للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

السبت، 20 أكتوبر، 2012

اغتيال الحسن: الحرارة الإقليمية- الدولية إلى درجة الغليان




- I -
اغتيال وسام الحسن، رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي اللبناني، على هذا النحو العنيف الذي أعاد إلى الأذهان عملية اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري بقنبلة ضخمة مماثلة العام 2005، أطلق رسائل في كل الاتجاهات المحلية اللبنانية والإقليمية والدولية.

وسام الحسن وانفجار الأشرفية: بداية مسلسل تفجير جديد ( الصورتان من غوغل

على الصعيد اللبناني، سيغلق هذا الهجوم، على الأرجح، صفحة سياسة "النأي بالنفس" عن الأزمة السورية التي قالت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي أنها تنتهجها منذ اندلاع الانتفاضة السورية قبل نيف و18 شهرا.
إذ بدلاً من أن يبتعد لبنان عن هذه الأزمة، وهو على أي حال أمر لم يتحقق تماماً مع قيام الأحزاب والأطراف السنّية والشيعية اللبنانية بدعم المعارضة والنظام السوريين على التوالي، جاءت هذه الأزمة إليه بقوة عبر اغتيال الحسن. وهذا أمر سيضع حكومة ميقاتي في مهب الريح حتى ولو لم تستقل، كما طالبتها  قوى 14 آذار/مارس بذلك في بيان لها أمس.
لماذا؟
لأن هذا الاغتيال سيعمّق إلى حد كبير الشرخ  الطائفي والاستقطاب الحاد بين القوى اللبنانية المناوئة والموالية للنظام السوري، وقد يحقق في نهاية المطاف رغبة هذا الأخير منذ وقت طويل في مد الحريق السوري إلى لبنان والدول المجاورة تنفيذاَ لشعاره الشهير:" لا استقرار سورية (أي  لا استقرار النظام) سيعني لا إستقرار كل المنطقة".
فالأرجح أن القوى السنّية السياسية لن تقبل أن يمر اغتيال الحسن، وهو الرجل الذي تحوّل في الذهن الجماعي السنّي إلى بطل خاصة بعد كشفه مخطط التفجير الذي أعدَّته السلطات السورية عبر وزير الإعلام السابق ميشال سماحة وعبر فضّه أيضاً عشرات الخلايا الاستخبارية الإسرائيلية، مرور الكرام. وهذا سيحدث على صعيد الشارع كما على المستوى السياسي، على رغم كل دعوات العقلاء بين السياسيين السنّة إلى عدم الانجرار إلى المخطط  الحكومي السوري لتفجير لبنان.
وإذا ما أدت ردة الفعل السنّية إلى سقوط حكومة ميقاتي، ربما بدعم من الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي اتهم "بشار الأسد ورجاله في لبنان" باغتيال الحسن، فإن هذا من شأنه أن يزيل آخر حاجز يحول دون الصدام بين قوى 14 و8 آذار/ مارس، وبالتالي دون انفلات الوضع الأمني في لبنان من عقاله، خاصة وأنه يتوقع أن يكون في جعبة النظام السوري المزيد من الوقود (أي عمليات تفجير أمنية أخرى) لزيادة الوضع اشتعالا.
- II -
هذا على الصعيد المحلي اللبناني.
ويأتي الوضع الإقليمي المحيط بالأزمة السورية ليعطي التأزم اللبناني المحتمل، أو المتوقع، بعده الأخطر.
كيف؟
يكفي هنا مراقبة طبيعة السلوك الإيراني خلال الأسابيع القليلة الماضية، من الاعترافات الرسمية لطهران بأن وحدات من حرسها الثوري موجودة بالفعل في سورية لدعم النظام (وبعض هذه الوحدات توفِّر الآن الحماية الشخصية للرئيس بشار الأسد نفسه)، إلى الاعتراف الأخر لحليفها الرئيس في لبنان والمشرق حزب الله بالانخراط في القتال ضد المعارضة السورية، للوصول إلى الاستنتاج بأن الملالي الحاكمين قرروا "لعب الصولد" (أي رمي كل أوراقهم وأرصدتهم) في الأزمة السورية.
وبالطبع، الترجمة العملية لمثل هذا القرار في لبنان لن تكون خافية. فحزب الله، الذي قاوم طيلة الأشهر الـ18 الماضية كل ضغوط النظام السوري لدفعه إلى تفجير الوضع اللبناني لتخفيف الضغط عليه في الداخل السوري، لن يستطيع إدارة الظهر لأي قرار يتخذه ولي الفقيه الإيراني برمي ثقل الحزب كاملاً وعلناً وراء نظام الأسد.
حسن نصر الله، زعيم الحزب ألمح في خطابه الأخير، الذي حاول فيه أن يصوّر قتال عناصره إلى جانب النظام السوري على أنه دفاع عن النفس، ألمح إلى هذه النقطة حين قال أن حزبه" لم يقرر بعد الانضمام إلى حرب النظام السوري ضد معارضيه، لكن إذا ما فرضت الظروف هذا فسيعلن ذلك". وحينها فسَّر المراقبون هذا التصريح بأنه يعتبر تمهيداً لانخراط الحزب رسمياً في الحرب السورية، ويبدو أنهم لم يكونوا على خطأ.
وعلى أي حال، سيكون في المستطاع قياس مدى صحة او خطأ هذه الفرضية، حين نعرف كيفية تفاعل حزب الله مع كلٍ من ردة الفعل السياسية والشعبية للمعارضة على عملية اغتيال الحسن، وعلى الأزمة الحكومية المحتملة.
- III -
ماذا الآن عن التفاعلات الدولية لعملية اغتيال الحسن؟
أول مايجب أن يقال هنا أن النظام السوري، في حال ثبت أنه وراء هذا الأغتيال (والأرجح بالطبع أن الأمر كذلك) قد تجاوز بذلك خطاً أحمر جديداً في علاقته مع الولايات المتحدة وفرنسا. إذ من المعروف أن الحسن كان يقيم علاقات وثيقة مع بعض الأجهزة في كلا هاتين الدولتين الكبريين. فواشنطن هي التي زوّدت فرع المعلومات الذي رئسه الحسن بالأجهزة التكنولوجية المتطورة التي سمحت له ليس بكشف المخططات السورية وحسب، بل أيضاً بإماطة اللثام عن شبكات التجسس الإسرائيلية (على رغم أن هذا لم يكن برضى الإدارة الأميركية). وباريس كانت تنسّق عمل أجهزة مخابراتها في المشرق مع جهاز الحسن. ويقال أن مثل هذا التنسيق هو الذي أدى إلى كشف مخطط سماحة- علي المملوك.
والآن، فإن اغتيال الحسن سيضيف دافعاً آخر لواشنطن وباريس كي تسرعا بما يعتقد أنه استعدادات لتدخل من نوع آخر في الأزمة السورية، يتجاوز مجرد دعم المعارضة السورية  بأجهزة التحكُّم عن بعد (الريموت كونترول) كما يحدث الآن.
وكان تقرير لصحيفة واشنطن بوست اليوم (السبت، 20 تشرين الأول/أوكتوبر) أشار بقوة إلى هذا الاحتمال حين قال أن "الحكومة الأميركية تكثِّف من وراء الكواليس المشاورات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخبارية مع تركيا، فيما يواجه كلا البلدين احتمال تصاعد الحرب الأهلية السورية إلى حرب إقليمية".
وأضاف التقرير أن الهدف الأول لمثل هذا التنسيق هو دراسة فرض حظر جوي ومنطقة آمنة( على الأرجح في الشمال السوري المحاذي للحدود التركية). وفي حال قطعت المشاورات حيال هذا الأمر شوطاً آخر نحو التنفيذ، فستكون فرنسا أكثر من مستعدة للمشاركة فيه، خاصة وأنها أعلنت غير مرة استعدادها لذلك.
ماذا تعني كل هذه التطورات المتلاحقة؟
أمراً واحدا: الوضع الإقليمي المحيط بالأزمة السورية، خاصة في لبنان وتركيا، يقترب من درجة الغليان. ودرجة حرارة هذا الغليان سترتفع أكثر في كل يوم يقترب فيه موعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية.
وسام الحسن كان أول ضحايا هذا الغليان، لكنه حتماً لن يكون الأخير.

سعد