للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 15 يوليو، 2015

الصفقة النووية: وداعاً للسيادة والاستقلال في إيران؟


(ينشر هذا المقال اليوم على موقع "سويس انفو": http://www.swissinfo.ch/ara)



(ينشر هذا المقال اليوم على موقع "سويس انفو": http://www.swissinfo.ch/ara)
من خرج، في خاتمة المطاف، الرابح الأكبر من الصفقة النووية: إيران أم الولايات المتحدة؟
الإيرانيون، أو الجناح المعتدل بينهم على الأقل، (ومعهم، على ماتدل استطلاعات الرأي، غالبية الشعب الإيراني) يقولون أنهم من ظفروا بحصة الأسد من مكاسب الاتفاق.
فبرأيهم، اعترف الغرب، من خلال هذه الصفقة، بشرعية نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد رفض ومقاطعة ومحاصرة دام نيفاً وثلاثة عقود. ليس ذلك وحسب، بل هو اعترف به أيضاً عضواَ في النادي النووي العالمي، وإن كقوة "تقف على العتبة النووية"، أي أنه قادر على انتاج القنبلة في فترة وجيزة لاتتجاوز السنة وربما أقل. وفوق هذا وذاك، ستحصل بلاد الخميني خلال ستة أو تسعة أشهر من الآن على أكثر من 150 مليار دولار من أموالها المجمّدة في العالم، وستُفتح الأبواب والنوافذ أمام الاستثمارات الدولية فيها، خاصة في قطاع الغاز والنفط الذي تحوز إيران فيه على رابع أكبر احتياطي في العالم.
ولاينسى الإصلاحيون المتمسكون بحدة بقوميتهم الإيرانية (مع نواتها الفارسية) أن يضيفوا بأن مجرد إجراء المفاوضات بين إيران وبين الدول الكبرى الست (أميركا، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا) التي تحكم العالم وتتحكّم به، دليل قطاع على الجمهورية الإسلامية الإيرانية أثبتت وجودها بشكل مؤثّر على الساحة الدولية، بالمقارنة مع دول أخرى متوسطة الحجم كمصر وتركيا واندونيسيا التي تعاني من تهميش القوى الكبرى لها.
تاجران "ذكي وغبي"
كل هذا قد يكون صحيحاً.
لكن ثمة صحة أيضاً في ماقاله إعلامي بارز مقرّب من الجناح الإيراني المتشدِّد، حين أشار إلى أن الاتفاق النووي هو في العمق "صفقة غريبة بين تاجر ذكي (الغرب) وتاجر غبي (إيران). فالمفاوض الإيراني اشترى من الغرب بضاعة تعود أصلاً إليه، ثم صوّر ذلك على أنه ربح صافٍ لطهران".
ماقصده الإعلامي البارز هو أن المفاوض الإيراني قَبِلَ أن يرهن قرار بلاده السيادي كدولة مستقلة في مجال حقها في التطوير النووي، ويضعه تحت الرقابة الدولية. وهذه خطوة ستمهد لخروقات أخرى أكثر خطورة سيقوم بها حتماً "الشيطان الأكبر" ضد هذه السيادة وذاك الاستقلال، اللذين اندلعت ثورة الخميني العام 1979 أساساً لاستعادتهما من يد الغرب.
ملاحظة هذا الإعلامي دقيقة، خاصة حين نضع الصفقة ليس في ميزان الربح والخسارة الفوري، بل في سياقاتها التاريخية المتعلقة بطبيعة الثورة الإسلامية الإيرانية، وبالدولة الإيرانية نفسها.
فنظام الرقابة والتفتيش الوارد في الاتفاق الذي وقع في 159 صفحة مع خمسة ملاحق، جاء صارماً للغاية وشاملاً للغاية بشكل لم يسبق له مثيل. إذ أن كل مكونات البرنامج النووي الإيراني ستكون خاضعة إلى تفتيش دولي دائم ومتصل، ليس فقط لسنة أو سنتين بل لـ 10 و15 و25 سنة في بعض الحالات. وهذا لايشمل منشآت تخصيب اليورانيوم، ومصانع أجهزة الطرد المركزي، ومخازن اليورانيوم والبلوتونيوم وحسب، بل أيضاً مواقع عسكرية عدة، بما في ذلك قاعدة "بارستين" الحسّاسة وفائقة السرية التابعة للحرس الثوري الإيراني.
لا بل أكثر: ينص الاتفاق على أنه في حال اعترضت إيران على طلب لجان التفتيش الدخول إلى موقع ما، سيُرفع الخلاف إلى اللجنة الدولية المكوّنة من الدول الكبرى الست والمولجة بمتابعة تنفيذ بنود الصفقة. وفي حال قررت اللجنة أن الطلب مُبرر، ستكون الدولة الإيرانية مُلزمة بقبوله خلال 24 يوما.
حجم رقابة مشدّدة من هذا النوع، لايترك مجالاً للشك بأن إيران دفعت بالفعل ثمناً باهظاً من جيبها (سيادة الدولة على أراضيها) مقابل الحصول على الاتفاق. وهذا لم يكن ليقبل به مرشد الثورة  المريض (على مايقال) أية الله علي خامنئي، لولا أن الاقتصاد الإيراني لايزال يتراقص منذ ثلاث سنوات على شفير الانهيار، بسبب العقوبات الدولية والأكلاف الباهظة لحروب إيران الاستنزافية في سورية والعراق واليمن ولبنان.
الثورة الإيرانية نشبت أساساً العام 1979 ضد التغريب والتبعية للغرب أيام الشاه، وكرد فعل على قلب الأميركيين لنظام محمد مصدق العام 1953 ولاحتلال الروس والبريطانيين لإيران وتقسيمها العام 1941. والآن، عودة الهيمنة الدولية على هذا النحو على إيران، من خلال نظام الرقابة الصارم، قد يطبع قبلة الموت على جل أهداف الثورة الخمينية الخاصة بالسيادة والاستقلال.
وإذا ماكان البعض يعترض على هذه الحصيلة بالقول أن صين ماوتسي تونغ أبرمت في الستينيات صفقة مماثلة مع أميركا- نيكسون وخرجت منها رابحة، كما يتضح حالياً مع تحوّل الصين إلى ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، إلا أن هذا البعض يغفل الحقيقة بأن الصين باعت بالفعل لأميركا سياستها الخارجية وقايضتها بالاقتصاد، لكنها لم تبع كذلك سيادتها على أراضيها كما فعلت إيران. الفارق بهذا المعنى كبير بين الصفقتين الصيني والإيرانية. والنتائج حتماً ستكون مختلفة أيضاً بشكل كبير.
الخميني والشاه
على أي حال، حبر الاتفاق لما يجف بعد. ولذا يجب الانتظار لمعرفة ما إذا كانت الصفقة ستكون قادرة على الحياة والبقاء. فالمعترضون عليها كثر، من إسرائيل والدول العربية الخليجية إلى الجمهورييين الأميركيين. والمتشددون الإيرانيون لهم باع وتاريخ طويلين في خبرة نسف الاتفاقات السرية مع أميركا، كما فعلوا العام 1988 حين سرّبوا إلى مجلة لبنانية (الشراع) بنود صفقة أميركية- إيرانية حول الحرب مع عراق-صدام حسين. ولايستبعد المراقبون أن يتحرّك المتشددون الآن، سواء في الداخل الإيراني أو عبر تفجير نقاط تماس مع إسرائيل في الشرق الاوسط، لمحاولة عرقلة تنفيذ الاتفاق.
وثمة هنا نقطة أخرى لاتقل أهمية: إلى أي مدى تبدو إيران مستعدة لتحويل التسوية النووية إلى وفاق جيو-سياسي مع "الشيطان الاكبر" الاميركي؟ وإذا مافعلت، ألا يعني ذلك ببساطة أنها ستمسح بشطحة قلم كل الأكلاف الباهظة التي دفعتها طيلة العقود الثلاثة الأخيرة لتحقيق استقلالها القومي، فتعود بالتالي إلى قاطرة التبعية التي كانت عليها إيران إبان عهد الشاه؟
الرئيس أوباما أوحى، في مقابلة قبل شهرين مع توماس فريدمان في "نيويورك تايمز" أنه مستعد للتخلي عن هدف تغيير النظام الإيراني، وأن يسمح لإيران بأن "تكون ناجحة جداً كدولة إقليمية بحكم حجمها، ومواردها، وشعبها". لكنه وضع في المقابل سلسلة شروط حاسمة وواضحة تتمحور كلها حول "ضرورة التغيير في "إيران". نقرأ لأوباما في المقابلة نفسها:
"إذا ماأراد أية الله خامنئي أن يرى إيران تدخل ثانية إلى أسرة الأمم، فيتيّعن أن تحدث تغييرات. على الإيرانيين أن يغيروا سلوكياتهم بشكل أوسع، إذا ما أرادوا أن يكونوا جزءاً من الاقتصاد العالمي".
تعبير " التغيير" تكرر أكثر من عشر مرات في هذه المقابلة. وبالطبع، التغيير هنا، الذي يشمل الاقتصاد والاستراتيجيا والسياسات الإقليمية، يعني أن تغيّر إيران الثورية الإسلامية جلد نظامها بنفسها، بدل أن يُفرّض عليها تغييره من الخارج بقوة الحصار الدبلوماسي، والخنق الاقتصادي، والاستنزاف المالي في سباقات التسلّح والنفوذ الإقليمي. المقايضة هنا واضحة: الاقتصاد (أي دمج إيران في مؤسسات العولمة وأسواقها) مقابل  التخلي عن سياساتها الخارجية (الإرهاب وضرب الاستقرار الإقليمي) والنووية.
بكلمات أوضح: الشرط الأميركي الحقيقي للوفاق مع إيران، وبالتالي لإعادة دمج بلاد الخميني وقورش في النظام العالمي، هو أن تحوم "روح الشاه" مجدداً فوق رأس السلطة في إيران، وأن تتخلى هذه الأخيرة عن هدف السيادة والاستقلال الثمين. فهل هي مستعدة لذلك؟ وهل الحرس الثوري مستعد للتحوّل من الحالة "الثورية" إلى حالة "التبعية"؟
فللنتظر قليلاً لنر.
وفي هذه الأثناء، يجب أن يبقى السؤال حول من الرابح الأكبر من الصفقة النووية معلّقاً في الهواء، إلى حين جلاء الصورة النهائية حيال طبيعة ومآل ومصير التمخضات في الداخل الإيراني. وهي تمخاضات ستكون حادة على الأرجح كما هي حتمية. وهذا ربما كان الهدف الحقيقي والرئيس لـ"الشيطان الأكبر" من وراء إبرام هذه الصفقة.

سعد محيو- بيروت