للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 9 ديسمبر 2012

السعودية والإمارات مع العلمانيين، والإخوان مع السلفيين!




- I -
حاول أن تفهم:
المملكة العربية السعودية، التي تصرف مليارات الدولارات سنوياً على نشاطات الدعوة الإسلامية في كل العالم، بينها نحو 60 ألف مدرسة كتاتيب في باكستان وحدها لايُدرّس فيها سوى القرآن الكريم، وتموِّل كل مايخطر على بال من جمعيات ومنظمات سلفية في كل العالم أيضاً، تقف بقوة إلى جانب القوى العلمانية المعارضة لجماعات الإخوان المسلمين.
سلفيو تونس: ثورة السياسة على الدين- الصورة من غوغل

وقل الأمر نفسه على دولة الإمارات، التي ترفع هي الأخرى رايات الإسلام خفاقة، لكنها تتحالف مع نظام الرئيس حسني مبارك وورثته وأصحاب أملاكه، فضلاً عن نظام زين الدين بن علي، اللذين زجها طيلة عقود مئات آلاف الإسلاميين في السجون.
ما هذا الذي يحدث؟
قبل الإجابة، فلنكمل أولا مشوار محاولات الفهم.
جماعة الإخوان المسلمين المصرية، التي لطالمت رفعت شعار "الإسلام هو الحل" وشنت حرباً ضروس على معاهدة كامب ديفيد، تقوم وهي في السلطة بالوساطة والتنسيق مع " الكيان الصهيوني الغاصب عدو الإسلام"(كما كانت تصفه سابقا)، وتنال على ذلك إطراء وثناء الرئيس الأميركي بوش وشكر رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.
وجماعة الإخوان الأخرى في تونس، حزب النهضة، التي نال زعيمها الغنوشي الجوائز الدولية لـ"حكمته وإعتداله" ومساهمته في مساعدة بلاده على الانتقال السلمي إلى الديمقراطية، يتحالف مع السلفيين المتطرفين، ويشكّل ميليشيات سلفية من داخل حزبه تحت شعار "حماية الثورة والإسلام".
الأمر نفسه فعله زملاؤه في مصر، حين ضربوا عرض الحائط بشعارهم "المشاركة لا المغالبة"، وقلبوا ظهر المجن لحلفائهم العلمانيين في ثورة يناير، وانخرطوا مع السلفيين في عملية فرض دستور قروسطي في بعض بنوده على نصف المصريين من غير التيارات الإسلامية.
- II -
مرة أخرى، ما هذا الذي يحدث؟
لاشيء. إنه ببساطة أكثر الاستخدامات السلبية للدين الإسلامي الحنيف التي يمكن أن تُتصوَّر. لا بل أكثر: إنه في الواقع تشويه لجوهر هذا الدين.
وهذا أمر بديهي أن يحدث حين يتحوّل شعار الضرورات تبيح المحظورات في بعض الأحيان، إلى شعار الضرورات تبيح المحظورات في كل الأحيان؛ وحين يتم تسيسس الروح الآخروية لخدمة المادة الدنيوية.
فحين تدعم السعودية، خادمة الحرمين الشريفين وسدنة الأسلام، العلمانيين، وحين تذهب جماعة الإخوان المصرية إلى إسرائيل وتدير الظهر لمواطنيها المصريين المطالبين بالمواطنة الحقة، وحين يتنكّر الغنوشي التونسي لكل تنظيراته عن الديمقراطية مفضلاً ضروراته مع السلفيين، يكون ثمة عطب كبير في الطريقة التي يقارب فيها الدين الحنيف.
وهذا تطور خطير، سبق أن مرت به أوروبا القروسطية، حين صادرت الكنيسة كل الحقوق والحريات باسم الدين ودفعت الكثير من الفرنسيين، على سبيل المثال، إلى التظاهر حتى ضد العناية الإلهية. كما سبق أن مرّت به إيران الإسلامية التي وعدت مواطنيها بحكم القديسين من رجال الدين، فإذا بمعظم هؤلاء يصبحون كهنة أسوأ معابد الفساد والإفساد، والقمع  والاضطهاد.
- III -

ما المخرج من هذا الكابوس العجيب؟
ثمة مخرج واحد: ثورة الدين على السياسة، وثورة أخرى من الروح والوعي الصافي على المادة والمصالح المادية. فالدين جاء ليتمم مكارم الأخلاق، لا ليعزز مثالب السياسة والسياسيين. جاء ليرتقي بوعي الإنسان إلى مايتجاوز الشهوات والرغبات، لا لكي ينحط بهذا الوعي إلى درك الحقد والكراهية والانغلاق على الذات.
وإذا ما كان هناك من يرفض هذه الدعوة إلى ثورة الدين على السياسة، فسيكون عليه أولاً أن يبرر يفسّر لنا كيف يمكن لمن يرفعون رايات الإسلام أن يتصرفوا على هذا النحو اللاإسلامي، باسم الإسلام.

سعد