للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

السبت، 5 يناير 2013

هل "الإنسان الالكتروني" نسخة طبق الأصل عن إنسان العصر الحجري؟








لكي تكون تكنولوجيا المعلومات ثورة حضارية- تاريخية في سجل البشرية، إلى جانب كونها ثورة علمية كما هي الآن، يجب أن تترافق مع "انتفاضة" إنسانية- أخلاقية ضد مفاهيم العنف بصفتها من بقايا عصور حجرية غابرة لم يعد لها مبرر وجود.
- I -

هل ستؤدي تكنولوجيا المعلومات إلى جعلنا نحن البشر أغنى بكثير من حيث المعلومات، وأفقر بكثير من حيث الذكاء والعواطف؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، فلنستعرض معاً خلاصة ماجاء في المقال المثير الذي نشرته "فانننشال تايمز" أمس (4-1-2013) حول هذا الأمر تحت عنوان "الدارات الدماغية" ( Cerebral Circuity).
الأفكار الرئيسة:
- الآن وقد أصبحت مواقع الانترنت الكبرى، كغوغل وفايس بوك وتويتر وأمازون، في متناول الجميع بمجرد كبسة فأر واحدة، بدأت تظهر المضاعفات الجانبية لكون البشر متصلين بالشبكة على ذا النحو المتصل والدائم. أهم هذه المضاعفات هي تآكل الممرات التعاطفية والعاطفية بين الناس طيلة الوقت الذي نمضيه قبالة الشاشة، حيث أننا نمضي الكثير من الزمن على حواسيبنا وأدواتنا التقنية إلى درجة أننا بدأنا نفكر مثلهم.
- دارات الدماغ يُعاد تنظيمها الآن كي تتأقلم مع هذه الأدوات الجديدة للحياة الحديثة، حيث أننا نعالج أجزاء وبايتات ( Bytes) المعلومات بسرعة، لكن هذا مقابل ثمن وهو أن  دوافعنا كي نعمل بأثرة وتعاطف مع الآخرين تضعف.
- الثقافة على الشبكة، ومواقع التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص ، موجهة نحو الحياة الخارجية لا الداخلية، وهي تحبذ الأفكار الموضوعية والكمية لا المشاعر النوعية والذاتية. فالبرامج المسيطرة على الانترنت تعكس العقول التحليلية لمهندسي المعلوماتية التي بنوها، وتفشل في التقاط العوامل الإنسانية للحياة اليومية. ونتيجة لذلك، تقلّص التكنولوجيا مروحة الأساليب الإدراكية، تماماً كما أن زراعة محصول واحد في الأرض لمدة سنوات عديدة تسفر عن تقليص تنوُّع مغذيات التربة وتنتج نباتات أقل مناعة.
- تكنولوجيا المعلومات تخلق " دماغاً أحادياً" وتجعلنا نخسر قليلاً من تعاطفنا مع الحياة الداخلية للآخرين. إننا نستبدل التعاطف مع الآخرين بالأخلاق العقلانية أو المصلحية في المزيد والمزيد من الأوضاع. بكلمات أخرى: يكون دافعنا لكي نكون طيبين مع بعضنا البعض منطقياً لا عاطفياً.
علاوة على هذه العوامل، يؤدي التركيز على أدوات البحث الالكترونية إلى إضعاف الذاكرة وتشتيت التركيز. وقد أظهرت الدراسات الأخيرة أن التنقل بين الشاشات يفقد الدماغ القدرة على تجنّب المعلومات غير المهمة، لأن رحلته التطورية لم تجهزه لمعالجة مصادر معلومات متعددة في الوقت نفسه.
- II -
نعود الآن إلى سؤالنا الأولى: هل ستؤدي تكنولوجيا المعلومات (أو بالاحرى الإدمان والاتكال الكامل عليها) إلى جعلنا أغنى معلوماتيا، وأفقر ذكاء وعاطفة؟
ينبغي القول أولاً أن كل تكنولوجيا جديدة عبر التاريخ، كان تثير اعتراضات ومخاوف، من المحراث الزراعي إلى الآلة الصناعية، ومن علم الجينات إلى تصنيع البشر الآليين، ومؤخراً الذكاء الصناعي. لكن المجتمع البشري كان يتأقلم في نهاية المطاف مع هذا الجديد ليجعله جزءاً من قديمه اليومي.
الأمر نفسه سينطبق على الأرجح على تكنولوجيا المعلومات، التي تثير هي الأخرى الآمال كما المخاوف، والابتهالات كما الشكاوى. وهكذا، سيقال أنه من الصحيح أن الحاسوب سيعزز النزعة الاتكالية البشرية، إلا أن أن الكم الهائل من المعلومات التي يوفرها ستخلق ثورة غير مسبوقة في الوعي، والمفاهيم، والنظريات الجديدة. أنظروا، مثلاً، إلى الدور الذي لعبته تكنولوجيا المعلومات في تفجير ثورات الربيع العربي.
ومع ذلك، ثمة بالفعل مبرر قوي للتوجس من الآثار السلبية للكومبيوتر. وهو ليس نابعاً من هذه التكنولوجيا بعينها (فالتكنولوجيا محايدة بحد ذاتها) بل من البيئة الثقافية الراهنة لمعظم الحضارات البشرية التي تنظِّر للعنف، بوصفه طبيعة أولى في البشر، وتشجّع على التنافس الدموي بدل التضامن الأخوي بين الناس.
لكي تكون تكنولوجيا المعلومات ثورة حضارية- تاريخية في سجل البشرية، إلى جانب كونها ثورة علمية كما هي الآن، يجب أن تترافق مع "انتفاضة" إنسانية- أخلاقية ضد مفاهيم العنف بصفتها من بقايا عصور حجرية غابرة لم يعد لها مبرر وجود.
وما لم يحدث ذلك، لن يكون "الإنسان الكومبيوتري" (Homo computerensis ) الذي ينظَّر له الآن، سوى نسخة غير منقحة عن إنسان هذه العصور الحجرية، وإن بأدوات تكنولوجية "مختلفة".

سعد