للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

السبت، 2 فبراير، 2013

متى(وليس هل) تنقض أميركا على الوهابية السعودية؟




-I-
تساءلنا في الحلقة الثانية من هذه السلسلة ("اليوم، غدا"، 1=2-2013): علامَ تراهن السعودية في "ثورتها المضادة الثانية" ضد الربيع العربي، على رغم العقبات الإقليمية والمحلية الكأداء التي تعترضها؟
الوهابيون الأوائل: حاضر يرفض أن يموت(الصورة من غوغل

الجواب، برأي الرياض، يأتي من الخارج، وبالتحديد من التوجهات الأميركية المحتملة في الشرق الأوسط. والرهان السعودي هنا يبدو ظاهرياً قوي المنطق ويستند إلى قواعد الواقعية السياسية ومبدأ موازين القوى. لكن هذه قد تكون حصيلة مخطئة للغاية، كما سنرى بعد قليل.
ثمة ثلاثة عناصر في هذا الرهان:
الأول، الولايات المتحدة في حاجة ماسة إلى قوى داخل منطقة الخليج وخارجها، لموازنة واحتواء ومواجهة القوة الإيرانية. وفي غياب العراق، وعدم رغبة تركيا في الانغماس (حتى الآن على الأقل) في مواجهات مع إيران تعيد انتاج الصراع الصفوي- العثماني التاريخي، لايبق سوى السعودية للقيام بهذا الدور الحيوي.
 هذه الموازنة لاتتعلق فقط بالأسلحة النووية ومنظومة الصواريخ، بل أيضاً بمواجهة طموحات الملالي الإقليمية، الأمر الذي يدفع واشنطن ليس فقط إلى غض النظر عن النظام اللاديمقراطي في السعودية، بل أيضاً عن الثورة المضادة التي تقوم بها حالياً هذه الأخيرة.
الثاني، حاجة أميركا إلى الحفاظ على تدفق النفط من السعودية وباقي منطقة الخليج بأسعار معقولة، على رغم النهضة التي يشهدها الآن قطاع الطاقة الاميركي بفعل تقنيات استخراج الغاز الطبيعي والنفط من فحم الشال. إذ أن الولايات المتحدة لاتزال تستورد 23 في المئة من النفط الخام والمنتجات المتعلقة به من العالم العربي، خاصة السعودية (1،2 مليون برميل في آب،أغسطس 2012)، والعراق (550 ألف برميل)، والجزائر (303 آلاف برميل) والكويت (301 ألف برميل). هذا علاوة بالطبع عن حاجة واشنطن الاستراتيجية لمواصلة إحكام قبضتها على موارد النفط الشرق اوسطي بهدف الامساك بقارة أوراسيا من عنقها. وفي مثل هذه الظروف، تعاون الدولة السعودية الحالية سيكون ضرورياً وملحاً في هذه المرحلة.
الثالث، هو الحاجة الأخرى للولايات المتحدة لتعاون كل الدول معها في مكافحة الإرهاب، بغض النظر عن طبيعة أنظمتها السياسي.
-II-
كل هذه العوامل، مضافاً إليها صمت واشنطن عن قمع القوات السعودية للربيع البحريني بالقوة العسكرية المباشرة واستمرار تمويل الرياض للحركات السلفية المتطرفة في تونس ومصر وسورية وغيرها، تشجِّع النخبة الحاكمة السعودية على الاستنتاج بأنها طليقة اليد أميركياً للمضي قدماً في ثوراتها المضادة.
بيد أن هذه الرهانات، على رغم قوة منطقها القوي، قد تكون مخطئة، كما أسلفنا في البداية. لماذا؟ لأنها تبني تحليلاتها الجديدة على معطيات قديمة، أو حتى على عادات قديمة. وبالتالي لاتأخذ في الاعتبار خطورة المتغيرات الهيكلية والاستراتيجية والمفاهيمية التي طرأت على السياسات الأميركية بعد زلزال 11 سبتمبر 2001.
أجل. أميركا في حاجة إلى السعودية لموازنة إيران، وتسهيل السيطرة على موارد النفط، ومكافحة الإرهاب. لكنها بات أيضاً بعد 11 سبتمبر بحاجة لما قد يكون أهم من كل ذلك: حماية أمنها القومي ونظامها العالمي المتعلوم، من خلال تجفيف المنابع الفكرية والإديولوجية والنفسية التي يترعرع فيها التطرف الإسلامي. وهنا تبرز ضرورة التغيير في السعودية.
فالتيار السلفي الوهابي، الذي خرج من صفوفه أسامة بن لادن و15 من منفذي هجمات 11 سبتمبر، لم يعد مفيداً لأميركا كما كان طيلة العقود السبعة التي تلت صفقة "الزواج غير المقدس" (على حد تعبير الكاتب الأميركي جون كيلي) بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت. لابل أصبح الآن أحد المخاطر على الأمن القومي الأميركي والعالمي.
لكن، وطالما أن الأمر على هذا النحو، لماذا لا نسمع عن مطالب أو ضغوط أميركية لتجريد هذا التيار من أسلحته وعتاده الإديولوجي والسياسي؟
لأن الأمر يتعلّق بالمرحلية والجداول الزمنية للبرامج الأميركية.
لقد أعلن الرئيس الأميركي السابق بوش، وتلاه العديد من المسؤولين الأميركيين، أن الحرب ضد الإرهاب الأسلامي ستستغرق جيلاً كاملا. لكن هذه الحرب بدأت بالفعل وهي لاتأخذ شكل الحرب العسكرية ومعارك الدرون (الطائرات من دون طيار) وحسب، بل أيضاً تحالفات وعلاقات من نوع جديد بين واشنطن وبين القوى الإسلامية المستعدة لمشاركتها المعركة ضد الفكر الإسلامي المتطرف.
وهكذا ولد للمرة الأولى التحالف بين الإخوان المسلم وبين الولايات المتحدة. وهكذا أيضاً، تخلّت هذه الأخيرة بطرفة عين عن حلفاء استراتيجيين من الدرجة الأولى لها على غرار حسني مبارك وزين العابدين بن علي وعلى صالح (الذي كان أيضاً عضواً في "السي. أي . آي) وبشار الأسد، وتبنّت علناً (كما في خطاب أوباما في اسطنبول) الإسلام التركي كنموذج جديد وبديل عن حليفها القديم الإسلام الوهابي.
-III-
لماذا لم تستطع النخبة السعودية، أو العديد منها على الأقل، التقاط هذه المعطيات بالغة الوضوح فعمدت، بدل  الانغماس في لجج ثورة مضادة مكلفة وخطرة في طول المنطقة وعرضها، إلى بدء حركة إصلاح جذرية يستبدل فيها الأمير (الحاكم السعودي) شيخه السلفي (الوهابي) القديم بشيخ سلفي معتدل ومنفتح وإصلاحي يواكب هذه المتغيرات الاميركية والإقليمية الكاسحة؟
هل السبب تصلُّب شرايين النظام بحكم سيطرة الكهول عليه، أم لأن ثروة النفط بقدراتها "الشرائية" تُغشي بصر صاحبها عن رؤية الحقيقة، أم لقصور نظر استراتيجي لدى صقور النخبة؟
لاأحد قادر على الجزم على وجه الدقة. فالأسرة السعودية تغلّف نفسها بستار من الكتمان أشبه بالمنظمات السرية محكمة الإغلاق.
لكن ما هو مؤكد أن رفض الأسرة رسم خط فاصل بين الدولة السعودية وبين السلفية الوهابية القديمة، سيضعها عاجلأ أو آجلاً في مواجهة المتغيرات الدولية والإقليمية الجديدة. وحينها ستغرق الدولة مع الوهابية، وسيسقط معهما الكيان السياسي الوطني السعودي نفسه.
متى يمكن أن يحدث ذلك؟
ببساطة حين ترى "الجدولة" الزمنية الأميركية لحرب الجيل ضد الإرهاب، أن الوقت حان للالتفات إلى معاقل التطرف في السعودية. ربما يحدث ذلك فور الانتهاء من نظام بشار الأسد، أو حتى قبل ذلك. لكنه آت لاريب فيه. فالعولمة الأميركية في حالة طلاق بائن مع الشيخ الوهابي القديم، وهي الآن في صدد التحضير لحقبة ما بعد الطلاق!.

سعد محيو