للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الثلاثاء، 15 يناير، 2013

"بنينا الدولة السعودية، فمن يبني الشعب السعودي"؟





- I -
ثمة مقولة شهيرة لغاريبلدي:" لقد صنعنا الدولة الإيطالية الموحدة. بقي أن نصنع الشعب الإيطالي".
هذه المقولة تنطبق كلياً على المملكة العربية السعودية. فالملك عبد العزيز (كما أشرنا بالأمس)  أقام دولة واحدة لثقافات وعصبيات مذهبية ومناطق جغرافية لم تستطع في أغلب تاريخها القديم طيلة5 آلاف سنة أن تتوحد، عدا في فترة النبوة والخلافة الراشدة.
وهذا ماجعل الدولة سابقة في وجودها على المجتمع الواحد في السعودية، فهي الأـول وهو في المحل الثاني. وهي القادرة على صياغة شعب جديد، كما إيطاليا، فيما المجتمع عاجز عن بلورة هوية وطنية بنفسه ولنفسه لسببين متلازمين:
 الأول، تكسّره إلى قبائل وعشائر ومذاهب وفئويات مناطقية.
 والثاني، هيمنة تيار ديني سلفي يعتمد على فتاوى التكفير والتبديع والتفسيق لتوكيد هيمنته على المجتمع ونفوذه على الدولة، الأمر الذي منع منذ مئة سنة وحتى الآن ولادة وطنية سعودية عابرة للنزعات القبيلية والمذهبية والفئوية.
- II -

في بدايات تأسيس الدولة السعودية الثالثة، خدم هذا التيار السلفي السلطة السياسية تماما، ومكّنها من رفض كل المطالب الإصلاحية السياسية الوطنية والقومية العربية والإسلامية المعتدلة بأسم الشرعية الدينية. لكن هذا النجاح كان "تكتيكياً"، بمعنى أنه لم يخدم الغرض الاستراتيجي لأي مشروع دولة وهو أن يستند إلى بلورة شعب موحّد، ووطن موحّد بقوة الشعور الوطني لا بقوة السلاح والغَلَبة، ومواطنين متساوي الحقوق والواجبات أمام هذه الدولة.
وهذا ما جعل مشروع الشعب السعودي فكرة معلّقة في هواء التاريخ وأهوائه، تنتظر من يقوم بنقله إلى حيز التنفيذ.
لكن، لماذا أقدمت الدولة السعودية على هذه الخطوة التراجعية، على رغم أنها تصب في محصلاتها النهائية في غير صالح استقرارها طويل الأمد، وحتى في غير صالح مستقبل بقاء الوطن نفسه؟
- III -
هنا، يبرز مدى نفوذ وسطوة الهوى والعادة.
فالدولة السعودية اختارت منذ البداية اللعب على تناقضات المجتمع الأهلي، بدل العمل على بناء الهوية الوطنية. وهذا الطريق حقق لها نجاحات كبرى مكّنتها من مقاومة أعتى العواصف الداخلية والإقليمية والدولية. وهنا نحن لانتحدث فقط عن تصدي النظام السعودي لموجة الحداثة القومية والتقدمية التي اجتاحت المنطقة العربية طيلة عقود ثلاثة في النصف الثاني من القرن العشرين، بل أيضاً عن تمكّنها من استيعاب التسونامي الدولي الذي اندلع غداة أحدث سبتمبر 2001 ضد الفكر السلفي المتطرف بأقل الخسائر الممكنة.
نجاح الدولة في هذا المضمار اعتمد على استثمار رفض التيار السلفي المتزمت لأي إصلاحات تحديثية، كي تبدو هي في موقع متقدم وتقدمي إزاء المجتمع. وفي الوقت نفسه، كانت الدولة تشجع التيارات الليبرالية والإصلاحية الأخرى على طرح مطالبها (خاصة في موجة المطالبات التي اندلعت العام 2003)، واستخدمت ذلك لتبرهن لغرب بات متشككا بها بعد أحدث سبتمبر أنها ذات وجه إصلاحي ليبرالي.
لعبة التوازن هذه جعلت الأسرة الحاكمة موقنة بأن هذا الأسلوب هو السبيل الوحيد والأنجح والأنجع للحفاظ على ديمومة سلطتها. فهي تحوّلت (أو حوّلت نفسها) إلى الضامن الوحيد لعدم انفجار الصراعات المذهبية والقبيلية إلى مواجهات عنفية، هذا في حين أن الحركات الليبرالية والتقدمية لاتجد ملجأ من غزوات السلفيين التكفيرية العنيفة عليها سوى في كنف الأسرة.
فلماذا، والحال على هذا النحو من النجاحات، يمكن أن تندفع الدولة السعودية إلى إصلاحات جذرية وعملية بناء للشعب السعودي بما قد يؤدي برأي بعض المتطرفين فيها إلى تقويض حكم الأسرة؟
منطق سليم؟. أجل، لكن على المدى القصير فقط.
لماذا؟
لأن ثمة عاملين تاريخيين يجعلان من مواصلة الرهان على تكسُّر وتشظي الوطن السعودي خطراً على مستقبل حكم الأسرة نفسها:
الأول، هو أن وتائر التحديث المادي والتعليمي والأكاديمي والإعلامي الضخمة، بدأت تنخر  في بنية التركيبة الاجتماعية القديمة بقوة. صحيح أن القبائل والمذاهب المتصارعة بإشراف التيار السلفي التكفيري لاتزال قوية وحية وتركل، لكن وتائر التحديث هذه خلقت "مجتمعاً ثانيا" أو موازياً بدأ يطل برأسه بشكل مطرد ومتزايد. وعلى رغم أن هذا الأخير غير قادر حتى الآن على تقديم بديل سياسي منافس، إلا أن ديناميكياته الفكرية والاجتماعية والتاريخية قد تسفر في خاتمة المطاف عن انفجار كبير ومفاجىء في البلاد.
العامل الثاني هو التغييرات الكاسحة التي تشهدها المنطقة العربية هذه الأيام على إيقاع نغمات الربيع العربي، والتي ستكون أحد نتائجها الكبرى طرح كل مفاهيم الإسلام السلفي السعودي المتزمت على بساط البحث والتشريح. وهذا ما بدأ يتضح الآن من خلال الأزمات المتلاحقة بين الإخوان المسلمين وبين دول الخليج (عدا قطر)، وأيضاً من خلال الاتهامات القوية للسعودية في الغرب وبعض العواصم العربية بأنها تموّل وتقف وراء التيارات السلفية المتطرفة ( وحتى الجهادية)  الصاعدة هذه الأيام في المنطقة.
ومن شأن تقاطع هذين العاملين الداخلي والخارجي أن يسفرا عن تشكيل تهديد جدي لسلطة الأسرة نفسها، ما لم تتخلّ سريعاً عن لعبة التوازنات وإدارة الصراع بين مكونات المجتمع السعودي، وتستبدله بمشروع وطني لـ"بناء" الشعب السعودي.
بيد أن هذا يتطلب أن يتخلى "الأمير" السعودي عن "شيخه" السلفي المتزمت القديم ويستبدله بشيخ سلفي حديث. فهل الدولة السعودية قادرة على ذلك؟

(غدا نتابع)
سعد