للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 26 أكتوبر، 2012

من سيجرؤ أن يقول لا لمفتي السعودية؟

كل عام والقراء الأعزاء بخير







المؤسسة الدينية الوهابية تحوّلت من كنز تكتيكي إلى عبء استراتيجي. ومالم يتحرَّك المتنورون في الأسرة السعودية لمواكبة الإصلاح الديمقراطي في العالم الإسلامي بدل محاولة عرقلة مسيرته، سيضعون نظامهم السياسي برمته على محك أخطار داهمة.
- I -
من كان مفتي عام السعودية رئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ يخاطب، حين ندد في خطبته بالحجاج أمس "بمن يدعو من بين المسلمين الى دولة مدنية ديموقراطية غير مرتبطة بالشريعة الاسلامية وتقر الكثير من المنكرات (...) وهذا بلا شك ينافي تعاليم الاسلام ويخالف الكتاب والسنة واصول الشريعة
ليس حتماً العلمانيين، أو اليساريين، أو القوميين والوطنيين، أو الديمقراطيين، بل حركات الإسلام السياسي التي قبلت كلها  تقريباً مبدأ الدولة المدنية.

مفتي السعودية: من سيقول له لا؟ (الصورة من غوغل

لن نناقش هنا حجج الشيخ آل الشيخ عن مسألة من المخوّل في الشرع الإسلامي تطبيق الشريعة الإسلامية، ومدى أهليته لهذا التطبيق، ومن أختاره لمثل هذا التطبيق، ومن يحاسبه على سوء التطبيق. فهذا أمر يجب أن يقرره الشعب السعودي وباقي الشعوب العربية نفسها.
ولن نناقش هنا أيضاً مسألة العلاقة بين الدين والسياسة، أو بين الدين ومن يفترض أنهم "أولي الأمر"، على رغم أن هذه المسألة بالغة الخطورة، لأن إصرار الشيخ على "خضخحة" الشريعة لصالح حفنة من الأمراء والعائلات ورجال الدين المرتبطين بهم، يلحق أفدح الأضرار بالدين والشريعة نفسيهما، لأن الناس سيفسرون فساد أمراء أو حكام على أنه فساد للدين نفسه.
هذا ماحدث في أوروبا القرون الوسطى حين "خصخصة " الكنيسة الشرائع المسيحية لصالح رجال الكهنوت والاقطاع، فكان هذا أحد الأسباب الرئيسة لاندلاع حروب دينية وثورات لانهاية لها في القارة العجوز، وصلت إلى درجة اندلاع مظاهرات في مدن فرنسية مثل نيس وباريس وليون تهتف بسقوط العزة الألهية نفسها!
لقد كانت الكنيسة  تكفّر الناس كلما طالبوا بحرياتهم، فدفعتهم في نهاية المطاف إلى الثورة عليها وعلى الدين نفسه. والآن "الكهنوت" السعودي يقترب من هذه الحصيلة الخطرة، حين يرفض أي شكل من أشكال حرية المواطن والمجتمع باسم الدين، ثم يضع كل الشريعة في حضن أمراء وصلوا إلى السلطة بقوة الوراثة ووراثة القوة، وحين يمحضهم حصانة "فوق بشرية" ضد أي تهم بالفساد، والإثراء غير المشروع، وقمع الحريات، والتحالف مع قوى غربية "كافرة" منذ العام 1945، ومصادرة الحقوق باسم الدين والشريعة.
لقد كان أول قرار اتخده الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين استلم زمام السلطة هو فرض حظر تجوّل على العديد من الصحابة وطبّق عليهم قانون "من أين لك هذا" بعد أن استغل بعضم سماعه أو مجرد رؤيته للنبي (صلعم) للتربح ومراكمة الثروات. لكن، من في وسعه هذه الأيام، محاسبة أو مساءلة أي فرد من الأسر الحاكمة، وهم بالطبع أبعد مايكونون عن سمة الصحابة؟
- II -
نعود إلى موضوعنا الأول، لنقول أن حملة الشيخ آل الشيخ العنيفة هذه على الحركات الإسلامية المتبنّية لفكرة الدولة المدنية، قد يدشّن حرباً أهلية ضروس داخل الصف الإسلامي، وليس إلى  لم شعث الأمة، كما حاول الشيخ أن يوحي في خطبته.
فبدل أن يدعو الشيخ إلى إصلاح الأنظمة الملكية وتحويلها إلى ملكيات دستورية (وفق الشريعة  نفسها)، يطالب الحركات الإسلامية بإدارة الظهر للإصلاح لصالح الحكام الحاليين (وربما قبلهم لصالح ديكتاتوريات مبارك وبن علي، على رغم أنهما "علمانيان" وحتى "كافران" وفق منطوقه).
حتى الآن، لم ترد الحركات الإسلامية المعنية، رسمياً على الأقل، على هذه الحملات التي تبدو وكأنها طلقة من القرن الثالث عشر ميلادي استقرت في القرن الحادي والعشرين. لكنها حتماً سترد بعد حين. وحين تفعل، ستكون الساحة قد جُهِّزت لصدام مروع داخل الصف الإسلامي السياسي (وحتى غير السياسي) قد يكون الأخطر منذ ألف عام.
- III -
هل الأسرة الحاكمة السعودية حاضرة لمثل هذا الصدام، أو حتى هي قادرة على تحمُّل تبعاته ومضاعفاته؟
الأرجح أن العناصر المتشددة فيها اتخذت قرارها النهائي وانحازت إلى المؤسسة الدينية الراهنة التي تريد وقف مسيرة التاريخ، كما فعلت قبلها المؤسسة الكاثوليكية الأوروبية، وبالنتائج الكارثية التي نعرف.
ومالم تبرز من داخل هذه الأسرة قوى عاقلة وعقلانية تدفع إلى الأصلاح بدل الاندفاع ضده، فتشارك في التجارب الإسلامية الديمقراطية الجديدة، من مصر إلى إندونسيا وتركيا، ومن تونس والمغرب إلى ماليزيا، فستجر معها إلى دائرة الخطر ليس فقط دورها القيادي كـ"أولي الأمر"، بل حتى أيضاً كل صرح نظامها السياسي برمته.
وهذا أمر بديهي، حين تتحوّل المؤسسة الدينية في أنظمة الشيخ والسيف من كونها كنزاً تكتيكياً إلى عبء استراتيجي.

سعد