للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 20 فبراير 2013

"ثورة أوباما" على النفس.. والصين(الحلقة 3)


- I -
تساءلنا بالأمس: أين تقف إدارة أوباما من تياري التقدم إلى أمام (استراتيجية الهيمنة العالمية) والتراجع إلى الخلف (استراتيجية ضبط النفس) المتنازعين في السياسة الخارجية الأميركية؟
(أوباما عن حال الأمة: الأولوية للاقتصاد والصين (الصورة من غوغل

يبدو أنها تقف في "منزلة بين منزلتين"، مع ميل أكثر قليلاً إلى تيار التراجع. وهذا واضح وجلي في مايطلق عليه في واشنطن الآن سياسة "الاستدارة (Pivot) أو إعادة التوازن Rebalancing)) نحو منطقة آسيا- الباسيفيك"، بدلاً من التركيز على أوروبا- الأطلسي كما كان الأمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
المسؤولان الاستراتيجيان البارزان في الشؤون الأمنية الأميركية شون بريملي وإيلي راتنر يلخِّصان هذه الاستدارة أو إعادة التوازن في المحاور الرئيسة التالية:
-أوباما وصل إلى الحكم وهو على قناعة بأن حربي العراق وأفغانستان منعتا الولايات المتحدة من تركيز الموارد  في آسيا التي تعتبر منطقة مركزية وحيوية للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية. وهذا مادفعه إلى إعادة ترتيب الأولويات الأميركية والاعتراف بالحقائق الجيو- سياسية المتغيرة للقرن الحادي والعشرين.
- هذا التوجه الجديد لايقتصر على الجوانب العسكرية، بل يطال أيضاً المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، وتعزيز العلاقات مع الحلفاء التقليديين، وبناء علاقات أعمق مع القوى الصاعدة، بما في ذلك الصين، وتنويع المواقع العسكرية للولايات المتحدة. كما أنه (التوجه) يهدف إلى التركيز على الاهمية الجيو- سياسية لمنطقة المحيط الهندي بوصفه الطريق الرئيس للتجارة العالمية. وقد دعمت واشنطن تطور علاقات أكثر وثوقاً بين الهند وبلدان شرق آسيا.
- واشنطن لاتسعى إلى حفز دول كفيتنام والفيلبين وغيرها على تحدي الصين، بل تعمل على  بناء نظام إقليمي آسيوي تحكمه القواعد والمؤسسات، بما في ذلك مؤسسة الحوار الاستراتيجي والاقتصادي الأميركي- الصيني وحوار الأمن الاستراتيجي. والواقع أن السنوات الأربع الماضية شهدت قفزة نوعية في الانخراط الأميركي الإيجابي مع بجبينغ  أكثر من أي مرحلة أخرى في تاريخ العلاقات بين البلدين.
- في حقبة التقشف المالي الذي تمر به الولايات المتحدة، سيتطلب التركيز على منطقة آسيا- الباسيفيك خفض الالتزامات الاميركية في باقي مناطق العالم، وأيضاً على الطلب من حلفائها وشركائها في هذه المنطقة تحمُّل مسؤوليات إضافية. وهكذا يتعيّن على جيوش دول مثل استراليا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايلاند أن تساهم بشكل أكبر في الأمن الإقليمي وفق مستويات متوافقة مع إمكاناتها.
- II -

هذه هي قواعد الاستدارة شرقاً نحو آسيا التي بدأت إدارة أوباما بالفعل تطبيقها. وهي، كما هو واضح، تتكوّن من عنصرين إثنين: العمل على إصلاح وتصحيح مسار الاقتصاد الاميركي في الداخل، وتقليص النفقات والأعباء والالتزامات الأميركية في الخارج لكن من دون التخلي عن استراتيجية الهيمنة الليبرالية التي أشرنا إليها بالأمس، بل مجرد تطويرها.
الرئيس أوباما كرّس جل خطابه الاخير قبل أيام عن حال الاتحاد للشأن الاقتصادي الداخلي، بوصفه المدخل لتعزيز الزعامة الأميركية العالمية. وهو أطلق على هذه المهمة وصف " إعادة إشعال" الآلة الاقتصادية الأميركية. وهذا يشمل خفض العجوزات وجبل الديون الضخمة، وإعادة تصنيع أميركا، والتركيز على تكنولوجيات الطباعة ذات الأبعاد الثلاثة (3-D printing ) التي تحدث الآن ثورة كبرى في كل مجالات الانتاج الصناعي، وبيوتكنولوجيا الجينوم، والنفط والغاز الحجري (shale oil and gas ) الذي سيمنح الولايات المتحدة قريباً اكتفاء ذاتياً من الطاقة.
وحين تطرق أوباما إلى السياسة الخارجية، كان ملفتاً أنه ركّز على رفض شن حروب ضد الإرهاب والاكتفاء بمساعدة الدول الأخرى على محاربته، والعمل على منع انتشار الأسلحة الخطرة (لدى إيران وكوريا الشمالية)عبر الدبلوماسية، وحماية الوطن الأميركي من الهجمات الالكترونية. كما أنه شدد على ضرورة تسريع المفاوضات حول الشراكة التجارية عبر كلٍ من المحيطين الهاديء في آسيا والاطلسي في أوروبا.
وكل هذا يشي بأننا نقف بالفعل أمام مرحلة جديدة في التوجهات الخارجية الأميركية، قوامها الضبط الاقتصادي "القومي" في الداخل، وخفض الالتزامات (والحروب) الأميركية في الخارج، وإعادة تركيب نظام العولمة الأميركي بما يخدم هدف احتواء صعود الصين.
لكن، كيف ستترجم هذه السياسة الجديدة نفسها في الشرق الأوسط؟
(غدا حلقة رابعة وأخيرة)
سعد محيو