للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 17 يوليو، 2015

هل تخلّى أوباما حقاً عن هدف تغيير النظام الإيراني؟






مع إبرام "الصفقة التاريخية" النووية بين إيران والولايات المتحدة (في نهاية هذا الشهر)، ينبثق السؤال الكبير: هل تخلت واشنطن بالفعل عن خيار تغيير النظام الإيراني؟ وهل يؤدي ذلك، بالتالي، إلى تقاسم نفوذ بين الطرفين في منطقة الشرق الأوسط؟
قبل محاولة الإجابة على هذا السؤال، تجدر الإشارة إلى أن ثمة شبحاً يحوم هذه الأيام بكثافة فوق الشرق الأوسط، يُشبه ذلك الذي تحدث عنه كارل ماركس حين تحدث في البيان الشيوعي عن"ذلك الشبح الذي يلاحق أوروبا.
لكن هذه المرة، هذا الشبح ليس الشيوعية كما كان الأمر العام 1848، بل هو لعبة تغيير النظام بقيادة الرأسمالية، أو بالأحرى العولمة الرأسمالية.
من اليمن إلى سورية، مروراً بالعراق ومصر وتونس، مسألة تغيير النظام تعمل بقوة الآن، وهي تمزِّق بعنف النسيج الاجتماعي والثقافي في هذه الدول. لكن، هل إيران باتت بمنأى عن هذه اللعبة بعد أن وقّعت الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة؟
أو بوضوح أكثر: هل قدّمت واشنطن ضمانات لطهران بأنها تخلّت بالفعل عن هدف تغيير النظام، الذي كانت إدارة بوش تطرحه بقوة، كما أوضحت هذا في استراتيجية الأمن القومي في أيلول/سبتمبر 2002، التي شددت على أن "مبدأ تغيير النظام يوفّر الضمانة الوحيدة لإزالة أي أخطار وجودية تتعرض إليها الولايات المتحدة في العالم". أو كما أعلن نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني: نحت لانتفاوض مع الشر. نحن نهزمه".
شروط أوباما
الرئيس أوباما أوحى، في مقابلة قبل شهرين مع توماس فريدمان في "نيويورك تايمز"، أنه مستعد للتخلي عن هدف تغيير النظام الإيراني. ليس ذلك وحسب، بل هو وعد الملالي بأن إيران بعد الاتفاق "قد تكون ناجحة جداً كدولة إقليمية.. بحكم حجمها، ومواردها، وشعبها".
لكن، مع هذه "التطمينات" و"الوعود"، أرفق أوباما سلسلة شروط حاسمة وواضحة تتمحور كلها حول "ضرورة التغيير في "إيران". نقرأ لأوباما في المقابلة نفسها:
"إذا ماأراد أية الله خامنئي أن يرى إيران تدخل ثانية إلى أسرة الأمم، فيتيعن أن تحدث تغييرات". وأضاف:" على الإيرانيين أن يغيروا سلوكياتهم بشكل أوسع.. إذا ما أرادوا أن يكونوا جزءاً من الاقتصاد العالمي".
تعبير " التغيير" تكرر أكثر من عشر مرات في هذه المقابلة. وبالطبع، التغيير هنا، الذي يشمل الاقتصاد والاستراتيجيا والسياسات الإقليمية، يعني أن تغيّر إيران الثورية الإسلامية جلد نظامها بنفسها، بدل أن يُفرّض عليها تغييره من الخارج بقوة الحصار الدبلوماسي، والخنق الاقتصادي، والاستنزاف المالي في سباقات التسلّح والنفوذ الإقليمي. المقايضة هنا واضحة: الاقتصاد (أي دمج إيران في مؤسسات العولمة وأسواقها) مقابل  التخلي عن سياساتها الخارجية (الإرهاب وضرب الاستقرار الإقليمي) والنووية. نيكسون وماو
هذه هي المقايضة التي يريدها أوباما. وهذه هي المقايضة نفسها التي عرضها الرئيس نيكسون على الزعيم ماوتسي تونغ العام 1972، والتي قايضت فيها الصين سياستها الخارجية الثورية والشيوعية بدولارات منظمة التجارة الدولية وسندات الخزينة الأميركية.
البعض أطلق على هذا التوجّه اسم "مبدأ أوباما" الجديد، المستند إلى "الانخراط مع الدول المارقة" Rogue states (مثل كوبا وبورما إضافة إلى إيران)، مع الحفاظ على المصالح الاستراتيجية الاميركية الأساسية.
لكن الواقع أن هذا المبدأ الجديد ليس جديداً قط، وهو لايعني البتة التخلي عن هدف "تغيير الأنظمة"، تماماً كما أن الولايات المتحدة لم تتخل عن هدف  تغيير نظامي دولتين كبريين كالاتحاد السوفيتيي والصين.
وهذا ما أوضحه الكتاب المهم للغاية لروبرت أس. ليتواك Robert s. Litwak[1] حول كيفية مقاربة الولايات المتحدة لمسألة الدول المارقة. فسواء استخدمت واشنطن القوة العسكرية (كما في العراق) أو التهديد بها (كما في ليبيا القذافي) أو سياسة الاحتواء والردع (مع كوبا وكوريا الشمالية وإيران)، فإن الهدف الاستراتيجي واحد وإن تعددت التكتيكات: حمل الدول الإقليمية "المارقة" على الالتزام بقواعد وقوانين النظام الدولي الراهن، في السياسة كما الاقتصاد كما في الامن. وهذا النظام له اسم محدد الآن: العولمة الرأسمالية. وكما قال توماس بارنيت Thomas P.M. Barnett في دراسته الشهيرة  "خريطة البنتاغون الجديدة: "أي دولة تتحدى شروط العولمة، ستجد القوات الأميركية عاجلاً أم آجلاً فوق أراضيها".
لقد استطاع "الشيطان الأكبر"، عبر الاتفاق النووي، أن يدخل إلى أرض "الملاك" الإيراني من النافذة بعد أن طُرِد من الباب طيلة 35 سنة. وهو ينوي الآن ان يحقق في السلم ما تجنّب القيام به بالحرب: تغيير النظام الإيراني عبر بدء تغيير سلوكياته.
يبقى الانتظار لمعرفة ما إذا كان الصقور الإيرانيون سيتنصلون في اللحظة الأخيرة من كأس التغيير المُرّة هذه، أو يتجرعون سُمّها، كما فعل قبل ذلك الخميني حين وافق على وقف القتال مع عراق صدام خوفاً من الانهيار الاقتصادي للنظام، أو يختنقون بأنفاسهم الداخلية ويُفجرون حرباً أهلية في مابينهم.
لكن، وأياً كانت خيارات طهران، يمكن الآن مشاهدة "الشيطان الأكبر" وهو يرسم نصف ابتسامة على وجهه، وهو يقرأ في كتاب عنوانه "أفضل السبل لتغيير النظام".
سعد محيو
___________________
    





[1] Robert s. Litwak: Outlier states: American startegies to change,contain, or engage regimes. Johns Hopkins university press,2012.