للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الخميس، 17 يناير 2013

الأسرة الحاكمة السعودية: إما الإصلاح.. أو 4 دول سعودية


- I -
ثلاث عقبات كانت، ولاتزال، تعترض سبيل كل محاولات الأصلاح في المملكة السعودية.

خريطة القوات المسلحة الأميركية لتقسيم السعودية والمنطقة (من غوغل

الأولى هي التركيبة القبيلية التي تزال قوية وتركل، حتى بعد بروز ظاهرة التمدين السريع (70 في المئة من السكان يقطنون في مدن الرياض والساحل الشرقي والحجاز). وهذه التركيبة طبقية في جوهرها، وهي ترفض أي إصلاحات سياسية واجتماعية قد تضعف دورها في المجتمع والدولة.
العقبة الثانية هي بالطبع تمذهب الدولة، أي اعتمادها على نوع محدد من المذاهب السلفية هي الوهابية التي تكفّر كل المذاهب والتيارات الفكرية الأخرى، مُسببة بذلك نزفاً دائماً في كل من النسيج الوطني وفي مشروع الدولة الوطنية. هذه السلفية هي المقاوم الأول للإصلاحات وتعتبر الحداثة نفسها ضلالاً وخطراً على طبعتها من الإسلام، كما تعتبر حريات الفرد والمجتمع جريمة لاتغتفر.
ثم هناك أخيراً عقبة الدولة نفسها. فهذه الأخيرة وبدلاً من أن تعمل على بناء الشعب السعودي بعد أن بنت الدولة الواحدة (كما أشرنا في هذه الزاوية أمس وأمس الأول)، تمارس هواية اللعب على تناقضات المجتمع، ومعها سياسة إدارة الأزمات الاجتماعية والفكرية بدل العمل على حلّها في إطار وطني، وقانوني، وحقوقي. وهذا في الواقع مايعطي العقبتين القبيلية والمذهبية نفوذهما وزخمهما الحقيقيين.
- II -
هذه العقبات زرعت الشك في صدور العديد من الإصلاحيين السعوديين وكادت تدفعهم إلى اليأس من إمكان صلاح وإصلاح البلاد، خاصة بعد أن تعثّرت طفرة العام 2003 التي شهدت سلسلة متصلة من المطالب الإصلاحية (من وثيقة "رؤية حاضر الوطن ومستقبله" إلى تقريري "معاً في خندق الشرفاء" و"دفاعاً عن الوطن"، مروراً ببيانات "الهيئة الإصلاحية السياسية في المملكة" التي يرئسها الامير سلطان بن تركي بن عبد العزيز).
بيد أن الاصلاح في السعودية لم يعد في الواقع مجرد خيار "وفق المزاج" (A la Carte )، يمكن للدولة السعودية بقيادة الأسرة الحاكمة أن تأخذه أو تتركه كما تشاء. لماذا؟
بسبب وتائر التغيير في العقود الأخيرة التي أبدع ابن خلدون في وصفها حين قال : " إذا ما تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم وكأنه ولد من جديد"، والتي تتجسّد في توغل الحداثة المادية بكل أشكالها في المجتمع السعودي، وصعود نجم المدينة قلب الحداثة المادية وعقلها، وانقلابات  ثورة الاتصالات والاعلام التي نسفت الحواجز الثقافية والمذهبية والإيديولوجية، وبروز "المجتمع الثاني" السعودي عبر الأنترنت.
بيد أن التغيير الأهم، والذي سيكون له دور دينامو التغييير التاريخي، يأتي من قلب النظام الدولي، ومعه كحصيلة تابعة النظام العربي الإقليمي. فبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، صدر قرار دولي غير قابل للنقض يقضي بتغيير وجه المنطقة العربية عن بكرة أبيها، حتى ولو تطلب الأمر تفكيك الدول الراهنة (كما أوضحت خريطة القوات المسلحة الأميركية الشهيرة) إلى سلسلة دويلات، أو وصول الأخوان المسلمين إلى السلطة برعاية أميركية كاملة، أو نشوب حروب أهلية مذهبية وطائفية وإثنية.
صدام حسين ومعمر القذافي لم يفهما طبيعة هذا القرار، فرفضا إجراء  إصلاحات ديمقراطية وإبرام مصالحة تاريخية وطنية داخلية في الداخل تحمي البلاد من مباضع التقسيم الخارجي، فدفعا الوطن إلى لجج التقسيم والفوضى  الراهنين. وبشار الأسد لم يدرك هو الأخر معنى هذا القرار، فكانت الحصيلة ما نرى الآن: احتضار سورية نفسها ككيان سياسي وطني وليس فقط انهيار سلطة آل الأسد ونظامها.
المملكة السعودية يمكن أن تدفع ثمناً مماثلا، أي تكون عرضة إلى التقسيم إلى ثلاث أو أربع دول، ما لم تسارع الأسرة الحاكمة فيها إلى إنقاذ الدولة الوحدوية عبر وحدة مجتمعية وطنية تستند إلى مرجعية دينية غير تقليدية وغير تكفيرية، وإلى منظومة حقوقية جديدة.
بكلمات أخرى: ما لم تنتقل الأسرة بسرعة قصوى من مرحلة اللعب على تناقضات المجتمع  وإدارة أزماته إلى مرحلة البناء الوطني- الحقوقي، فسيكون الصاعق الدولي- الإقليمي جاهزاً لتحويل الانقسامات المذهبية- الاجتماعية السعودية إلى انفجار عظيم يسفر عن تدمير الدولة السعودية الثالثة نفسها، ومعها بالتأكيد سلطة الأسرة الحاكمة.
الخيار الآن هو بين الدولة السعودية الرابعة (دولة المواطنة والدستوروبة) وبين اللادولة واللاأسرة. وعلى رغم أن أحداً لايعرف رأي الأمير بندر بن سلطان بهذه الفرضية، إلا أنه الأقدر بالتأكيد، بحكم صلته الوثيقة والمديدة بالمؤسسات الأميركية الحاكمة، على أن يشرح لبقية الأمراء معنى القرار الأميركي الذي اتخذ بعد أحداث سبتمبر بفرض " أجندة الحرية" في المنطقة العربية "حتى ولو استغرق هذا الهدف جيلاً بأكمله"، كما أعلن آنذاك الرئيس بوش وبعده كل قادة إدارة أوباما، وأن يشرح لهم أيضاً مضاعفات رفض الإصلاح في عراق - صدام وليبيا-  القذافي وسورية-  الأسد.

-III -
أجل. النظام السعودي استفاد طيلة مائة عام من انقسامات المجتمع، ولذا سيكون من الصعب عليه تغيير عادة كانت ناجحة حتى الآن. لكن تغلُّب العادة على الوعي حيال طبيعة المتغيرات الدولية والإقليمية وحيال ضرورات الاصلاح السريع لـ "درء ذرائع" هذه المتغيرات ، سيطبع قبلة الموت على جبين الوطن السعودي نفسه.
وعلى الأسرة أن تختار، وسريعا.

سعد