للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الثلاثاء، 16 أكتوبر 2012

لماذا هذا "الـشتاء الروسي" ضد الربيع العربي؟


من لينين إلى بوتين. وداعاً للدعم الروسي للعالم الثالث (الصورتان من غوغل)
لماذا تقف موسكو بعنف ضد ثورات الربيع العربي في سورية وبعض الدول الأخرى، وماعلاقة ذلك باستراتيجيتها للأمن القومي؟

 - I -
 يُقال: رسم الخرائط وإعادة تخيُّل الجغرافيا أمر يأخذ وقتاً، وأحياناً يكون هذا الوقت طويلا.
 ويقول ماكيافيلي: التبدُّل في الحكم يترك الطريق ممهداً أمام وقوع تبدُّل آخر.
 نحن الآن أمام هاتين الحالتين معاً في كلٍ من الشرق الأوسط والعالم: فهناك بدء إعادة رسم خرائط، وهناك تبدلات في الحكم المحلي، وتعديلات، وإن بطيئة، في السلطة العالمية. ومع مثل هذه السيولة الدفاقة، أهم ما يمكن أن يقوم به المرء هو الحذر الشديد في تقييم الأمور، أو حتى الاستعانة بالفلاسفة هيراقليطس وبوذا ولاو تزو لتطمين الذات لأن لاشيء على أي حال يبقى على حاله في هذه الدنيا الفانية، وأن التغيُّر الدائم هو الثابت الوحيد في الكون!
وهذا يصح اكثر مايصح على الربيع العربي.
فقد خلط هذا الربيع كل الأوراق بعنف في المنطقة كما في العالم. وكما أنه جاء، في بعض جوانبه، نتيجة لتغيّر الاستراتيجيات الدولية إزاء أنظمة المنطقة غداة أحداث11 سبتمبر/أيلول 2001، كذلك هو أثّر على العلاقات الدولية. فالتناغم السابق للنظام العالمي في مجموعة الثمانية ومجموعة العشرين ومجلس الأمن، أسفر مع الربيع العربي عن تباينات في المواقف ترجمت نفسها في نهاية المطاف في شلل مجلس الأمن أزاء الأزمة السورية للمرة الأولى منذ الحرب الباردة.
هذا التطور حفز المعسكر الإيراني- السوري- حزب الله إلى القفز إلى استتناجات متسرعة، قوامها أن العالم انقسم نهائياً إلى معسكرين في ما يشبه الحرب الباردة الجديدة، وهذا سيجعل معسكر الممانعة والمقاومة ينتصر في الشرق الأوسط، خاصة بدعم من روسيا.
 لكن هذا كان كما قلنا متسرعا: فلا شمس أميركا يبدو أنها ستغيب قبل عقد او حتى عقدين من الآن، ولاروسيا قادرة على تحدي، أو منافسة، أو مقارعة، القوة العظمى الأميركية وحدها. ولا هي حتى تريد ذلك، كما سنرى بعد قليل. هذا في حين أن الصين لاتزال تمارس سياسة "الصبر التاريخي".
هذا المقال سيتطرق إلى استراتيجية الامن القومي الروسية والتيارات الرئيسة في أوساط النخبة الروسية، والعلاقات الأميركية- الروسية في إطار الاستتراتيجيتين الروسية والاميركية، والتوجهات الروسية قبل الربيع العربي وبعده، ومن ثم الخلاصة.
- II -
أولاً الاستراتيجية الروسية:
تدعو "استراتيجية الأمن القومي الروسية حتى العام 2020"، التي صدرت العام 2009(1) وحلَّت مكان "مفهوم الأمن القومي الروسي" للعام 1997 الذي عُدِّل في العام 2000، إلى تحويل "روسيا المُنبعثة" إلى دولة كبرى مجدداً، وإلى أن تكون أحد القوى الخمس الأكبر اقتصاداً في العالم. وهي تحدد الأهداف، والتهديدات، والمهام، والإجراءات لتحقيق هذا الهدف على المدى القصير (2012) والمتوسط (2015) والطويل (2020)، لكنها تربط هذا الهدف  ومعه مبدأ الأمن القومي ربطاً مُحكماً بالنمو الاقتصادي الثابت، مُشدِّدة على رفع مستويات معيشة المواطنين الروس، وعلى أولوية الابداع والابتكار التكنولوجيين، و"العلم" و"الثقافة" و"الصحة العامة"، وحتى على "الروحانية" في إطار "الذاكرة التاريخية الروسية"
مقومات هذه الاستراتيجية لإعادة بناء الدولة الكبرى هي: التركيز الشديد على المصالح القومية والاقتصاد والتطوير التكنولوجي- العلمي، والأهم الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي عبر ما يصفه البند الثالث من الاستراتيجية بـ" المشاركة الفعالة في تقسيم العمل الدولي"،
البند السابع في الاستراتيجية يدعو إلى سياسة خارجية براغماتية ومنفتحة، عبر العمل على بناء شراكات أو تحالفات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أو حلف الأطلسي- اوروبا، والتركيز على الشرعية الدولية ودور الأمم المتحدة.
وقد غاب عن هذه الاستراتيجية بشكل كامل كل تراث الاتحاد السوفييتي الخاص بدعم شعوب العالم الثالث، وحلت مكانه نزعة قومية امبريالية واضحة.
هذه الاستراتيجية جاءت كحل وسط بين 3 تيارات فكرية في روسية: الأطلسيون- الحضارة الغربية، الأوراسيون، والقوميون الشيوعيون.
ثانياً: العلاقات الروسية- الأميركية
 طبّقت روسيا هذه الاستراتيجية بنجاح في عهد بوتين. فبعد أن أعاد هذه الأخير بناء الدولة الروسية (على رغم استمرار الفساد الهائل فيها) انطلق في سياسة خارجية نشطة تستند في آن إلى التعاون والتنافس مع أميركا.
 ركز بوتين على الجوانب الإقليمية والتجمعات الدولية: البريكس، منظمة شنغهاي، وحتى منظمة التعاون الإسلامي، وعلى فضاء الاتحاد السوفييتي: فمارس الدبلوماسية(في روسيا البيضاء، كازاخستان، تركمنستان)، وأثار المتاعب (في أوكرانيا، دول البلطيك) أو استخدم القوة المباشرة (في جورجيا).
 أوباما فهم الرسالة من وراء هذا النشاط البوتيني المستجد فولدت سياسة إعادة التنظيم Reset)) الأميركية التي استندت إلى: احترام الدور الروسي في العالم، وتقديم تنازلات في مجال الصواريخ الاعتراضية في أوروبا الشرقية، وتقليص الاسلحة الاستراتيجية، والاعتراف نسبياً بوضعية الاتحاد السوفييتي السابق، ودمج روسيا في النظام العالمي ومنحها دوراً في سلام الشرق الأوسط. في المقابل: حصلت واشنطن على دعم روسيا في عملية محاصرة إيران، وعلى تعاونها مع حلف شمال الأطلسي ضد الراديكالية الإسلامية في أفغانستان.
بيد أن استراتيجية إعادة التنظيم لم تكن كاملة بسبب الشكوك الروسية بالسي. أي آي ودورها المحتمل في التحريض على مايسمى ـ"ثورة الثلج" في روسيا.. كما أن بوتين أدرك أنه لن يستطيع منفرداً تعديل موازين القوى مع أميركا. وهذا أعاد موسكو إلى الحيرة القديمة بين التيارات الثلاث الأطلسية، والأوراسية، والقومية- الشيوعية.
وجاءت الازمة المالية الطاحنة في أوروبا لتفاقم مشكلة الهوية الروسية وحيرتها. لكن الأوراسيين والقوميين والشيوعيين الذين يؤيدون التوجه شرقاً بدل الغرب، يخشون في الوقت نفسه من الصين بسبب كون ثلثي روسيا  تقع في الشرق الأقصى لكنها قليلة السكان وقد تكون عرضة إلى الاجتياحات الآسيوية سياسياً واقتصادياً وثقافيا.
ثالثا: التوجهات الروسية قبل الربيع العربي وبعده
الشرق الأوسط، كما أسلفنا، احتل اهتماما ًكبيراً  في استراتيجية الامن القومي الروسية قبل الربيع العربي، بسبب قلق روسيا من خاصرتها الرخوة في شمال القوقاز وآسيا الوسطى. وتجرية الشيشان (100 ألف قتيل) لونّت كل مقاربة بوتين للشرق الأوسط الإسلامي، خاصة في ضوء الدور السعودي في الثورة الشيشانية.
كان ثمة 3 أولويات في هذه الاستراتيجية: إيران وتركيا، الخليج (أيران- العراق أساسا)، والصراع العربي الإسرائيلي. وترافق رسم هذه الأولويات الروسية الجديدة مع انفتاح على الجميع ومحاولة إقامة توازن بين كل القوى الإقليمية المتنافسة في الشرق الأوسط، في مقدمتها إسرائيل.
 نجحت هذه السياسة في وقف التدخلات الخارجية في الشأن الروسي، خاصة في الشيشان، وفتحت أفاقاً جديدة أمام الاقتصاد الروسي، وأبرزت الدور العالمي لموسكو امام أميركا وأوروبا. ومن رحم هذه النجاحات ولدت سياسة إعادة التنظيم الأميركية.
لكن، منذ ذلك الحين بدأ التصدع في هذه السياسة:
- فقد نشبت أزمة ثقة بين موسكو وطهران، بعد ان أبرمت الأولى صفقة "إعادة التنظيم" مع الولايات المتحدة وانضمت إلى العقوبات الدولية ضد إيران في مجلس الأمن.
- وحين نشبت ثورات الربيع العربي، أصيبت السياسة الروسية بالارتباك الشديد، وشهد العالم تضارباً في المواقف الروسية: ففي تونس، دعمت موسكو الثورة. وفي  مصر ترددت ثم دعت النظام الجديد إلى التعاون معها. وفي ليبيا، رفضت التدخل الدولي، ثم قبلت به، ثم عادت إلى  رفضه والتنديد به. وفي البحرين رفضت الثورة فيها وصمتت على التدخل العسكري الخليجي، ثم أبرمت صفقات تجارية مع حكومة المنامة. وفي ثورة اليمن حذت حذو السياسة الغربية- الخليجية عينها.
 الصدام  الوحيد بين روسيا والغرب في خضم الربيع العربي حدث فقط في سورية. لماذا؟ من المفيد هنا إيراد تحليل ميدل أيست انستيتيوت التي أوردت الأسباب التالية:
الأول، موسكو تعتقد حقاً أن واشنطن وحلفاءها الغربيين أساؤا فهم مايجري في سورية. فبدلاً من احتمال أن يؤدي سقوط نظام الأسد إلى قيام نظام ديمقراطي في سورية، كما يعتقد الغرب، فإن روسيا تخشى  أنه سيسفر عن بروز نظام سنِّي راديكالي لن يكون فقط معادياً للغرب بل أيضاً لروسيا. وهي تذكّر بما حدث غداة التدخلات التي قادتها أميركا في أفغانستان والعراق وليبيا، وأدّت إلى بروز الأصوليات والفوضى.
الثاني، روسيا لاتعتقد أن إدارة أوباما، ولاحتى أي إدارة جمهورية قد تصل إلى البيت الأـبيض، مهتمة حقاً بإسقاط النظام في سورية. ولايعود السبب فقط إلى اعتبارات محلية أميركية (الانتخابات الرئاسية والتعب من الحرب) بل أولاً وأساساً من المضاعفات السلبية التي قد تلقي بظلالها على إسرائيل في حال سقط النظام. ولو أن واشنطن كانت جادة حقاً في إسقاط النظام، لكانت شكّلت تحالف مريدين لضرب الأسد، سواء بموافقة مجلس الأمن الدولي أو من دونه.
الثالث، أن موسكو ترى أن الحفز الأساسي لأسقاط النظام السوري يأتي من السعودية وقطر. وكانت احداث الربيع العربي  قد أشعلت مجددا مخاوف موسكو من الرياض؛ تلك المخاوف التي كانت سائدة خلال حقبة التسعينيات خلال حروب الشيشان والتي لم تهدأ إلا بعد بدء التقارب السعودي- الروسي في العام 2003، ثم بعد ان أعلنت السعودية أنها تدعم الحل الروسي في الشيشان. لكن قبل هذا التاريخ، كانت موسكو تعتقد أن مملكة الوهابيين تحاول نشر الإسلام السنّي الراديكالي في الشيشان، وشمال القوقاز، ومناطق أخرى في الاتحاد السوفييتي السابق. والآن، ترى موسكو أن الرياض تحاول استخدام الربيع العربي لتحقيق مصالحها الجيو- سياسية الخاصة من خلال دعم السلفيين في مصر وليبيا وسورية، وقمع الشيعة في البحرين، وإحلال نظام سنّي موالٍ لها في سورية مكان نظام الأقلية العلوية الموالي لإيران. كما ليس واضحا لروسيا حدود الطموحات السعودية، وهي تعتقد أن الولايات المتحدة ليست متنبٍّهة لهذا الخطر.
والحصيلة؟
تصيغها مؤسسة الشرق الأوسط كالآتي: " موسكو تدعم الأسد ليس فقط للحفاظ على عقود التسلّح، واستثمارات النفط، والقاعدة البحرية في طرطوس، ولا لأنها تخشى أن تنتقل سورية من كونها حليفاً لها إلى أن تكون حليفة لواشنطن. ما تخشاه حقاً هو ان سقوط الأسد سيزيل عقبة هامة في وجه الحركة الأصولية السنّية بقيادة السعودية التي تسعى إلى مواصلة الانتشار.
لكن، إذا ماتبيّن أن الأسد ساقط لامحالة، فإن روسيا ستفعل ما ستفعله الدول الأخرى: إقامة علاقات وطيدة مع المعارضة أو أي نظام جديد قد ينشأ.
- III -
محدودية الدور
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
يمكن هنا الخروج بالخلاصات التالية:
- روسيا قلقة بالفعل من صعود الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، لكن ليس كثيرا. فهي قادرة على استيعابه في الداخل الروسي والافادة من التناقضات المحتملة في المنطقة.
- ثمة تباين وحيرة في المواقف الروسية حيال الربيع العربي، ما أثّر جزئياً على العلاقات مع أميركا ودفع الجمهوريين الأميركيين إلى وصف موسكو بـ"الخصم الجيوسياسي الأول" في العالم.
- الربيع سيدفع القيادة الروسية إلى إعادة نظر شاملة في سياستها الشرق أوسطية التي كانت تتبعها طيلة عقد: فالازمة السورية نسفت التوازنات الروسية بين تركيا وإيران، وبين إيران والسعودية، وربما لاحقاً بين اسرائيل ودول الربيع العربي.
لكن أي تغيير؟
 في غياب الحرب الباردة أو سياسة الكتل والمحاور الدولية (كما أشارت الوثيقة الاستراتيجية الروسية)، ومع تحوُّل روسيا رسمياً إلى عضو في منظمة التجارة العالمية في 22 آب/أغسطس الماضي، لايبقى أمام روسية سوى البرغماتية وانتهاز الفرص. الحل الأمثل لروسيا في سورية هو كوندومينيوم مع أميركا ، لكنه صعب في وجود مصالح إقليمية ضخمة أخرى.
كما ثمة حاجة أيضاً إلى استراتيجية روسية جديدة أزاء الإسلام كان بدأها بوتين العام 2005، حين قال أن روسية هي "الضمانة الحقيقية الوحيدة للعالم الإسلامي".
 على أي حال، الكثير في التوجهات الروسية الجديدة سيعتمد على السياسة الاميركية بعد الانتخابات الرئاسية، وعلى محصلات الصراع بين التيارات الثلاث في روسيا، وأيضاً على حصيلة التمخضات الراهنة في الشرق الأوسط الإسلامي.
اما الحديث عن روسيا كدولة كبرى في نظام عالمي تعددي جديد فيجب أن ينتظر، ليس فقط تبلور قوى هذا النظام، بل أيضاً قدرة روسيا على المنافسة في الاقتصاد العالمي. وحتى ذلك الحين ستبقى روسيا الضعيفة اقتصادياً بالمقارنة مع الغرب وآسيا لاعباً ثانويا في الشرق الأوسط، خاصة وانها بتنكرها لميراث الاتحاد السوفيييتي في العالم الثالث فصلت نفسها إلى حد كبير خلال الربيع العربي عن عواطف ومصالح شعوب المنطقة العربية- الإسلامية.

سعد
( * )ملحوظة: هذه المقال ملخص لمحاضرة مطوّلة للكاتب كانت محور ندوة حول "روسيا والربيع العربي" عقدها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، في 19 أيلول /سبتمبر الحالي.

                             _____________________