للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الثلاثاء، 12 فبراير 2013

قطر الماكافيلية تُقاتل وتُغامر.. وتُقامر (الحلقة- 2 من "مفاجآت شبه الجزيرة العربية")


- I -
حين سُئِل رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق  الحريري عن أسباب انغماسه في العمل السياسي، أجاب بصراحة:" اكتشفت فجأة أن الأموال الطائلة التي راكمت لامعنى لها في حد ذاتها، ولذا قررت أن أعطيها معنى عبر السياسة".
حمد في غزة: مغامرة ومقامرة (الصورة من غوغل

وحين سُئِل هنري كيسينجر عن الأسباب التي تجعل السياسيين يعشقون العمل السياسي إلى حد الهوس، قال:"هذا لأن السياسة تأتي بالسلطة. والسلطة هي أهم "منشِّط جنسي" على الأطلاق(...)".
هل هذه المعطيات هي التي تُملي أيضاً دوافع تحوّل قطر إلى آخر مفاجأة من المفاجآت المتصلة لشبه الجزيرة العربية التي تحدثنا عنها بالأمس؟ (راجع "اليوم، غدا" - 11-2-2013).
الأرجح أن الأمر كذلك، لكن ليس فقط لأن الأمير حمد بن خليفة ورئيس وزرائه حمد بن جاسم وبقية حلفائهما في أسرة آل ثاني الحاكمة، يريدون منح أموالهم الطائلة معنى ما أو التمتع بمزايا السلطة فقط، بل لأنهم يعتقدون أيضاً أن تحويل دولة قطر الصغيرة إلى فكرة كبيرة إقليمياً ودوليا، يوفّر لها الأستقرار في الداخل ويفتح أمامها أبواب ونوافذ جديدة لمصالحها المالية والتجارية في الخارج.
من رحم هذه المفاهيم وُلدت العام 1995، حين انتزع حمد السلطة من والده، النزعة البراغماتية القطرية المتطرفة التي تطبِّق حرفاً بحرف تعاليم نيقولو ماكيافيلي، أبو علم السياسة الحديث، التي تستند أساساً إلى مقولة الغاية تبرر الوسيلة.
- II -

غاية القيادة القطرية متعددة الرؤوس: العظمة الشخصية؛ القيادة الإقليمية والتواجد في كل أنحاء المنطقة؛ البروز كلاعب دولي، وتوسيع آفاق الفرص الاقتصادية والتجارية القطرية إلى مالانهاية عبر ممارسة دور سياسي نشط وقوي في المنطقة والعالم.
أما الوسيلة، فهي وسائل:
- وضع ثروات البلاد الطائلة، ومعها فضائية الجزيرة، في خدمة السياسة الخارجية، لكن بشرط أن يؤدي الاستثمار في هذه الأخيرة في نهاية المطاف إلى خدمة ثروات الأسرة. وهذا تحقق بنجاح، على سبيل المثال، في ليبيا، حيث عملت قطر جنباً إلى جنب مع فرنسا وبريطانيا وحلف الأطلسي على تمويل وتدريب الثوار هناك، وهي تقطف الآن الثمار في شكل حصولها على أفضليات اقتصادية.
- عدم التردد في إبرام تحالفات مع دول وقوى متناقضة للغاية في مابينها: وهكذا، كانت قطر تدعم حركة حماس، وتقيم في الوقت نفسه علاقات وثيقة مع إسرائيل؛ وتستقبل قاعدة عسكرية أميركية ضخمة فيما هي تنسج علاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع إيران؛ وتستقطب بأموالها مروحة واسعة من القوميين العرب واليساريين والعلمانيين في المنطقة (تيار عزمي بشارة نموذجا)، فيما تشرع كل أبوابها أمام جماعات الإخوان المسلمين، من مصر إلى تونس مروراً بسورية.
- على رغم أن الدوحة مهجوسة بفكرة الاستقلال عن الجار السعودي الكبير المهمين على مجلس التعاون الخليجي، وتجد نفسها في حالة تنافس معه على كسب قلوب وعقول مختلف أنواع الحركات الإسلامية، إلا أنها تمكّنت في الآونة الأخيرة من إيجاد بعض القواسم المشتركة معها، كمعارضة النظام السوري مثلا.
- وأخيرا،  جاء الدعم (بل والتزعم الإعلامي) القطري لثورات الربيع العربي، ليكون النموذج الفاقع والصارخ عن النزعة البراغماتية القطرية المطلقة. فهذه الإمارة الوهابية المغرقة في نزعة المحافظة، والتي يحكمها أمير بشكل أوتوقراطي فردي مع حفنة من أقاربه، تحوّلت فجأة (ولكن في الخارج فقط) إلى بطل الديمقراطية والحريات في المنطقة العربية، وأصبح الأمير الأوتوقراطي المحافظ زعيم الثورات والانتفاضات والانقلابات. بكلمات أخرى: قطر كانت تتزعم ثورات الربيع العربي في الخارج، وتشن ثورات مضادة ضد هذا الربيع في الداخل.
صحيح أنها تتحدث منذ العام 2008 عن مجلس شورى يجري انتخاب ثلثيه بالاقتراع المباشر، وأن ثمة وعداً الآن بأن تجري هذه الانتخابات هذه السنة، إلا أنه من الصحيح أيضاً أن الأمير حمد لايوحي لأحد بأنه ينوي في أي وقت قريب التخلي ولو عن جزء من صلاحياته  المطلقة، أو حتى عن حصانته ضد أي نقد. ومن يعتقد غير ذلك، يجب أن يتذكّر مصير الشاعر منكود الحظ محمد بن الذيب العجمي الذي اعتقد أن تزعم قطر للربيع في مصر وتونس وليبيا، يعني ربيعاً أيضاً في قطر.
- III -

الآن، وقد أوردنا مختلف المعطيات التي خلقت التجربة القطرية المفاجئة، والتي هي في الواقع مغامرة أو حتى مقامرة من الطراز الأول، نأتي إلى سؤالين حاسمين:  علامَ تستند القيادة القطرية، في إطار لعبة موازنين القوى، في مضيها قدماً في هذه المغامرة؟ وماطبيعة المخاطر الجمة التي ستتعرض لها وهي تخوض غمار هذه اللعبة الخطرة؟
(غداً حلقة أخيرة)
سعد محيو
-