للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 16 أبريل، 2014

العرب والعولمة (حلقة أخيرة): أجل. فلننسحب من العولمة على خطى النبي نوح!


- I -
المفكر البارز برتراند ميهوست (bertrand meheust  )  يعتبر  أنه فات الاوان على انقاذ البشرية من مصير مأساوي لامفر منه، نظراً إلى  الدمار الذي أحدثه الرأسمالية في بيئة الأرض والمحيط الحيوي. فـ"تليُّف الكبد النيوليبرالي"، على حد تعبيره، لا شفاء منه. وهذا مايراه أيضاً مفكر آخر هو وليم غريدر الذي أعلن أن العولمة ستتسبب  بسلسلة كوارث رهيبة  تلحق بالعالم قبل ان يتمكن الحس السليم من الانتصار. هذا إذا بقي وقت  لتحقيق انتصار ما.
كلا المفكرين على حق، لكن نسبيا. فبيئة الأرض وصلت بالفعل إلى درجة التشبع بالتلوث، ولن تستطيع الرأسمالية العالمية حتى لو أرادت (وهي لن تريد أبدا) أن توقف الحرب الشعواء التي أعلنتها على الطبيعة. وبالتالي الانتقام المقبل لأمنا غايا من الجنس البشري آتية لاريب فيها.
ليس هذا وحسب، بل لا بد من الاعتراف أيضاً أنه لا سبيل للتغلب على رأسمالية أو امبراطورية العولمة. فهي قوة طاغية، لا بل أكبر قوة طاغية في التاريخ. إذ هي تسيطر على فكرنا وثقافتنا (الأفلام والموسيقى، ومراكز الأبحاث، والصحافة والإعلام والفضائيات ألخ..)، والمأكل والمشرب( الأطعمة المعدلة جينيا، والسيطرة على أسواق وأسعار وبذورات المحاصيل الزراعية عبر الشركات الضخمة متعددة الجنسيات) وتوجيه أو خلق الأحلام والرغبات (التي تتركز كلها على إديولوجيا الاستهلاك)، وتحديد طبيعة أنظمتنا السياسية والاقتصادية وفق مصالحها الآنية والأنانية الخاصة التي لاعلاقة لها لامن قريب ولا من بعيد بالأخلاق والمثل العليا.
 وأخيراً ستقوم العولمة النيولبرالية قريباً بالعمل على تغيير الطبيعة البشرية نفسها، من خلال علوم البيوتكنولوجيا والجينات والكومبيوتر، لتخلق ما أسماه فرانسيس فوكوياما نفسه "آخطر إنقلاب في التاريخ البشري".
بيد أن كل ذلك لايجعل ميهوست وغيدر على حق كليا. إذ لا بد من الرهان على أمل ما بأن تبقى قلة بشرية ناجية من نار الجحيم البيئي الزاحف، لتقوم بإعادة بناء الحياة من جديد على كوكب الأرض.
- II -

لقد قلنا بالأمس في هذا الموقع أن ثمة حلولاً لهذه الكارثة.
ونقول اليوم أن هذا الحل يكمن مع النبي نوح!
فهذا النبي الذي تقول الأساطير الدينية أنه بنى فلكاً، أنقذ الحياة (وليس فقط البشرية) من طوفان هائل اجتاح كوكب الأرض ولم يبق ولم يذر،
حسنا. هذا الطوفان آت لا محالة في عصرنا الحديث، وهو يحمل اسماً واضحاً ومحددا: تغيّر المناخ.
صحيح أن العديد من العلماء يقولون أن "نهاية العالم" قد لاتأتٍ قبل 50 أو حتى 100 سنة، لكن الصحيح أيضاً أن كوارث ما قبل النهاية الأخيرة لن تقل هولا: ذوبان المجلدات القطبية وارتفاع مستوى المحيطات والبحار، بما سيتسبب بتسوناميات  وزلازل متكررة،  واضطراب فصول السنة بما يؤدي إلى ضرب التوازنات الإيكولوجية وإبادة اجناس لاحصر لها من النباتات والحيوانات التي تلعب دوراً هائلاً لتوازن البيئة،  ودورات متصلة من الجفاف والفيضانات التي تفجّر حروباً أهلية لاتنتهي (كما يحدث الأن في سورية والعراق وغرب إفريقيا وغيرها من المناطق).
فلك نوح الجديد المنقذ من ضلال العولمة النيوليبرالية لن يكون بالطبع سفينة بل فكرة. وهي تتمحور حول الأتي:
أولا، قيام قطاعات من المجتمعات المدنية في كل أنحاء العالم بالانسحاب من الاقتصاد الرأسمالي العالمي أو إعلان القطيعة معه، وابتداع برامج محددة لبناء اقتصادات بديلة تستند بالدرجة الأولى إلى ضرورات البيئة السليمة، وحاجات الإنسان الضرورية، وبالتالي تجنّب كل السلع الاستهلاكية المادية والثقافية التي تنتجها العولمة.
ثمة العديد من هذه المحاولات من هذا النوع الآن في فرنسا والولايات المتحدة والصين وهي تبشّر ، في حال توصلها إلى إبدعات خلاقة لاستخدامات العلم والتكنولوجيا على أسس سليمة بيئياً واقتصادياً وثقافيا، بولادة نظام عالمي بديل من تحت إلى فوق.
ثانياً، بلورة وعي كوني جديد، وبالتالي مواطنة عالمية جديدة، يستندان إلى اكتشافات الفيزياء  الحديثة حول وحدة الكون والوجود وحول كون الكل متضمن في الجزء والجزء متضمن في الكل. هذا الوعي لايعني بالضرورة ضرب الأديان والقوميات الحالية، بل هو يأخذ منها أجمل وأفيد مافيها، في إطار تعددية مابعد حداثية، من خلال تدمير الأسوار الانغلاقية التي بنتها الأديان والقوميات حول نفسها.
علاوة على ذلك، هذا الوعي الجديد، الذي ينهي انفصال الفرد عن الطبيعة والله والبشر والمخلوقات، سيكون أيضاً بطاقة خروج الإنسان من الجحيم النفسي الذي يعيشه في هذا العصر، والذي يتجسَّد في الأزمات السايكولوجية المدمرة، والصراعات الاجتماعية القاتلة (التي تغذيها النيولبرالية عبر إيديولوجيا "جينتها الأنانية")، والحروب على أنواعها. الوعي الجديد، المستند إلى ضرب الإيغو (الأنا) الأناني وإطلاق طاقات الإنسان الروحية من خلال فلسفات وتقنيات التأمل، سيكون مدخلنا إلى السلام الداخلي، والتضامن بدل التنافس الأعمى، والتعاون بدل الحروب، والتصالح مع أمنا الطبيعة بدل إعلان الحرب الخاسرة سلفاً عليها.
ثالثا، هذه الشبكات الاجتماعية والاقتصادية والسايكولوجية سيكون بمقدورها، إذا ماتوصلت في خاتمة المطاف إلى التنسيق في ما بينها، تشكيل حكومة ظل عالمية تقوم، من جهة بكشف كوارث العولمة النيوليبرالية الحالية بالأرقام والوقائع، ومن جهة ثانية بتوفير تصور لـ"بشرية جديدة" وحياة جديدة وأرض جديدة.
- III -
قد يقال هنا أن هذا مجرد مشروع حالم أو مثالي.
وهذا صحيح.
لكن، فلنتذكر القانون الذهبي الأبرز في التاريخ والطبيعة، والذي يشير إلى أن المخلوقات لاتتطور بالفعل إلا إذا ماتعرضت إلى خطر ماحق يهدد وجودها برمته. هذا ماحدث، مثلاً، للأسماك قبل مليارات السنين التي اضطرت إلى الخروج نحو اليابسة بسبب الخلل الذي ضرب بيئتها البحرية. وهذا ماحدث أيضاً للزواحف التي اضطرت إلى تعلم الطيران للهرب من ضغوطات بيئية ما ماحقة.
كذلك، المجتمعات البشرية التي حوصرت بالتصحير والجفاف على مدار التاريخ، اجبرت على الهجرة إلى أماكن صعبة وقصية بحثاً عن مناخات مناسبة للحياة.
والآن، ولأن الجنس البشري مهدد برمته  بسبب عولمة الرأسمالية للتلوث، لم يعد ثمة مجال أمامه سوى  التطور من خلال بناء حضارة سلام بيئية- تعاونية- روحية تنطلق من الفرد والمجموع في آن وعلى حد سواء، أو الانقراض.
لقد بلغ السيل الذبى بالنسبة إلى  أمنا الأرض (غايا). وما لم نقم بفعل التوبة اليوم تحت أقدامها، ستدوسنا غداً تحت هذه الأقدام، وستكتب نهاية قاتمة للمشروع البشري برمته.
القرار لكم، أفراداً وجماعات.

سعد محيو




الثلاثاء، 15 أبريل، 2014

العرب والعولمة(4): اعترافات "متعولم" تائب!


- I -
يعترف كاتب هذه السطور أنه كان في البداية من المتحمسين للعولمة وللانضمام إليها، ليس لأنه نقل بندقية الانتماء من كتف الاشتراكية (فهذا لم يحدث) إلى قبضة الرأسمالية (فهذا كان ولايزال غير وارد)، بل لقناعة بأن هذا "القدر الحتمي" سيكون تقدمياً، كما كانت الرأسمالية في نشأتها تقدمية حين برزت على انقاض النظام الإقطاعي.
كان ثمة مراهنات، أو بالأحرى أوهام، أخرى: فالعولمة، بصفتها قوة حديثة ومابعد حديثة، يفترض أن تجلب معها حقوق الانسان والديمقراطية، والعلم والتقانة والعقلانية، وتوحيد العالم في قرية واحدة من خلال ثورة الاتصالات والمعلومات المذهلة، وتلغي التعصب بكل أشكاله العرقية والقومية وألوانه الدينية، من خلال تجاوز الدولة القومية التي تسببت بالكوارث الهائلة في القرن العشرين، وقبله منذ القرن السابع عشر حين حوَّلت النهضة الإنسانية الأولى في أوروبا إلى نزعة استعمارية وعنصرية عاتية.
لكن، يتبين الآن مدى خطل هذه الرهانات من ألفها إلى الياء.
صحيح أن الرأسمالية العالمية انتصرت في كل العالم (كما توقع كارل ماركس) وحولّته إلى سوق واحد، وصحيح أن عصر العولمة أزال الحواجز أمام الأفكار والمعلومات والسلع والخدمات. لكن الصحيح أيضاً أن الرأسمالية النيوليبرالية المنفلتة من عقالها، والمسيطرة على كل ما يكتب ويذاع ويبحث وينشر ويتداول من فكر وثقافة في العالم، ألحقت، ولاتزال، دماراّ ربما فات الأن أوان ترميمه في بيئة أمنا الأرض، وأوجدت أضخم حالة لامساواة في كل التاريخ البشري ( بين واحد في المئة يملكون كل شيء وفي خدمتهم 20 في المئة يكونون جيشوهم الصغيرة، وبين 80 في المئة الباقين)، وحوّلت السعادة الفردية كما الجماعية إلى سراب استهلاكي منقطع السرعة، ووضعت العالم والتكنولوجيا في خدمة مصالحها الخاصة، بما في ذلك بدء تحويل أفراد الطبقات الرأسمالية إلى "مخلوقات خالدة" عبر تقانة البيوتكنولوجيا.
والأهم من هذا وذاك أن العولمة اندفعت بكل طاقتها لتكريس إيديولوجيتها القائمة على التركيز على أن الإنسان فردي واناني تطبعاً وطبيعة (نظريات الجينة الأنانية)، وبالتالي أن الحروب والصراعات والتنافسات الوحشية والتنافسية، ومعها ديكاتورية السوق، جزء لايتجزأ من هذا الطبع وتلك الطبيعة.
- II -

لكن، إذا كانت العولمة الرأسمالية على هذا القدر من الوحشية والخطورة، فإنها في الوقت نفسه، كما قلنا، تبدو قدراً حتمياً لامرد له. هذا إضافة إلى أن كل المحاولات التي بذلت خلال العقدين الماضيين لطرح بدائل لها، من العولمة البديلة إلى العولمة ذات الوجه الإنساني أو العولمة الأممية والاشتراكية، لم تُحدث حتى خدوشاً على سطحها على رغم المظاهرات والمؤتمرات الصاخبة في سياتل ونيويورك ولندن وباريس وبقية عواصم العالم.
وطالما أن الأمر على هذا النحو، ماذا في وسعنا نحن الرافضين لهذا المصير الداكن في المنطقة العربية والعالم أن نفعل؟ أليس من الأفضل بدل الرفض غير المجدي أن نراهن، مثلا، على نهوض مماثل للصين والهند في ظل العولمة، على رغم أن هذين البلدين العملاقين مهددان الآن، خاصة الصين، بكوارث بيئية مرعبة قد تتبعها ربما حروب أهلية طاحنة؟.
كلا.
فعلى المستوى العربي، لايتوقعن أحد أن تسمح إسرائيل، وهي المركز الشرق اوسطي الحقيقي للعولمة، بدخول استثمارات انتاجية صناعية وزراعية وتكنولوجية إلى الدول العربية، لأن ذلك سيهدد هيمنتها الكاسحة على المنطقة. كما أنه قد يلغي كل المشروع الشرق أوسطي القائم على كون الدولة العبرية المركز الانتاجي والتكنولوجي الوحيد في هذا الإقليم.
هذا إضافة إلى أن الدول العربية نفسها تحوّلت كلها وبلا استثناء إلى ما أسماه غونار ميردال "الدولة الرخوة" التي ينخرها الفساد من رأسها إلى أخمص قدميها، وأصبحت تابعة بالكامل لقوى العولمة الرأسمالية المتعولمة. وهذه الأخيرة لاتريد من الدول العربية سوى أن تسهّل تحوّل بلدانها إلى سوق استهلاكي للشركات متعددة الجنسيات، وأن تركز (خدمة للمركز الإسرائيلي) على القطاعات الخدماتية غير الانتاجية.
هذا الواقع، يضاف إليه تضافر وتقاطع عاملي تغير المناخ والطفرة الديموغرافية الشبابية، سيعني أمراً واحدا: أن بقاء المنطقة العربية مرتبطة بنظام العولمة وشروط التكيف الهيكلي التي تفرضها مؤسساتها من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى منظمة التجارية العالمية، ومن ورائهما حكومات الاتحاد الاوروبي وجيوش الامبراطورية الاميركية، سيؤدي إلى سلسلة اضطرابات اجتماعية وطائفية وإثنية وحروب أهلية لاتنتهي. وهذا على أي حال مايحدث الآن في مصر وتونس وليبيا والسودان واليمن وسورية، وما سيحدث حتماً قريباً في الجزائر والمغرب ودول الخليج.
وعلى الصعيد العالمي، سيتواصل فرز المجتمعات الغربية المتقدمة صناعياً إلى أقلية احتكارية تخدمها فئة العشرين في المئة وإلى 80 في المئة يمارسون العطالة والبطالة في إطار ما أسماه زبغنيو بريجنسكي  " TittytainmenT، أي "إرضاع" الـ80 في المئة من صدر التسليات الاستهلاكية التافهة، تماماً كما كان يفعل أباطرة روما القديمة حين كانوا يلهون مواطينهم بـ"السيرك والخبز".
بيد أن الأهم عالمياً هو التدهور البيئي. فأقطاب العولمة ينفقون عشرات مليارات الدولارات سنوياً على مراكز الأبحاث و"العلماء" الذين ينفون وجود ظاهرة تغيّر المناخ، أو يروجون أن التنكولوجيا قادرة على خفض نسب التلوث، من دون تنفيذ ماطالب به نادي روما منذ السبعينيات بضرورة وقف النمو الاقتصادي، لأن الأرض لم تعد تتحمل هذا النزف البيئي الهائل للمحيطات والأنهار والتربة والهواء.
بيد أن الكارثة البيئية العالمية موجودة وحقيقة واقعة. وهذا ما حذّر منه بقوة تقرير الأمم المتحدة الأخير قبل أيام حول تغيّر المناخ، والذي أشار فيه إلى أنه إذا ماواصلت الدول الغنية في الغرب والصاعدة في الشرق تجاهل ضرورة خفض معدلات ثاني أوكسيد الكربون، فبعد عقد من الآن سيكون الوقت قد فات لوقف مضاعفات تغير المناخ.

- III -
الآن، طالما أننا في طريق مسدود عربياً وعالمياً إزاء العولمة، فهل هذا يعني أن نستسلم لأقدارنا؟
كلا.
هناك حلول، واقعية ومثالية في آن!
(للحديث صلة).

سعد محيو






الأحد، 13 أبريل، 2014

العرب والعولمة (3): مَنْ إلى الجحيم: نحن أم العولمة؟


- I -
أشرنا بالأمس إلى أن ثمة فريقاً ثالثاً إما أنه يرفض العولمة جملة وتفصيلاً، أو أنه يدعو إلى عولمة يسارية بديلة، أو على الأقل يدعو إلى  كبح جموح "البريرية النيو- ليبرالية" (كما يسميها)، عبر أنسنتها وإصلاحها.(*)
المفكر الماركسي البارز سمير أمين كان من أوائل من دعا ليس إلى رفض العولمة وحسب، بل أيضاً إلى "الانفكاك عنها" كوسيلة وحيدة لتجنب شرورها وكوارثها الاجتماعية والانسانية والبيئية. كما أنه دعا إلى تأسيس "الأممية الخامسة" لتحقيق هذا الغرض.
منذ صدور دعوة أمين هذه،  بتنا نشهد إنشاء وتطور فضاءات بديلة للتضامن الاقتصادي في العالم، وراحت تزدهر تجارب اقتصاد تضامني في مجتمعات صغيرة على شكل نظم تبادل من خارج قنوات النظام الاقتصادي المتعولم السائد. حنى أن هذه النظم ابتكرت أنظمة عملة موازية بين اعضائها.(أطلق على هذه الحركة اسم "ممارسات الانشقاق الاقتصادي: الشبكات المتمردة والابداع الاجتماعي"). ذلك هو الفكر الاقتصادي المتمرد الذي  تسوده الاخلاقيات والقيم الانسانية. رجال ونساء هربوا من العولمة الشافطة واستقلوا.
بعد موقف سمير أمين، كرت السبحة.
فالمفكر شوماخر، صاحب نظرية "الصغير جميل"، قال أن الوسيلة الأمثل للتصدي للعولمة النيوليبرالية، هي استخدام تكنولوجيات وسيطة متوسطة الحجم بحيث تصبح في متناول الانسان خاصة في العالم الثالث. وروبرت هيلبرون بشَّر بانحطاط حضارة الاعمال، فيما شدد جوزف شومبيتر على أن  الرأسمالية ستؤدي إلى مأزق وجودي خطير.
كل هؤلاء أبرزوا مخاطر الاستهلاك وكوارث "ثقافة" شركات الاعلان الكبرى التي تساعد ليس فقط على انتشاره (الاستهلاك)، بل أيضاً على خلق ما أسموه  "الجماهير الاصطناعية"، أي تلك التي تخلق لها العولمة سلعاً استهلاكية ليست في حاجة إليها، بحيث يتحول الناس إلى آلات عمياء لاستهلاك أشياء وآراء سياسية دوغمائية. ويرى الفيلسوف الفرنسي بودريار، على سبيل المثال، أن  الاستهلاك الذي تروٍّج له العولمة بعيد كل البعد عن أن يكون بيئة تساعد على ازدهار الكوسموبوليتية الكونية في الاخلاق والفلسفة الاخلاقية التي نادى بها كانط والديانات الكبرى. لا بل هي أحدثت فراغاً في المجال الاجتماعي والمثل العليا الاجتماعية، وافرغت الوجود الانساني من معناه بتركيزها على حفز استهلاك أكثر المنتجات تفاهة.
بذور هذا الانقلاب كان جلياً في تحوّل الاقتصاد السياسي إلى "علم" يقوم على الرياضيات. ومثل هذا التحول سيزيل تدريجياً  الذاكرة والثقافة والاخلاق والقيم: ويحوّل البشر والاقتصادات إلى علم خاص بالنيوليبرالية وظيفته انتاج تنتج ديكتاتورية السوق العالمي الخالي كلياً من الضوابط، مثلها مثل ديكتاتورية البروليتاريا.
وهكذا، فإن علماء الاقتصاد باتوا جزءاً من شبكات أنواع جديدة من السلطة العابرة للحدود القومية. وقد أخذت هذه السلطة المتعولمة تنتظم على مراحل من خلال بنية قوية، هرمية وأفقية تدعمها بيروقراطية ضخمة. عناصر هذه السلطة إضافة إلى الاقتصاديين: مراكز الأبحاث، وكبار الموظفين في الدول القومية والمؤسسات الدولية، والأكاديميين، وصانعي القرار في وسائل الاعلام وقادة كبريات بعض المنظمات الانسانية غير الحكومية. كل هؤلاء شكلوا "جيوشاً صغيرة" تعمل في خدمة العولمة في كل أنحاء العالم وفق انضباطية هرمية. وهي جيوش تضم ملايين الاشخاص الذين يتصرفون كجنود طائعين.
ويرى د. جورج قرم أن "تكاثر المعازل في المدن الكبرى للاثنيات المختلفة، أثبت فشل العولمة إلا في اوساط النخبة التابعة لها. وبهذا المعنى كانت العولمة بحق نتاج حضارة امبراطورية تحمل ماضي الامبراطوريات الاستعمارية وماضي الولايات المتحدة وبدرجة أقل أوروبا".
- II -

بالاضافة إلى التيار الرافض كلياً للعولمة، والتي يعتبرها مجرد استمرار للامبريالية الغربية (التي أصبحت جماعية غداة الحرب الباردة)، هناك ثلاثة تيارات أخرى:
الأول، يُعتبر رفضاً للعولمة أقل مما هو رفض للنظام الرأسمالي: وهو تجديد للفكر الماركسي، وتمثله منظمة "أتاك" التي نشأت في فرنسا.
والثاني، موقف إصلاحي مرن راغب في تنظيم أفضل للأسواق العالمية.
 والثالث موقف إصلاحي واقعي ومثالي يطالب بعالم متعدد الاقطاب سياسياً، يكفل نهوض ممارسة ديمقراطية من قبل عولمة مسؤولة وأكثر انسانية اعتمادا على قانون أخلاقي.
بيد أن مفكرين بارزين أخرين مثل برتراند ميهوست (bertrand meheust  )  يعتبرون  أنه فات الاوان على انقاذ البشرية من مصير مأساوي لامفر منه، نظراً إلى  الدمار الذي أحدثه الرأسمالية في المحيط الحيوي. فـ"تليف الكبد النيوليبرالي"، على حد تعبيره، لا شفاء منه. وهذا مايراه أيضاً وليم غريدر الذي أعلن أن العولمة ستتسبب  بسلسلة كوارث رهيبة  ستلحق بالعالم قبل ان يتمكن الحس السليم من الانتصار.
وانضم إلى هذا الركب فرانسوا بارتان الذي شدد على أن التنمية في إطار العولمة "عبث وجنون إذا اخذنا في الاعتبار المشكلات البيئية. والمأزق سيدفع البشر إلى البحث عن معنى آخر للحياة".
- III-
مَنْ الأقرب إلى الدقة والصحة من هذه التيارات؟ وأين المنطقة العربية منها؟
(غدا نتابع)
(*) تفاصيل هذه المواقف من العولمة، مبثوثة في كتاب المفكر العربي البارز  د. جورج قرم الاخير بعنوان " حكم العالم" ، الذي اعتمدنا عليه في هذا المقال. وسنقوم قريباً باستعراض هذا الكتاب بالغ الأهمية.

سعد محيو