للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الاثنين، 20 مايو، 2013

حزب الله: معارك ميؤوس منها لانقاذ النفوذ الإيراني



- I -
ماذا قد يقول المؤرخون المستقبليون عن التدخل الكثيف لحزب الله اللبناني في الحرب السورية؟

شيء واحد على الأرجح: هذا الحزب، الذي لطالما جهد كي يُقدِّم نفسه على أنه حزب لبناني يدافع عن المصالح الوطنية اللبنانية ولايرفع سلاحه إلا لمقاومة إسرائيل وممانعتها، كشف بشطحة قلم واحدة عن كل أوراقه الإقليمية بصفته الراعي الأول للمصالح القومية الإيرانية في المشرق العربي.
هكذا الأمر بكل بساطة. فكما أن بعض المحللين كانوا مقتنعين بالأمس أن سلاح حزب الله لاوظيفة حقيقية له في خاتمة المطاف سوى أن يكون خط الدفاع الأول عن إيران بصفتها وطن ولي الفقيه الذي يأمر ويجب أن يُطاع، بات الكثير منهم مقتنعين اليوم بأن طهران هي التي حرّكت هذا السلاح نفسه لحماية خط الدفاع الثاني عن نظامها ونفوذها الإقليمي في سورية.
وهذه ستكون نهاية غير سعيدة لرواية المقاومة والممانعة التي روّج لها حزب الله، التي شكّلت على مدار العقود الماضية نقطة الارتكاز الأساسية في استراتيجية الحزب في الوضع الداخلي اللبناني، والتي تُوجّت بالشعار المجلل "الشعب والجيش والمقاومة".
- II -

إنها نهاية غير سعيدة لجملة أسباب دفعة واحدة:
الأول، أن حزب الله انخرط بقضه وقضيضه في حرب أهلية إسلامية- إسلامية، ترتدي حلّة أكثر خطورة بسبب ألوانها المذهبية والطائفية الفاقعة المتوزعة بين السنّة والشيعة والعلويين.
 فهل أمر بسيط أن يسحب الحزب وحداته من جنوب لبنان المخصصة لمقاومة إسرائيل في الجنوب، لمقاتلة أشقاء له في الانتماء إلى "الأمة" التي يعلن الحزب في أدبياته ووثائقه الانتماء إليها، في الشمال والشرق؟. وهل هو بالأمر الهيِّن أن ينحاز هذا الحزب الإيديولوجي الإسلامي إلى نظام يصف نفسه بالقومي العربي العلماني وتتشكّل نواته الصلبة من طائفة علوية لايعتبرها فقهاء الشيعة "إسلامية تماما"، على رغم فتاوى معاكسة صدرت من طهران وصور أيام الإمام موسى الصدر؟
أي منطق فكري أو فقهي يمكن أن يبرر هذا الانحياز، سوى أنه تنفيذ لأوامر "غير فكرية وغير منطقية" صدرت من إيران- الدولة لا إيران الثورة؟
السبب الثاني، هو أن هذا التورط الكثيف للحزب سيسفر في نهاية المطاف عن جر الوطن اللبناني برمته إلى الأتون السوري، حتى ولو لم تكن هذه رغبة الحزب. فهذا الأخير ليس دولة يمكنها أن تخوض معارك بالواسطة في دول أخرى من دون أن يتأثر داخله بها، بل هو مجرد جزء من نسيج مجتمعي يقابل أي فعل فيه رد فعل من باقي أجزاء هذا النسيج (إقرأ الطوائف والمذاهب).
وبالتالي، لن يطول الوقت قبل أن تتمدد النيران السورية إلى الداخل اللبناني، سواء من "معبر الهرمل" المحاذي لبلدة القصير، أو من مدينة طرطوس العلوية باتجاه مدينة طرابلس السنيّة ومنها إلى بيروت وضاحيتها الجنوبية وصيدا.
والسبب الثالث للنهاية غير السعيدة، هو أن الحزب يخوض معركة خاسرة استراتيجياً سلفاً.
لماذا؟
لأن ماتشهده المنطقة العربية الآن، لايقل عن كونه بداية العد العكسي لسقوط الامبراطورية الإيرانية الصغيرة التي تمددت طيلة العقود الثلاثة الماضية في منطقة الهلال الخصيب، مشكِّلة هلالاً شيعياً افتراضياً امتد من طهران إلى الضاحية الجنوبية من بيروت، مروراً ببغداد ودمشق وغزة.
فالنظام السوري، الذي شكّل الركيزة الكبرى للنفوذ الإيراني، تفكك ولن يكون ثمة مجال لإعادة بنائه مهما حقق هذا النظام وحلفائه من انجازات عسكرية. إذ مايجري في سورية حرب أهلية متعولمة وإقليمية، سرعان ماستتدخل فيها الأطراف الأخرى في حال حقق أحد الطرفين المتقاتلين خللاً في موازين القوى.
والنظام العراقي، الذي خضع إلى النفوذ الإيراني بعد الانسحاب العسكري الأميركي، يتفكك هو الآخر وبسرعة. فالشمال الكردي أصبح محمية تركية حقيقية خارجة عن أي نفوذ عليها من بغداد. والوسط السنّي يسير هو الآخر في هذا الاتجاه. والبلاد كلها تتجه بسرعة القذيفة الصاروخية إلى حرب أهلية جديدة، تكون امتداداً للحرب السورية.
وغزة الإخوان المسلمين الجديدة، لم تعد غزة القديمة الحليفة لطهران، بعد أن أدارت ظهرها لدمشق ويممته نحو "إخوانها" في القاهرة.
أما حزب الله نفسه في لبنان، فهو يعاني الآن من تمدد استراتيجي زائد وخطر، بعد أن بات مضطراً إلى خوض معارك أو مجابهات في سلسلة متصلة من الجبهات في سورية والجنوب والداخل اللبناني والساحة الأمنية الدولية.
- III -
الآن، إذا ما أضفنا إلى هذه العوامل تأرجح الاقتصاد الإيراني على شفير الهاوية بعد أن فقدت العملة الإيرانية نصف قيمتها خلال أشهر قليلة، علاوة على تضعضع قوة المحافظين الإيرانيين بعد انقسامهم بين المهدوية وولاية الفقيه، وصعود تركيا الكاسح إلى قمرة القيادة الإقليمية (وقريباً الدولية)، واندفاع إسرائيل القوي إلى قطع كل أمدادات الحزب العسكرية من سورية، لتوصلنا إلى الاستنتاج بأن حزب الله يخوض بالفعل معارك ميؤوس منها لانقاذ ماتبقى من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
ومضاعفات مثل هذه المعارك الخاسرة سلفاً، لن تتأخر كثيراً في الظهور.
 لا بل أكثر: يمكن القول أن حزب الله تحوّل في الآونة الأخيرة  بالنسبة إلى القوى الإقليمية التي تتحرّك الآن لـ"وراثة" التركة الإيرانية، إلى "نتوء استراتيجي" يجب إزالته قبل أن يعاد ترتيب أوضاع المنطقة من جديد.

سعد محيو