للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الاثنين، 22 أكتوبر، 2012

هل وقع لبنان في "فخ الأسد"؟




أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه المعارضة اللبنانية في هذه المرحلة الدقيقة، هو الانجرار إلى ردود الفعل الانفعالية والتخلي عن "الصبر الاستراتيجي" في التعاطي مع النظام السوري.

- I -
هل أخطأ تيار 14 آذار/مارس(مجددا) في خياراته السياسية؟
أجل. وإلى حد كبير أيضاً.
فالدعوة إلى "الانتفاضة السياسية والشعبية" غداة اغتيال اللواء وسام الحسن، لم يكُ ممكناً أن تأتي في الزمان المخطىء، والمكان المخطىء، والتخطيط المخطىء أكثر من هذه.
لماذا؟
لأن هذا التيار ينفِّذ بذلك حرفياً ماكان يريده النظام السوري منذ اللحظة الأولى لاندلاع الانتفاضة السورية قبل نيف و18 شهرا: تمديد الحريق السوري الكبير إلى لبنان (وباقي دول الجوار) كي يُثبت للمجتمع الغربي والأسرة الدولية ماكان يقوله دوماً لهما بأن "أمن المنطقة واستقرارها لن يستمرا إذا ما اهتز أمن النظام السوري واستقراره".
أليس هذا هو المعنى المباشر لإعلان الرئيس السوري قبل عام كامل أنه "سيحرق الشرق الأوسط كله" إذا ماحاولوا تغيير نظامه؟. أليس هذا ماعناه أيضاً قريبه رامي مخلوف حين قال بصريح العبارة أن إسرائيل لن تستقر إذا ما اهتز النظام السوري؟.
أكثر من ذلك: كل استراتيجية الرئيس السابق حافظ الأسد للحفاظ على ديمومة نظامه الأمني- الاستخباري قامت في الدرجة الأولى على خلق اللاإستقرار في البيئة الجغرافية المحيطة بسورية كوسيلة لتخويف الشعب السوري وإقناعه بقبول مقايضة أمنه واستقراره بحرياته وحقوقه الإنسانية.
فهل مستغرب بعد كل ذلك أن يكون هذا أيضاً هو هدف ابنه الآن؟
- II -

قادة تيار 14 آذار/مارس يعرفون حق المعرفة أن النظام السوري كان يضغط بشكل هائل على حليفه حزب الله منذ أكثر من سنة لحمله على تفجير الوضع الأمني في لبنان. لكن الحزب كان يرفض لاعتبارات تتعلق باستراتيجيته الإقليمية، من ناحية، ولحماية جمهوره الواسع من حرب أهلية مدمّرة، من ناحية ثانية.
وعلى رغم أن الحزب، كما بات معروفاً الآن، رضخ إلى بعض هذه الضغوط وأيضاً إلى بعض المطالب الإيرانية وقدّم مساهمات عسكرية دعماً للنظام السوري (حراسة منشآت، تدريب ميليشيات، المشاركة في القتال في بعض قرى حمص)، إلا أنه رفض الرضوخ إلى المطالب الأخرى الخاصة باشعال الحرب الأهلية اللبنانية. ومثل هذا الدعم هو نفسه مافعلته قوى 14 آذار/مارس التي قدّمت هي الأخرى المساندة اللوجستية للمعارضة السورية في مجالي المال والسلاح وربما بعض المقاتلين "الجهاديين".
بيد أن كل ذلك جرى من جانب الطرفين في إطار الانغماس في حرب بالواسطة (Proxy war ) في سورية، مع تجنُّب نقل الصراع إلى لبنان تحت شعار "النأي بالنفس".
وهذا مالم يقبل به النظام السوري. والدليل كان محاولات الاغتيال العديدة التي قام بها في الأونة الأخيرة، والتي تتوجّت بمخطط سماحة- المملوك الضخم الذي كان من شأنه بالفعل دك كل مقومات الكيان اللبناني.
- III -

حتى الآن، كل هذا يبدو معطيات بديهية.
لكن، ولأنها بالتحديد بديهية، كان يتعيّن على المعارضة اللبنانية الحالية أن تعي بأن همُّها وهدفها الأول والأخير في هذه المرحلة، كان يجب أن يتركزا في الدرجة الأولى على تجنّب الوقوع في أفخاخ النظام السوري والانجرار إلى ردود فعل عبر الرد على تفجيراته بتفجيرات مماثلة.
قد يكون هذا صعباً على قيادات هذا التيار التي تتحسس رؤوسها كل يوم خوفاً من سكاكين المخابرات السورية وحلفائها. لكن الحل لايكون بالوقوع في هذه الأفخاخ بل في تحصين الأمن الخاص بكل شخصية قدر الإمكان، وفي الوقت نفسه الموازنة بين معارضة النظام السوري وبين منع انفجار الأزمات الحكومية والأمنية الداخلية، تماماً كما يفعل الآن وليد جنبلاط.
المطلوب، بتعبير أوضح، ممارسة مابات يسمى بأدبيات السياسة الدولية "الصبر الاستراتيجي".
فالوضع في سورية بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية في 6 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، لن يبقى كما كان قبلها. وكل المؤشرات تدل على أن الولايات المتحدة وتركيا ومعهما حلف الأطلسي، وربما مصر، ستعمل على منع النظام السوري من تفجير المنطقة عبر فرض حظر جوي ومنطقة آمنة في شمال سورية، الأمر الذي سيقلب حتماً موازين القوى العسكرية في البلاد لغير صالح الرئيس الأسد.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية:
تخطىء جماعة 14 آذار/مارس (مجدداً ومجدداً) إن هي اعتقدت أن اغتيال وسام الحسن، على رغم أنه عملية ضخمة ومُحكمة بالفعل، هو نهاية المطاف. إنه بالأحرى بداية وتدشين لعمليات أمنية أخرى لن تتوقف على الأرجح قبل أن يحقق النظام السوري هدفه في تحويل الحرب الأهلية السورية إلى حرب أهلية شرق أوسطية، بما في ذلك ربما اغتيال شخصيات شيعية بارزة أو زرع سيارات ملغومة في المناطق الشيعية والسنّية والمسيحية.
فهذا، على أي حال، كان مخطط ميشال سماحة. والمخابرات السورية لديها بالطبع 100 ميشال سماحة في لبنان.
* * *
الصبر، كما يقال، هو مفتاح الفرج. لكن المطلوب الآن هو الصبر الاستراتيجي، لأن هذا التعبير يتضمن في ثناياه الحكمة وإدراك الوقائع الإقليمية والدولية والأهم: معرفة مايريد الخصم والتصرف عكس ذلك، كما كان يقول فلاديمير لينين.

سعد