للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

السبت، 6 أكتوبر 2012

السعودية: ماذا وراء "انتفاضة الدجاج"؟





- I -
"السعوديون ينظرون غرباً فيرون الديمقراطية تتفتح في مصر وتونس، ويرنون ببصرهم شرقاً فيرون دول الرفاه في بلدان الخليج المجاورة، فيكتشفون أنهم محرومون من الإثنين".
هذا كان تعليق مواطن سعودي طُلِبَ منه (فايننشال تايمز- 5-10-2012) أن يعلِّق على نجاح  التي شنّها المُغردون السعوديون على تويتر لمقاطعة شراء الدجاج التي ارتفعت أسعاره بنسبة 40 في المئة "بسبب فساد التجار وتواطؤ الحكومة معهم" على حد قول بعضهم.

كاريكاتور سعودي عن ازمة ارتفاع الاسعار( عن غوغل

إلى هنا قد يبدو الأمر ظاهرة محدودة، رداً على مشكلة صغيرة ومحدودة.
لكن، حين نقارب هذا التطور من زاوية علمي الاجتماع والنفس، سنجد أنه قد تكون له مدلولات كبيرة وأكثر أهمية بكثير.
فنجاح "انتفاضة الدجاج"، إذا ما جازت التسمية، والتي تجسَّدت ليس فقط في تكدُّس لحوم هذه الطيور في المتاجر العامة، بل أيضاً في الحماسة التي شارك فيها مئات آلاف المغردين في هذه الحملة، كان مؤشراً على أن الإعلام الإعلام الاجتماعي عبر التويتر وفايس بوك ويوتيوب، قد حلّ بالفعل مكان "المجالس" التقليدية كأداة للحوار الديمقراطي المباشر في المجتمع السعودي، لكن على نطاق أوسع بكثير.
فالمجالس محدودة العدد والعدة والنطاق الجغرافي. ثم أنها تُعقد خلف أبواب مُغلقة وتحاط بالحذر والكتمان خوفاً من تسلل أجهزة الأمن القوية إليها. هذا في حين أن المجالس الافتراضية في الإعلام الاجتماعي تضم عشرات ومئات الآلاف، وتخترق كل الحدود الجغرافية والقيود السياسية والاجتماعية، الأمر الذي دفع المحللين إلى الحديث عن ولادة "شارع سياسي افتراضي" في المملكة.
علاوة على ذلك، دلَّ التجاوب العملي الكبير مع الحملة النظرية الافتراضية ضد استهلاك الدجاج، وهو الوجبة المفضّلة في المملكة، على أن المواطنين السعوديين مستعدون للتضحية في سبيل قضية عامة مشتركة. وهذا، كما هو معروف،  شرط لازب لتبلور مجتمع مدني مستقل الإرادة وقادر على ترجمة الرغبات والتطلعات الشعبية إلى برامج وأفعال على الأرض.
- II -
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية.
السلطات السعودية رصدت غداة الربيع العربي أكثر من 130 مليون دولار لتمويل النففات الاجتماعية على الإسكان والبطالة ورفع الأجور،  بهدف تجنيب النظام مضاعفات رياح التغيير العاتية التي هبّت (ولاتزال) على كل أنحاء المنطقة. وعلى رغم أن هذا الإجراء حقق نجاحات واضحة حيث فشلت كل الدعوات للقيام بتظاهرات شعبية، إلا أنه لم يكن كافياً لإغلاق كل نوافذ ملفات حقوق الأنسان الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وهذا كان واضحاً من طبيعة الانتقادات التي وجهها المغردون إبان "انتفاضة الدجاج". فهم ركَّزوا ليس فقط على "التجار الفاسدين" بل أيضاً على الفساد وغياب الشفافية والمساءلة في ممارسات الدولة السعودية.
وإذا ما تذكَّرنا أن كل ثورات الربيع العربي، من انتفاضة البوعزيزي في تونس إلى انتفاضات العمال في مصر، بدأت بطرح  قضايا مطلبية محدودة وانتهت بإثارة مسأئل الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ وإذا ما تذكرنا أكثر أن الثورات الديمقراطية في كل أنحاء أميركا اللاتينية كانت هذه الأخرى حصيلة تراكم تحركات اجتماعية مطلبية وقطاعية، فسنتوصل إلى الاستنتاج بأن هذا أيضاً سيكون  الطريق الذي سيسير عليه المجتمع السعودي نحو نيل حقوقه وحرياته.
- III -

قد يقال هنا أنه من المبكر القفز إلى استنتاجات من هذا النوع، خاصة وأن حملات مماثلة في الإعلام الجماهيري، مثل الدعوة إلى التظاهر للمطالبة بالديمقراطية ودعم حق المرأة في سياقة السيارات وحشد الدعم لأصحاب الأراضي الخاصة، فشلت في إطلاق أي حراك اجتماعي ذي معنى.
هذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن تغيّر السلوكيات الاجتماعية والسياسية للمواطنين في ظل الأنظمة السلطوية والشمولية لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل هو يأتي كحصيلة لتراكم الخبرات والمعارك والمجابهات المحدودة التي تعيد للناس ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على التغيير.
"انتفاضة الدجاج" هي خطوة واضحة وأكيدة على هذا الطريق.
وكما قال المواطن أعلاه، ليس من السهل ولا المقبول أن يُحرم المواطنون السعوديون من كرامة العيش ونسائم الحرية، في آن في بلد هو من بين أغنى الدول في العالم.

سعد