات والستينيات والتي أدّت في النهاية (إضافة إلى عوامل إقليمية ودولية أخرى) إلى تقويض هذه القومية. كما يتذكّر (كما أشار) الهجمات الشيوعية (السوفييتية) في أفغانستان وفي اليمن الجنوبي الماركسي، و"اليسارية" في عراق صدام حسين وسورية حافظ الأسد، وإثيوبيا منغستو، فضلاً عن الثورة الشيعية في إيران.
لكن التشابه في الشكل لايستتبع التطابق في المضمون. فما جرى في هاتين الحقبتين، على خطورته، تم خارج كنف العرين السعودي لا داخله. على هامشه لا في قلبه. وهذا مكَّن المملكة آنذاك من زج سلاحها السري الأكبر في المعركة ومن ربح هذه المعركة في نهاية المطاف ضد هذه التلاوين من المخاطر: الإديولوجيا الإسلامية.
أما الأن، فالصراعات لاتجري بين إسلاميين وملحدين، أو بين إسلاميين وقوميين، بل في الدرجة الأولى بين إسلاميين وإسلاميين: بين الإخوان والسلفيين، وبين المحافظين والإصلاحيين، وبين الديمقراطيين والسلطويين، وبين الإسلاميين الليبراليين و"الرجعيين".
وبالتالي، السياسة الخارجية الهجومية هنا ستعني الانغماس في حرب أهلية إسلامية على الصعيدين الإديولوجي والسياسي غير مضمونة النتائج.
لماذا؟
لسببين رئيسيين:
الأول، أنه سيكون على المملكة في مثل هذا الهجوم أن تعتمد على الحركات السلفية. وهذا أمر لم يعد خياراً جذاباً، بعد أن تبيّن أن العديد من هذه الحركات بدأت تتسيس و"تفتح" على حسابها. كما باتت أيضاً تُستخدم من قِبَل كلٍ من أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية ومن "القاعديين" و"القطبيين". هذه الحركات أصبحت إلى حد كبير سلاحاً ذا حدين.
والثاني، أن "الزواج غير المقدس" (كما يسميه الكاتب الأميركي جون كولي) بين الإسلام في طبعته السعودية وبين الغرب، تبدد هباء منثوراً غداة أحداث 11 سبتمبر، وحلّت مكانه الآن "أجندة حرية" أميركية ثابتة كانت هي في أساس قبول الغرب لصعود حركات الأخوان المسلمين إلى السلطة، وربما أيضاً في أساس نجاحات الربيع العربي (وإن ليس بالضرورة في إطلاق هذا الربيع).

                                                - III -
بالطبع، تستطيع ترسانة الأموال السعودية الضخمة أن تؤثّر على مسير ومسار عمليات الانتقال إلى الديمقراطية في العديد من الدول العربية، خاصة لجهة الحد من التعاون المحتمل بين هذه الثورات وبين الحركة الإصلاحية في المملكة وباقي أنحاء منطقة الخليج. لكنه سيكون في الغالب  تأثيراً محدوداً، ناهيك عن أنه لن ينجح في إسقاط الجاذبية الفكرية والثقافية والسياسية لهذه التجارب بالنسبة إلى المعسكر الإصلاحي السعودي والخليجي.
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
إنها تعني بوضوح أن السياسة الخارجية الهجومية، لن تكون كافية وحدها هذه المرة للرد على المخاطر الجسام التي تُحيق بالمملكة. الأمر ربما يحتاج إلى مقاربة فكرية- استراتيجية جديدة تتساوق وتتساوى فيها السياسة الخارجية مع التوجهات الداخلية.
وهذا يعيدنا إلى سؤالنا الألي: ما الخيارات السليمة والناجعة التي يمكن أن تتوافر للنخبة السعودية؟

                                                                                (غداً نتابع)
                                                                                     سعد