للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الخميس، 5 يوليو 2012

هل ظهر "جُسَيم الله" في سويسرا?



سعد محيو
يقوم كاهن مسيحي بطرد الجُسيم هيغز- بوزون Higgs-Boson من كنيسته.
يقول له الجُسيم: لاتستطيع ان تطردني أو تتخلّص مني.
يسأله الكاهن: لماذا؟
يرد الجُسيم: لأنه من دوني، لا أنت ولا الكون برمته ستكونان موجودين. فأنا الذي أعطي كل مكونات الذرات وكل الأشياء كتلتها.

                                لوحة خيالية لاصطدام الجسيمات في مسرعِّ سيرن(عن الانترنت)
هذه النكتة سرت كالنار في الهشيم أمس واليوم في العالم، بعد أن أعلن 6000 عالم من 34 دولة أنهم اكتشفوا أخيراً الجُسيم هيغز- بوزون، أو مايُطلق عليه "جُسيم الله" لأنه قد يكون مصدر كل الكتل التي تتكوّن منها المادة المعروفة في الكون، بعد بحث متصل دام نيفاً وخمسين سنة.

حين "يتكلّم هيغز
الاكتشاف تم في مقر المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) في سويسرا، التي تدير مسرّعاً للجزيئيات هو الأضخم في العالم، يتضمن عمله دفع البروتونات والنيوترونات في المسرّع (طوله 17 ميلاً) في إتجاهات معاكسة بسرعة تقارب سرعة الضوء، وبطاقة تبلغ 7 تريليون فولت. وحين تصطدم هذه ببعضها البعض توّلد حرارة تفوق آلاف المرات حرارة الشمس بما يشبه "الانفجار العظيم"، الأمر الذي سيمكّن العلماء من "رؤية" الحياة الداخلية للذرات، وفي مقدمها "جُسيم الله" في التريليون الأول من  الثانية الاولى للحظة الخلق.
هيغز- بوزون، الذي تنبأ بوجوده الفيزيائي النظري بيتر هيغز العام 1964 (الذي انفجر بالبكاء حين أعلن عن الاكتشاف)، أساسي للغاية في الكون لأنه في غيابه لايوجد شيء. إذ يعتقد أن هذا الجُسيم يخلق نوعاً من حقل القوة الذي يخترق كل الفضاء ويضخ الكتلة Mass  إلى الجسيمات الأخرى، مايجعل من الممكن وجود المادة والجاذبية.
يقول جو ليكن، وهو فيزيائي نظري في سيرن،:" نعرف أن الجُسيم هيغز- بوزون هو مركز كل شيء، ولهذا يدعونه "هباءة الله". فهو "يتكلّم" مع كل الجسيمات بطريقة أساسية". وحين تتفاعل الجسيمات الأخرى التي تشكّل مادة الكون- البروتونات، النيوترونات، الإلكترونات، وغيرها- مع حقل الهيغز، تتحصّل على سمة تُعرف بـ"الكتلة". وبالتالي فهو كالماء الذي يسبح فيه كل الكون.

أسئلة وجودية
الآن، وقد تأكد تقريباً أن هذا الجُسيم موجود بالفعل، ربما يكون الوقت قد حان لمحاولة الإجابة على بعض الأسئلة الوجودية الكبرى:
-       لماذا هناك فروقات بين المادة والمادة المضادة؟
-       هل هناك أبعاد أخرى في الكون غير الأبعاد الأربعة ، كما تقول نظرية الأوتار الفائقة التي تتحدث عن وجود 11 بعداً أو أكثر؟ (وبالتالي، هل هناك أكوان عدة موازية لأكواننا)
-       ما طبيعة المادة الداكنة والطاقة الداكنة؟
-       لماذا الجاذبية أضعف من القوى الثلاث الأساسية الأخرى في الطبيعة وهي الطاقة الكهرومغناطيسية، والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية القوية.
لن نكون نحن القراء العاديين غير المتخصصين في الفيزياء في وارد فهم  التفاصيل العلمية لهذه الأسئلة- المفاهيم. لكن، سيكون في وسعنا متابعة نتائجها النهائية، خاصة تلك التي تتعلق بنظريتين كلتيهما مشتقتان من  فيزياء الكم.
الاولى تقول أن الكون لايخرج إلى الشكل المحدد لوجوده، إلا إذا ما شاهده مراقب خارجي هو في حالتنا الراهنة الجنس البشري. بكلمات أوضح: الوعي البشري يلعب دوراً كبيراً في شكل الوجود، وهو ما تم إثباته في المختبرات حين تبّين أن فوتون الضوء يتصّرف كجزيء صلب إذا ما تمت مراقبته، وكموجة إذا لم يراقب. وهذا ما دفع زميل أينشتاين الفيزيائي جون ويلر إلى القول بأن الكون" هو مجرد "غيمة إحتمالات"، وأن الوعي الإنساني ، إضافة إلى تدخلات مادية خارجية أخرى، هو الذي يحدد أياً من هذه الإحتمالات سيتحّول إلى حقيقة.
الثانية تتحدث عن وجود لا كون واحد، بل عن نسخ لا متناهية من الأكوان المصفوفة بعضها إلى جانب بعض أو فوق بعضها البعض بدون أن يؤثر أحدها على الأخر، وإن كان الشبه كبير بينها.
مسّرع الجزئيات في جنيف سيكون قادراً على إضاءة بعض جوانب هذه الأسرار الغريبة خلال الأشهر القليلة المقبلة، بشرط أن يسير كل شيء على ما يرام، كما وعدنا العلماء الأوروبيون.

أين حجر الأساس؟
لكن، مهلا.
ربما يكون علماء سيرن حققوا بالفعل انجازاً علمياً ضخماً في مجال الفيزياء ماتحت الذرية، لكنهم لايعرفون بعد ممَ يتكوّن الجُسيم هيغز- بوزون، وهل هو مادة أم طاقة. وهذا ليس تفصيلاً بسيطا: إذ أن كل محاولات العلماء، من نيوتن إلى أينشتاين، لمحاولة العثور على "حجر أساس" مادي للكون، باءت بالفشل، حيث تبيّن أن الكون يتشكّل من حقول طاقة عملاقة تتفاعل في ما بينها في وحدة كاملة متسقة، لاوجود فيها للعناصر المادية الفردية المستقلة عن بعضها البعض.
الوجود، بكلمات أخرى، "فكرة " عملاقة" لا آلة عملاقة. و"جُسيم الله"، في حال تأكد نهائياً وجوده، قد يكون هو نفسه تأكيد لهذه الفرضية، لأن ماعثر عليه العلماء ليس الوجود المادي نفسه لهذا الجسيم، بل حقل طاقته الذي يتضمن الجزء في الكل والكل في الجزء.
كم كان الشاعر وليام بليك مُحقًا  حين قال:
كي تشاهد العالم في حبّة رمل،
والسماء مُجسَّدة في زهرة بريّة
إقبض على اللانهاية في راحة يدك
ومعها الأبدية في لحظة واحدة

 _______________________________________________________________