للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الخميس، 26 مارس، 2015

الصفقة الإيرانية- الأميركية على "نار يمنية" حامية





جهود إدارة أوباما الضخمة لتحصين الصفقة الكبرى المحتملة مع إيران، بالكاد خرجت مؤخراً (وإن مؤقتا) من خروم إبر حملات الليكوديين الإسرائيليين والجمهوريين الأميركيين عليها. فهل تنجح الآن في الخروج من عنق زجاجة الحرب الخطيرة التي اندلعت في اليمن فجر يوم الخميس 26 مارس /آذار الحالي؟
السؤال يبدو مبررأ لأسباب عدة:
فالغارات الجوية الكثيفة التي شنها سلاح الجو السعودي، بدعم من تحالف ضم تسع دول أخرى كما أعلنت الرياض من دون أن تحدد هذه الدول، والتي دمّرت على مايبدو معظم القواعد والمطارات الجوية التابعة للقوات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح والحوثيين، ستكون بداية لحرب أوسع. فالحوثيون هددوا بنقل الحرب إلى الأراضي السعودية، كما فعلوا حين خاضوا مع مملكة الوهابيين حرباً محدودة دامت بضعة أشهر العام 2009 كبّدوا خلالها القوات السعودية نحو 140 قتيلا. والسعوديون، على لسان سفيرهم في واشنطن عادل الجبير، أعلنوا أنهم لن يوقفوا العمليات العسكرية إلا بعد استعادة السلطة الشرعية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي.
وفي الوقت نفسه، كانت مصر تعلن دعمها للعمليات السعودية و"استعدادها لإرسال قوات بحرية وبرية وجوية لقتال الحوثيين إذا تطلب الأمر". هذا في حين تواترت أنباء عن أن باكستان والأردن والمغرب ربما تشارك أيضاً في هذه العمليات. وعلى رغم أن الولايات المتحدة لم تنضم الغارات، إلا أن البيت الأبيض أكد دعمه لها وأعلن أن الرئيس أوباما أمر بمنح التحالف الجديد "دعماً استخبارياً ولوجستيا".
سنّة وشيعة..
ماذا يعني هذا التحالف الجديد وإلى أين يمكن أن تؤدي هذه الحرب الجديدة؟
يجب الالتفات، باديء ذي بدء، إلى أن هذا التحالف سيضم القوى السنيّة الرئيسة في المنطقة، وسيواجه في الدرجة الأولى النفوذ الشيعي الإيراني الذي يقف بقوة وراء الحركة الحوثية التي اجتاحت معظم مناطق اليمن مؤخرا. وهذا يعني أن الحرب الباردة المستترة بين السنّة والشيعة، والتي تتمثّل في الجولات القتالية المتنقلة بين العراق وسورية ولبنان، قد تدخل مرحلة جديدة تنغمس فيها الدول المعنية، خاصة المملكة السعودية، في لجج حرب مباشرة.
وفي المقابل، ستكون إيران في وضح حرج للغاية. فهي ستتجنب على الأرجح التورط مباشرة إلى جانب حلفائها الحوثيين في الحرب الجديدة في اليمن، لكنها لن تكون قادرة على تركهم يواجهون مصيرهم منفردين في وجه هذا التحالف السنّي الكبير، لأن ذلك سيفقدها مصداقيتها لدى بقية حلفائها في المنطقة، من جهة، ولأن ذلك سيضعف إلى حد كبير مواقعها التفاوضية العامة مع واشنطن، من جهة أخرى.
وكل هذا من شأنه خلق أوضاع غاية في التوتر في المنطقة ككل، خاصة إذا ما قرر هذا التحالف السنّي الجديد تمديد "هجومه المعاكس" ضد إيران إلى سورية ولبنان. إذ أن ذلك قد يحوّل حرب اليمن إلى حرب إقليمية شاملة في الشرق الأوسط ربما تشارك بها إسرائيل.
حتى الآن، لما تصل الأمور إلى هذه المرحلة الخطرة. لكنها ستقترب منها بقوة إذا ما قررت أطراف الصراع الإقليمي رمي كل أوراقهم على الطاولة. وفي هذه  الحالة، لن تكون تطورات اليمن سوى جزء من لعبة شطرنج أكبر بكثير، هدفها الرئيس التحكّم، أو محاولة التحكّم، بتوجهات سياسات الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، بوصف هذه الأخيرة القوى العظمى الوحيدة  التي لاتزال تُمسك وحدها معظم مصائر دول المنطقة، ومعها مصير النظام الإقليمي الشرق أوسطي العتيد.
بكلمات أوضح: سيكون الهدف الأول لهذه الحرب المفترضة، من جانب السعوديين وحلفائهم، تقويض (أو على الأقل تعقيد) الصفقة الكبرى الأميركية- الإيرانية، من خلال إجبار واشنطن على الانحياز علناً إلى جانب "أصدقائها القدماء" في الشرق الأوسط، ماسيترك مضاعفات سيئة على المفاوضات حيال هذه الصفقة، كما على الداخل الإيراني. هذا في حين قد تعمد إيران إلى استخدام هذه الحرب نفسها لإبلاغ واشنطن بأنها القوة الأكثر تأثيراً على لعبة الحرب والسلام في المنطقة، وبالتالي السماح لها أميركياً بممارسة "الدور الأمبراطوري ( الإقليمي) الذي تحدث عنه مؤخراً أحد مستشاري الرئيس روحاني، كجزء من الصفقة النووية.
أكبر من اليمن
كما يتضح من هذه المعطيات، التطورات المحتملة في اليمن مفتوحة على احتمالات ضخمة تتجاوز بكثير مصير الصراع على السلطة في هذه الدولة التي تعتبر من أفقر الدول في العالم. فالأزمة الجديدة قد تكون الصاعق الذي  سيحوّل الاستقطابات الحالية الحادة السعودية- الإيرانية، والسنّية- الشيعية، إلى حريق إقليمي خطير يفوق بكثير الحرائق الأخرى الآن المندلعة على قدم وساق على الأرضين السورية والعراقية (وربما قريباً اللبنانية).
وحينها سيكون التساؤل محقاً حول ما إذا كانت الصفقة الكبرى المحتملة بين أميركا وإيران، ستكون قادرة على الصمود أم لا. حينها أيضا، سيكون الجمهوريون الأميركيون والليكوديون الإسرائيليون أكثر من جاهزين لمحاولة تحقيق ماعجزوا عن تحقيقه في الجولة الأولى من معركتهم ضد هذه الصفقة، عبر جر إدارة أوباما إلى المعركة إلى جانب حلفائها التقليديين ضد إيران.

سعد محيو- بيروت


الثلاثاء، 3 مارس، 2015

نتنياهو وإيران: مصير الصهيونية برمته على المحك



(ينشر هذا المقال اليوم في موقع سويس انفو)

بنيامين نتنياهو على حق: زيارته الأخيرة إلى واشنطن وخطابه أمام مجلسي الكونغرس الاميركي، كانا  بحق "مصيريين وتاريخيين" وفق كل المعايير.
هما مصيريان، لأنهما دشنا معركة سياسية ضخمة بين الليكوديين الإسرائيليين والجمهوريين الأميركيين (شبّهها جون كيري بـ"مباراة كرة قدم سياسية كبرى") حول الاتفاق النووي مع إيران. معركة ينتظر أ ستستخدم فيها كل أنواع الاسلحة الفتاكة الاعلامية والاديولوجية وحنى الدينية.
خطاب نتنياهو أعلن رسمياً بدء هذه المعركة. لكن مجلس الشيوخ الجمهوري كان سبقه إلى تدشين هذه الحرب، حين صادق على مشروع قانون يتيح للكزنغرس "مراجعة أي إتفاق" مع إيران في غضون خمسة أيام من إبرامه. كما يمنع أوباما من إلغاء أو تجميد العقوبات التي أجازها الكونغرس على طهران لمدة ستين يوماً بعد التوصل إلى اتفاق. وكل هذه إجراءات رفضها الرئيس أوباما وأكد أنه سيستخدم حق النقض (الفتيو) ضدها. ثم أتبع ذلك بنشر مقابلة مع وكالة رويترز، عشية خطاب نتنياهو، شن فيها حملة عنيفة على هذا الأخير واتهمه بتجاوز البروتوكول بين الدول وباستخدام خطابه لخدمة معركته الانتخابية داخل إسرائيل.
أما تاريخية الزيارة والخطاب، فيكمنان في مكان بعيد يبتعد كثيراً عن "الحياة اليومية" للشرق الأوسط الراهن، ويتعلقان بالبون الذي بات شاسعاً بين إسرائيل والولايات المتحدة (أو على الأقل بين الليكوديين والبيت الابيض الديمقراطي) حيال هذا الاتفاق.
فإسرائيل تخشى أن تؤدي الصفقة النووية إلى مجرد تأجيل حصول إيران على القنبلة النووية، مع إسباغ الشرعية الدولية على برنامجها النووي. وهذا سيقود في نهاية المطاف إلى كسر احتكار إسرائيل لسلاح يوم الآخرة (يقال أنها تملك 300 قنبلة نووية "في القبو") في الشرق الأوسط، وبالتالي إلى سقوط خط الدفاع العسكري الأخير عن الدولة العبرية. هذا في حين أن الولايات المتحدة لايهمها كثيراً في الواقع حتى لو امتلكت إيران للقنبلة، لانها قادرة في أية مجابهة على محو إيران عن وجه البسيطة في غضون 20 دقيقة لا أكثر.
مابعد النووي
البُعد النووي من الصراع موجود إذا. لكنه ليس في الواقع كل شيء. ماوراء هذا البُعد هو الأهم.
كيف؟
هنا، يقفز أمام أعيننا مباشرة المشهد التاريخي بجلاء. فتل أبيب تدرك أن إدارة أوباما تريد إبرام الاتفاق  بأي ثمن، ليس فقط لأن أول رئيس أميركي إفريقي يريد أن يختم ولايته بإنجاز دبلوماسي كبير في السياسة الخارجية، يقارع الانجاز الذي حققه الرئيس نيكسون في الستينيات حين أخرج الصين من الفلك الشيوعي وضمها بالتدريج إلى المملكة الرأسمالية، بل أولاً وأساساً لأن المؤسسة الاميركية تريد أن تكون الصفقة مع إيران بداية تحوّل استراتيجي كبير لتوجهاتها في الشرق الاوسط وقارة أوراسيا.
محور هذا التغيير: إعادة ترتيب أوضاع المنطقة، بحيث تتمكن الولايات المتحدة من تخفيف أعبائها ومسؤولياتها فيها من دون المس بمصالحها الأساسية، ثم لنقل مركز الثقل في نشاطاتها إلى منطقة آسيا- الباسيفيك التي باتت عملياً، المركز التجاري والاقتصادي والعسكري الأول في العالم بدل أوروبا، وذلك للمرة الأولى منذ خمسة قرون.
وهذا يتطلب، من ضمن مايتطلب، الاعتراف بالادوار الإقليمية للعناصر الرئيسة في هذه المنطقة، والتي شكّلت كل أنظمة الشرق الأوسط السابقة في التاريخ: الإيرانيون والأتراك والعرب، وفي الدرجة الثانية اليهود والاكراد والمسيحيون وباقي الاقليات.
لكن هذا بالتحديد ماتخشاه إسرائيل، لأنه سيعني ببساطة تقويض النظام الإقليمي السابق الذي أقيم غداة الهزيمة العربية في حرب 1967، والذي رسّخ السيطرة شبه المطلقة لإسرائيل على نظام الشرق الأوسط برعاية أميركية ومباركة (آنذاك) من تركيا الاتاتوركية التي كانت تدير الظهر لكل ماهو شرقي، ومن إيران الشاهنشاهية التي قبلت أن تصدر قواعد نفوذها الإقليمي من تل أبيب وواشنطن، ومن مصر الساداتية التي وافقت على الانكفاء بعد معاهدة كامب ديفيد 1979 لصالح الهيمنة الإسرائيلية.

كل هذا الصرح، النووي والاستراتيجي، سيكون عرضة إلى الانهيار، في حال تم التوصل أواخر هذا الشهر إلى اتفاق بين القوى الخمس زائد واحد وبين إيران، ما سيؤدي في الواقع إلى تسديد ضربات قد تكون قاتلة للمشروع الإسرائيلي في حلّته الصهيونية، الذي استند بقضه وقضيضه إلى فكرة تفرّد الدولة العبرية بالتفوق العسكري والاستراتيجي والاقتصادي الاسرائيلي المطلق، في إطار "امبراطورية" حقيقية تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي.
وهذا ما قد يفسِّر جانباً من الهستيريا الحقيقية التي تنتاب العديد من الدوائر الحاكمة في إسرائيل. فما هو على المحك لايقل عن كونه تغيير كل البنية الاستراتيجية التي انبثق من ثناياها جل مشروع الدولة اليهودية العام 1948، لكن بخاصة العام 1967. كما أنه يفسّر أسباب عدم قدرة النخبة الحاكمة الاسرائيلية على ابتلاع فكرة الجلوس إلى طاولة واحدة على قدم المساواة مع القوى الإقليمية الإيرانية والتركية، التي تطالب الآن بحصة واضحة من الكعكة الشرق أوسطية. إذ أن ذلك سيقلص حجم الدولة العبرية إلى مجرد قزم ديموغرافي وسط عمالقة إقليميين.
إلى أين؟
لكن، ما آفاق هذه المعركة الكبرى؟
الاعتبارات كثيرة هنا، ومعها الأسئلة المحورية:
-       هل المؤسسة الاميركية منقسمة بشكل حاد بالفعل حيال مسألة إعادة ترتيب نظام الشرق الاوسط لتسهيل الانطلاقة الجديدة في رحاب آسيا- الباسيفيك، أم أن هذه مجرد مناورات جمهورية لاستعادة البيت الأبيض من الديمقراطيين؟. بكلمات أوضح: هل سيعمل أي رئيس جمهوري جديد على بث الروح مجددا في النظام الاقليمي الإسرائيلي – الاميركي، وإدارة الظهر للقوى الإقليمية الجديدة الصاعدة، على رغم أن ذلك قد يكلّف الولايات المتحدة غالياً ويضعها عملياً في مواجهة عالم إسلامي سبق لزبغنيو بريجينسكي أن حذّر (في كتابه "رؤية استراتيجية جديدة") من أنه قد يقوّض الزعامة الاميركية في العالم؟
-       وهل النخبة الإسرائيلية، بيمينها ويسارها، موحّدة حقاً وراء معركة "كسر العظم" التي يخوضها نتنياهو مع إدارة أوباما، أم أن تردد أجهزة المخابرات الإسرائيلية في دعم هذا الاخير مؤشر على وجود اتجاهات واقعية ما بينها؟
-       ثم: أين الحرس الثوري والقوى الإديولوجية الإيرانية المتطرفة من آفاق الصفقة المحتملة مع الغرب. هل سيقبل هؤلاء الثمن المؤكد الذي يجب أن يدفعونه مقابلها، وهو التخلي عن الثورة لصالح الدولة، وعن القرآن والإديولوجيا لصالح السوق الرأسمالي العالمي؟
هذه الأسئلة، وربما غيرها الكثير، ستطل برأسها خلال الايام والأسابيع القليلة المقبلة، وستكون إطلالتها حادة لأن ماهو في الميزان مصيري بالفعل، وتاريخي بالفعل، وسيعيد تركيب بنية الشرق الأوسط برمتها.


سعد محيو- بيروت

الجمعة، 30 يناير، 2015

السعودية: تغييرات "استباقية" كاسحة





في 30 حزيران/يونيو، نشر موقع "اليوم، غدا" المقال ( نعيد نشره أدناه) حول مسألة "التغيير الحتمي" في المملكة السعودية، إنطلاقاً من الحقيقة بأن المجتمع السعودي شهد خلال العقود القليلة الماضية تغييرات عميقة، ترافقت مع تعدد الأجنحة والاجتهادات في صفوف أمراء الأسرة الحاكمة، ومع انقلابات حقيقية في طبيعة الإطلالة الدولية على دور المملكة الإيديولوجي والثقافي غداة أحداث 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة.
وجاء العدد الضخم من الأوامر الملكية (30 أمراً في يوم واحد) التي صدرت الخميس الماضي، ليؤكد أن هذا التغيير بدأ بالفعل من اليوم، وليس غداً أو بعد غد. لكن تغيير في أي اتجاه؟
فلنقرأ أولاً خلاصات هذه القرارات:
1-  حل الإثنا عشر هيئة حكومية التي كان الملك الراحل شكّلها للمساعدة على الإشراف على السياسات، وتشكيل مجلسين للشؤون الأمنية والسياسية بدلاً منها.
2-   إجراء تغييرات شاملة في القيادات الأمنية والسياسية والتربوية.
3-  إعفاء مدير جهاز المخابرات خالد بن مشعل  ومعه رئيس الأمن القومي بندر بن سلطان من منصبيهما.
4-  إعادة تشكيل مجلس الوزراء ، وتعيين وزراء جدد للتعليم والإعلام والزراعة، والابقاء على وزراء الخارجية والنفط والمال.
5-  إعفاء ابني الملك عبد الله، تركي ومشعل، من منصبيهما كأميري الرياض ومكة. وقبل ذلك إعفاء رئيس البلاط الملكي القوي في عهد الملك الراحل، خالد التويجري، من منصبه، وتعيين ابن الملك سلمان، محمد بن سلمان، مكانه، إضافة إلى تعيينه وزيراً للدفاع.
6-  إعفاء رئيسي وزارتي العدل والشرطة الدينية، اللذين كانا يوصفا بأنهما ليبراليين نسبيا، من منصبيهما.
من المبكر استقراء معنى هذه التغييرات الكاسحة، بالنسبة إلى موازين القوى بين أجنحة الامراء، على الرغم أنه الكفة مالت بوضوح لصالح الجناح السديري على حساب جناحي أبناء الملك عبد الله والأمير سلطان وبقية الأجنحة. ومن المبكر أيضاً التكهن بكيفية تقبّل الأمراء الذين تم استبعادهم من السلطة المباشرة لهذه الإجراءات.
لكن يمكن القول أن السرعة التي يتم فيها اتخاذ هذه الخطوات، تشي بأن النخبة السديرية الحاكمة قررت القيام بما أسماه البعض بـ"الانقلاب الاستباقي"، أو بفرض السلطة الجديدة كأمر واقع، خاصة بسبب المخاوف من أن تستغل بعض الأطراف اضطرابات الذاكرة ( Dementia) التي يعاني منها الملك سلمان للمطالبة بعزله من منصبه. وهذا قد يمنع استتباب الأمور للسلطة الراهنة.
علاوة على ذلك، تشي التغييرات في مجالات التربية والتعليم والشرطة الدينية بأن النخبة الجديدة تنوي اتخاذ موقف أكثر محافظة وتشددا على المستوى الإديولوجي، بدل المضي قدماً في إصلاحات الملك عبد الله في مجالات المرأة والتعليم والتشريع.
لكن، تنجح كل هذه الاجراءات المتلازمة في تحقيق استقرار السلطة الجديدة؟
ربما، خاصة وأنها باتت تمسك الآن بصنابير السلطة المالية الأسطورية. لكن مع ذلك، يجب القول أن ماجرى هو مغامرة تتضمن مخاطر واضحة. وهذا ما يوضح بعض جوانبه المقال أدناه:
________

ينُشر هذا المقال في موقع سويس انفو الالكتروني http://www.swissinfo.ch/arab
السعودية عادت إلى الخمسينيات.. والتغيير حتمي(30-1-2015)
سعد محيو
هل حُسِمت مسألة الخلافة السعودية، بتعيين أحد أبرز أمراء الجيل الثالث من آل سعود، محمد بن نايف، ولي ولي العهد؟
ظاهرياً، يبدو الأمر كذلك. فالسرعة التي تم فيها الإعلان عن تعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، ثم فوراً تقريباً تعيين محمد بن نايف نائباً له، أوحى بأن الملك الجديد سلمان حسم بسرعة خاطفة الجدل الكبير داخل الأسرة حول مسألة انتقال السلطة من الجيل الثاني من آل سعود إلى الجيل الثالث.
بيد أن المظاهر قد تكون خادعة في الكثير من الأحيان، خاصة في نظام كالمملكة العربية السعودية يلف نفسه وصراعاته الداخلية بسرية مطلقة. فما يجري فيها فوق السطح اليوم، لن يعكس بالضرورة ما قد يطفو من تحت هذا السطح غدا. وهذا يصح على وجه التحديد بسبب الحقيقة أن معركة الخلافة الراهنة لاتتعلق بأشخاص بعينهم، بل بفروع عائلية كاملة تتشعب من آل سعود الذي يناهز تعداد أمرائهم الـ15 ألفاً (على ما يشاع). فروع تنافست تاريخياً، ولاتزال، في مابينها بضراوة على السلطة والنفوذ والمال.
مرحلة انتقالية خطرة
بالطبع، الأولوية القصوى لكل الأجنحة السعودية هي الحفاظ على سلطة العائلة، التي تعود جذور علاقتها بالسلطة إلى القرن الثامن عشر، حين خاض مؤسسو العائلة وقادتها صراعات مدهشة في عنادها ونجحوا، بعد تدمير دولتهم مرتين على يد العثمانيين والمصريين، في إقامة دولتهم الثالثة الراهنة العام 1932.
لكن في المقابل، ليس ثمة شك بأن المرحلة الراهنة ستكون حبلى بالمشاكل والمخاطر أمام الأسرة لأسباب عديدة:
فحكم الملك سلمان (79 عاماً) سيكون حتماً قصيراً، لأنه يعاني من بعض الأمراض أخطرها العته ( Dementia)، وهو مرض عضوي في الدماغ يضرب الذاكرة ويتسبب باضطرابات جسدية- نفسية. وولي العهد مقرن (69 سنة)، أمامه عقبات واضحة في طريقه لتسنم العرش، لأنه إبن خليلة يمنية وليس زوجة للملك عبد العزيز. هذا ناهيك عن أن الملك الراحل عبد الله خرق التقليد حين عمد إلى تعيين ولي العهد، وهو قرار كان متروكاً في السابق للملك الجديد.
ثم أن تعيين الأمير محمد بن نايف، الذس ينتمي إلى الفرع السديري من العائلة كما الملك سلمان (تيمناً بالزوجة المفضلة لدى الملك عبد العزيز حصة بنت أحمد السديري) ، ولياً ويياً للعهد وبالسرعة التي تم بها، سيثير من دون شك حفيظة العديد من أمراء الجيل الثالث، بينهم الأمير خالد بن سلطان، والأمير متعب بن عبد الله، والأمير خالد الفيصل، والأمير بندر بن سلطان وغيرهم الكثير.
يقول سيمون هندرسون، الخبير بشؤون العائلة السعودية في مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى :" على رغم أن العديد من الناس يقولون أن عملية الانتقال ستكون سلسلة، إلا أن ثمة مروحة من الأسباب التي تدفع إلى الاعتقاد بأن السعودية تتجه نحو أوضاع صعبة... فالمناورات داخل العائلة الملكية ستكون كثيفة للغاية، على رغم أن الأمراء يكرهون الاعتراف بهذه الحقيقة".
لكن، إذا مانحينا جانباً بشكل مؤقت، لأغراض التحليل،  الطبيعة البشرية التي تدفع الأخوة والأقارب إلى تناحر، قد يكون دموياً أحياناً، على السلطة، منذ بدء التاريخ البشري (قابيل وهابيل نموذجا)، ما العوامل الجديدة الآن التي تجعل الصراعات أكثر خطورة؟
هنا، التاريخ الحديث قد يضيء طريقنا قليلا.
في الخمسينيات من القرن الماضي، شهدت المنطقة العربية صعود نجم الحركة القومية العربية التي نادت بالحداثة والوحدة والتحرير، وأطلقت تيارات عاطفية ضخمة في المنطقة تجسدت بالتفاؤل بإمكانية إعادة بناء الحضارة العربية الإسلامية الباهرة. هذا التطور سرعان ما اجتاح مملكة السعوديين الذين كان ملكهم سعود، الذي حل مكان والده عبد العزيز المتوفي العام 1953، غارقاً في لجج الفساد ورافضاً بناء مؤسسات الدولة بما يتلاءم مع معطيات العصر.
هذه الحقبة أفرزت حركتين داخل الأسرة: الأولى تكوّنت من "الأمراء الأحرار"،على  رأسهم الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي تعاطفوا مع الحركة القومية (في شقها الناصري) ودعوا إلى تحويل الدولة إلى مملكة دستورية. والحركة الثانية قادها الأمير السُديري فهد بن عبد العزيز، وطالبت بتنحي الملك سعود وتعيين الأمير فيصل مكانه كي يقوم بالاصلاحات الضرورية، وفي الوقت نفسه إحهاض حركة الأمراء الأحرار.
بقية تاريخ هذا التطور معروفة. لكن مايهمنا هنا هو أن الامراء الأحرار، كما الأمراء الأصلاحيين، لم يتحركوا في الواقع إنطلاقاً من معطيات عاطفية أو شعورية وحسب، بل كان هناك أيضاً تقاطع مصالح واضح بين استبعادهم عن السلطة وبين استخدامهم الإيديولوجيا الجديدة في المنطقة لصالح تحقيق أهدافهم الذاتية.
الخمسينيات مجددا
واقعة الخمسينيات هذه يمكن أن تتكرر الآن بحذافيرها في الهزيع الاول من القرن الحادي والعشرين. فالمنطقة تمر حالياً في تمخضات قد تكون أخطر بكثير حتى من تطورات الخمسينيات، حيث يجد الإسلام السعودي، الذي شكّل درعاً واقياً قوياً  في السابق ضد الموجة القومية والناصرية، نفسه في أحرج المواقف:
فهو مضطر، بسبب الضغوط الدولية غداة أحداث 11 سبتمبر في أميركا، إلى إشهار الحرب على الجهاديين في المنطقة (النصرة، داعش، السلفيين المتطرفين.. ألخ) الذين ينتمون إلى الجذور الوهابية نفسها للإسلام السعودي. لكنه في المقابل يجد صعوبة فائقة في مواجهة أصول هذه الجذور في الداخل المتمثلة في المؤسسة الدينية الوهابية المحافظة التي تنشر المباديء الداعشية والنصروية نفسها.
وفي المقابل، لم يستطع الإسلام السعودي التعايش مع فكرة وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وبقية الدول العربية، لأنه اعتبر أن مشروع الإسلام السياسي الخاص بهذه الجماعة يذهب بعيدا في عملية تزويج الإسلام إلى الديمقراطية (على حساب مبدـأ "إطاعة أولي الأمر"). وهذه مسألة لم تستطع بعض أجنحة الأسرة المتصلبة ابتلاعها.
الحل الذي خرجت به النخبة الحاكمة لهذا التخبط، إضافة إلى نثر عشرات مليارات الدولارات في الداخل والخارج لشراء الولاء، كان إعلان "الجهاد على الجهاديين" في الخارج، والقيام ببعض الاصلاحات في الداخل (مجلس الشورى، توسيع دور المرأة، تعديل مناهج التعليم.. ألخ). لكنها إصلاحات لم تمس في الواقع شعرة واحدة من نفوذ السلطة الدينية الوهابية.
بيد أن هذا الحل سيُثبت أنه مؤقت من بعض الأوجه، وخطر من كل الأوجه: فهو لن يرضي القوى الدولية التي عاد الإرهاب الأصولي يطرق أبوابها مجدداً وسيدفعها إلى استئناف الضغوط على المملكة لضرب جذوره الفكرية والتربوية في مؤسساتها. وهو سيغضب بعض الشباب السعودي الذي يرى التناقض واضحاً بين تربيته الوهابية وبين دعوته إلى مقاتلة أشباهه في المذهب من داعشيين وجهاديين. وهذه المعضلة، بالمناسبة، هي التي خلقت في ظروف مشابهة أزمة الهوية الطاحنة لدى أسامة بن لادن، وحوّلته من رجل أعمال "دنيوي" ينتمي إلى الدولة السعودية، إلى رجل حروب غوار "آخروي" يقاتل باسم "الثورة الوهابية".
إلى أين؟
الآن، إذا ما كانت المعضلة في المرحلة الانتقالية الراهنة في السعودية على هذا القدر من التعقيد، فإلى أين من هنا؟
العديد من المراقبين يعتقدون أن الأمر بات يحتاج إلى تيارات تغيير شبيهة بثورة الأمراء الأحرار أو الانتفاضة الاصلاحية الفيصلية. لكن هذه المرة في شكل يؤدي إلى الاخضاع التام لـ"الثورة الوهابية" إلى سلطة الدولة الوطنية والهوية الوطنية (كما يحدث الآن في مصر- السيسي).
بيد أن هذا الأمر يحتاج إلى أمرين متلازمين كي يتحقق: الأول، حفز وتشجيع الأمراء الإصلاحيين الجدد على توضيح مواقفهم علنا، من خلال بروز إئتلاف من قوى مجتمع مدني  تتكوّن من عشرات آلاف الطلاب الذين تعملوا في الغرب، ومن العناصر النسوية ومئات آلاف العاطلين عن العمل والهيئات المطالبة بالاصلاحات الدستورية. والثاني، انحياز كيانات قَبَلية وعشائرية ذات وزن إلى تيار الأمراء الإصلاحيين.
هذان الامران لايبدوان في الأفق الآن. لكن بروزهما يبدو حتمياً في وقت غير بعيد، بسبب المخاطر غير المسبوقة التي تتعرض إليها الأسرة السعودية في الداخل والخارج على الصعد كافة الاستراتيجية والفكرية والثقافية والديمغرافية (طفرة الشباب الضخمة).
في الوقت الراهن، ستكون الاستمرارية هي الشعار في الداخل وربما أيضاً في الخارج على صعيد "حرب النفط " مع إيران (وروسيا) ودعم مصر السيسي والمعارضة السورية، ومجابهة مخاطر النفوذ الإيراني في اليمن والعراق، وأخطار صعود داعش. لكن تقاطع معركة الأجيال داخل الأسرة مع المعارك الإديولوجية والإقليمية الضخمة، إضافة إلى التغيرات الهائلة في المجتمع السعودي، ستجعل مثل هذه الاستمرارية مجرد سحابة صيف عابرة.
وقديماً قال ابن خلدون: "إذا ماتبدّلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره و كأنه خلق جديد ".
                                    _______________________________