للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الاثنين، 23 يونيو، 2014

ندوة مصر في مركز الإمارات للسياسات: "انفجار" لم يقع.. وتوقُّع انفجارات لاحقة


أبو ظبي- سعد محيو

لم يكن ثمة شيء يوحي بأن الحوار بين المصريين والخليجيين، خاصة في ضوء التقارب التحالفي الوثيق بين الطرفين راهنا، يمكن أن يصل إلى درجة الانفجار.
لكن هذا ماحدث بالفعل، أو بالاحرى تراقص على شفير هذا الحدث، في ندوة النقاشات المغلقة التي عقدها مركز الإمارات للدراسات في أبوظبي يومي 15 و16 يونيو/حزيران الحالي بعنوان "مصر: الواقع الراهن واستشراف التحولات المستقبلية". وقد تضمنت هذه الندوة مروحة واسعة من المحاور شملت تحولات المشهد السياسي المصري، وأولويات النظام السياسي الحالي، وسيناريوهات المستقبل بين المصالحة والعنف، وآفاق الأزمة الاقتصادية المصرية، والمجتمع المدني والملف الديني، وأخيرا السياسات الخارجية المصرية التي خُصِصَت فيها الجلسة الأخيرة لآفاق العلاقات المصرية- الخليجية.
في هذه الجلسة الأخيرة بالتحديد، برزت الفقاعات الأولى لاحتمال "الانفجار". فقد انبرى بعض المشاركين الخليجيين إلى طرح تساؤلات موضوعية حول"ماذا تريد مصر حقاُ من دول الخليج"، بيد أن هذه التساؤلات صيغت بأسلوب بدا استفزازيا بشكل حاد للمصريين. لا بل وصل الأمر بأحد الباحثين الخليجيين إلى حد مطالبة السيسي بـ"تقديم أوراق أعتماده لديهم". وهذا أشعل بعض ردود الفعل المصرية الحادة، وإن بذل بعض الموفدين المصريين جهوداً لاستيعاب التوتر، قائلين أن المقصود هنا هو أن يقدم السيسي خطة وبرنامج عمل واضحين حول مستقبل العلاقات بين الطرفين.
بيد أن أجواء التشنج استمرت، ولم تبدأ بالانحسار إلا بعد تدخل ضيفة الندوة وزيرة الدولة لشؤون الإعلام البحرينية سميرة رجب، التي شددت على "دور مصر الكبير في حماية الهوية والانتماء العروبيين"، ثم تدخل مديرة مركز الإمارات للسياسات د. ابتسام الكتبي التي أفاضت في الحديث العاطفي عن مصر ودورها الثقافي والاستراتيجي في المنطقة.
أسباب هذا "الانفجار" لم تكن واضحة تماما، خاصة وأن "شهر العسل" بين "الجمهورية الثالثة" المصرية التي عاد أمر تأسيسها إلى كنف المؤسسة العسكرية المصرية وبين حكومات الخليج  لايزال في بداياته الأولى، وهو يتمثّل بالدعم المالي الخليجي الكثيف لمصر في مقابل إعلان التزام القاهرة بدعم أمن المنطقة واستقرارها.
الأرجح أن "سوء التفاهم" أو التواصل بين المصريين والخليجيين له سببان مترابطان:
الأول، الغياب، أو التغييب، الكامل  لأسس استراتيجية الأمن القومي العربي المشترك؛ تلك الاستراتيجية التي بُنِي فوقها طيلة زهاء نصف قرن (منذ الخمسينيات وحتى أوائل القرن الحادي والعشرين) صرح النظام الإقليمي العربي، قبل أن يبدأ هذا النظام بالتآكل بالتدريج منذ الغزو العراقي للكويت ثم مع الاحتلال الاميركي للعراق.
والثاني، أن مصر ودول الخليج معاً غارقة حتى أذنيها في مواجهة تحديات داخلية جسيمة تصل في بعض الدول إلى درجة التهديد الوجودي للكيان. وهذا مايطلي إلى حد بعيد طبيعة إطلالتها على السياسات الخارجية بلون الحذر والشك حتى من أقرب الحلفاء، وينطب أكثر ما يصح على بعض الاوضاع الخليجية الراهنة(في الكويت مثلا).
مصير الإخوان
بيد أن كل هذه التشنجات لم تؤثر على محصلات هذه الندوة، وهي الثالثة التي يقيمها مركز الإمارات حديث العهد بعد ندوتي إيران وتركيا، والتي غلبت عليها النقاشات المكثفة حول دور جماعة الإخوان المسلمين ومستقبل دورهم في السياسات المصرية.
هنا كان ثمة أقلية في الندوة تدعو إلى فتح الأبواب والنوافذ أمام فرص المصالحة بين الدولة
(وليس فقط النظام) وبين الإخوان، فيما الأغلبية الكاسحة في الوفد المصري كانت تتخذ مواقف حادة ضد أي حوار مع الإخوان، كجماعة ومؤسسة سياسية.
منطق الأقلية كان معروفاً سلفا: الأخوان ارتكبوا في السلطة أخطاء فادحة استعدت عليهم قطاعات واسعة في الدولة والمجتمع، لكن الحل لايكون بالقمع والعنف الذي خبرته الجماعة طيلة 80 عاماً ونجحت في التأقلم معه والبقاء على قيد الحياة، بل في تشجيع العناصر المعتدلة في داخلها على إعادة النظر في تجربتها وبث الروح مجددا في شعارها الشهير "المشاركة لا المغالبة". وما لم يتحقق ذلك، فقد تسير مصر برأيها في تجاه "الجزأرة" (من الجزائر) أو حتى نحو ثورة دينية على النمط الأيراني.
أما الأغلبية فقد كانت ترسم صورة أولا قاتمة عن أهداف الإخوان، ثم ثانياً عن رؤيتها  لطبيعة الحل معهم.
فقد أعاد أنصار هذا الرأي إلى الأذهان "حالة العداء الدائمة بين الإخوان وبين الدولة المصرية منذ أيام العهد الملكي وحتى الآن"، مشددين على أن المشكلة تكمن في مواصلة تبعية الجماعة إلى تنظيمها الدولي الذي يرفض الأنتماء الوطني المصري، وبالتالي يرفض الدولة المصرية، ويعتبر الكيان المصري "مجرد عقار في أوقاف الأمة الإسلامية".
ويضيف هؤلاء أن الجماعة الآن تتكون من أربعة مجموعات: الكوادر التي تم اعتقالها وأودعت السجون (ويتراوح عددها بين 15 إلى 20 ألفا)، وعناصر الجماعة الموجودة في الخارح، والقيادات السرية في الداخل، والكوادر الطلابية الدافعة في اتجاه العنف. ويدّعي أنصار هذا الرأي أن ثمة أكاديميين في صفوف الإخوان يعملون الآن على "تعبئة المجتمع تمهيداً لثورة جديدة". وهذا، برأيهم، ما عبّرت عنه وثيقة أخيرة للجماعة بعنوان "وثيقة القاهرة" التي دعت إلى مواجهة ثورة 30 يونيو بثورة 25 يناير.
وقال أحد المؤتمرين أن الإخوان ربما يتقدمون قريباً بمبادرة سياسية جديدة، لكنها لن تكون موجهة إلى الرئيس السيسي بل إلى مؤسسة الجيش، لأنهم لم يتخلوا بعد عن تمسكهم بمحمد مرسي  كرئيس للبلاد. هذا في حين أن السيسي كان أبلغ وفداً من مجلس العموم البريطاني مؤخراً أنه مستعد للمصالحة مع الأخوان كأفراد، لكنه يرفض التعاطي معهم كجماعة لأنه يعتبر هذه الأخيرة "تنظيماً إرهابيا". هذا علاوة على أن الجيش والأجهزة الأمنية يقفون بـ"الاجماع" ضد الإخوان.
أما السيناريوهات التي اقترحها هؤلاء حول مآل العلاقات مع الإخوان، فهي تندرج في أحد سيناريوهين إثنين:
1- سيناريو المواجهة المفتوحة والشاملة، وربط الصراع مع الإخوان في مصر بالمعركة الإقليمية مع الإرهاب ككل في الشرق الأوسط.
2- قيام الجماعة بإعادة النظر باستراتيجيتهم وتكتيكاتهم، وصولاً إلى تخليهم عن برنامج التنظيم الدولي وبالتالي "تمصُّرهم"، ثم إبرام مصالحة مع النظام بمساعدة طرف ثالث.
كل أصحاب هذا الرأي أجمعوا على القول أن اليد العليا ستكون للخيار الأول، أي للصدام العنيف، إلى أن يشعر أحد الطرفين بالتعب والإرهاق. والأرجح برأيهم أن يكون الطرف الذي سيصرخ اولاً هم الإخوان وليس النظام، بسبب اختلال موازين القوى بشدة لصالح هذا الأخير.
لابل وصل الأمر ببعض أحد أنصار هذا الرأي، وهو من قادرة الإخوان السابقين، إلى حد قول أن 50 ألفاً من جماعة الإخوان استقالوا من التنظيم ولزموا منازلهم، وأن الجماعة نفسها "ستنهار خلال أسابيع قليلة".
بالطبع، لم يحظ هذا الرأي بحماسة حتى من تيار خصوم الإخوان، الذين أعادوا إلى الأذهان أن الجماعة نجحت في البقاء، وإن تحت الأرض، على مدى ثمانية عقود، وأن الحل الأمني وحده لن يكون كافياً البتة، بل يجب أن يترافق ليس فقط مع حلول سياسية بل أولاً وأساساً مع تجديد الخطاب الديني.
مستقبل النظام
أما بالنسبة إلى مستقبل النظام السياسي المصري الجديد، فقد أجمعت الآراء تقريباً على القول أن النجاح أو الفشل سيرتبطان في الدرجة الأولى بقدرة النظام على تحقيق إقلاع إقتصادي - اجتماعي، من خلال إعادة بث الروح في القطاعات الأنتاجية (الصناعة، الزراعة، والتكنولوجيا) القادرة وحدها على توفير العمل لنحو مليون شاب مصري ينضمون سنوياً إلى سوق العمل. بيد أن مثل هذا الإقلاع لن يكون ممكناً ما يتم استئصال شأفة الفساد المستشري في أجهزة الدولة، والذي يمتص نسباً مرتفعة من المداخيل وفرص النمو. وهذه لن تكون مهمة سهلة بالنسبة إلى النظام، لأن معظم الستة ملايين موظف رسمي في قطاعات الدولة (أو مايسميه بعض المحللين المصريين "إقطاعات الدولة")، كانوا من أبرز داعمي هذا النظام السياسيين والانتخابيين.
* * *
ندوة مصر مرّت، إذا بسلام. لكنها في الوقت نفسه أطلقت أكثر من صفارة إنذار، سواء من ناحية ضرورة التدقيق في طبيعة التحالف الخليجي- المصري الجديد، أو من حيث مآل العلاقة بين النظام المصري وبين جماعة الإخوان.
وهذه الصفارات بالذات هي في الواقع التي أسبغت هذا النجاح على ندوة مركز الإمارات للسياسات. لماذا؟ لأن هذا بالتحديد هو الدور الدقيق لمراكز الأبحاث: إطلاق الحوار الحر من كل عقال، حتى ولو اقتصر الأمر على الاتفاق حول الاختلاف.



الخميس، 12 يونيو، 2014

هل يُنهي هجوم داعش عهد المالكي؟



(ينشر هذا المقال في "سويس إنفو")
أسئلة كثيفة أطلقتها التطورات الضخمة المتلاحقة في العراق:
- كيف ولماذا انهارت وحدات القوات المسلحة العراقية (الجيش وقوى وأجهزة الأمن) على هذا النحو السريع والمدهش في الموصل؟
- كيف تسنى لتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) أن يتحوّل خلال فترة قصيرة من تنظيم يعتمد أساساً حرب الغوار، إلى تشكيل عسكري أشبه بالجيوش التي تعمل أساساً على احتلال الأراضي والسيطرة عليها؟ وما الأهداف التالية للتنظيم، وهل بغداد من ضمنها؟
- مامضاعفات هذه الأحداث المتلاحقة على مواقع كل من رئيس الوزراء نوري المالكي والجيش العراقي والموازين السياسية العامة في البلاد بين السنّة والشيعة وفي داخل البيت الشيعي السياسي نفسه؟
- وأخيراً، ما تأثير هذه التطورات على القوى الإقليمية المعنية بالأزمة العراقية، خاصة إيران التي تتمتع (أو كانت تتمتع قبل الأحداث الأخيرة) بالنفوذ الأقوى والأول في بلاد الرافدين؟
لنبدأ مع مسألة الجيش العراقي.

لماذا الانهيار؟
يُجمع معظم المحللين الغربيين والشرقيين على حد سواء، على أن انهيار وحدات الجيش العراقي في مدينة الموصل، حيث تخلى آلاف الجنود والضباط عن أسلحتهم وعتادهم وحتى زيّهم العسكري لمجرد انتشار الشائعات بأن مقاتلي داعش يقتربون من المدينة، كان مدهشاً لكنه لم يكن مفاجئا.
لماذا؟
لأن معظم وحدات هذا الجيش الذي يناهز تعداده (مع قوى الأمن الأخرى) المليون عسكري والذي أنفق الأميركيون زهاء 15 مليار دولار على بنائه وتدريبه، أقرب إلى الميليشيا منه إلى الجيش النظامي. فعناصره إما جاءت إليه من ميليشيات شيعية تشكّلت مع بداية الغزو الاميركي العام ،2003 أو من شبان عاطلين عن العمل مهتمين أصلاً بالحصول على راتب ثابت ويفتقدون إلى أي انتماء وطني عراقي عام. والتالي، ماتهتم به هذه العناصر ليس كسب المعارك بل الحصول على المغانم والمكاسب.
يقول أحمد العطار، من مؤسسة دلما للأبحاث في أبوظبي:" الجيش العراقي يمثِّل في الواقع ميليشيا سيئة القيادة، ويهتم أكثر بحماية مصالحه الخاصة كمنظمة وليس بالقتال من أجل فكرة مجردة هي العراق".
ويضيف فنار حداد، وهو باحث في شؤون الشرق الأوسط في الجامعة الوطنية في سنغافورة:" الأميركيون ركَّزوا (في عملية بناء الجيش العراقي) على الكمية لا النوعية، وعلى التدريبات العاجلة وغير المناسبة إلى حد كبير، ما ترك المجندين من دون انضباط ونظام، وجعلهم عُرضة إلى الذعر بسرعة، إضافة إلى التهرُّب الدائم من الخدمة العسكرية".
وقد فاقم المالكي كل هذه المشاكل بلجوئه إلى تغيير قادة الجيش باستمرار، ربما خوفاً من قيامهم بانقلاب عسكري، وأيضاً لأنه أمضى الشهور الماضية وهو يضخم من خطر داعش بهدف تعبئة أصوات انتخابية شيعية، ما جعل الجنود في حالة ترقب وقلق سرعان ما تحوّلا إلى ذعر وهرب مع اقتراب مقاتلي داعش من الموصل والمدن الأخرى.
والآن، وبعد معركة الموصل، التي وصفها المحللون العراقيون بأنه "فضيحة"، سيكون السباق واضحاً بين المالكي، بوصفه قائداً أعلى للقوات المسلحة ووزيراً للدفاع والداخلية، وبين قادة الجيش على إنحاء اللائمة على بعضهم البعض: الاول من خلال اتهام الضباط بالاهمال والوهن والعمل (كالعادة) على عزل بعضهم ومحاكمتهم، والضباط ربما عبر تحرك ما ضد المالكي نفسه. هذا بالطبع إضافة إلى تحرّك القادة الشيعة المناوئين للمالكي ضده، وإن لاحقاً بعد جلاء الصورة العسكرية.في كل من الموصل وبغداد.
بيد أن الخطر الأساسي بالطبع هو أن تؤدي الصراعات الداخلية إلى تكريس تحوّل العراق إلى "دولة فاشلة" أخرى في الشرق الأوسط بعد الدول الفاشلة في سورية وليبيا واليمن.
نشوء داعش
هذا عن الجيش. أما بالنسبة إلى السؤال عن داعش، فالأمر قد يتطلب بعض التفاصيل التاريخية أولا.
تأسس هذا التنظيم في أوائل الحرب العراقية باسم "جماعة التوحيد والجهاد"، وأعلن ولاءه للقاعدة وأسامة بن لادن العام 2004. وقد تكوّن من العديد من الفصائل المسلحة الصغيرة في العراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، الذي عمد لاحقاً إلى تغيير اسم مجموعته ليصبح "تنظيم قيادة الجهاد في بلاد الرافدين" أو، كما عُرِف في الإعلام، "القاعدة في العراق". وفي كانون الثاني/يناير العام 2006، اندمج هذا التنظيم مع مجموعات عدة أصغر وشكل معها مجلس شورى المجاهدين، ثم أعلن هذا التنظيم في تشرين الأول/أوكتوبر 2006 عن تأسيس "الدولة الإسلامية في العراق" التي تسعى إلى بسط سيطرتها على بغداد والأنبار وديالا وصلاح الدين ونينوى وأجزاء من بابل. وبعد توسعه في سورية العالم 2013، تغيّر الاسم مرة أخرى ليصبح الاسم الحالي: الدولة الإسلامية في العراق والشام، التي أدعت سيطرتها على 16 "ولاية" في العراق وسورية.
أما أهداف داعش الاستراتيجية، علاوة على إقامة دولة إسلامية في العراق وسورية ولبنان (أساساً في المناطق السنيّة من هذه الدول التي يطلق عليها اسم "بادية الشام" الممتدة من صحراء النفوذ في شمال شبه الجزيرة العربية إلى الفرات )، فهو إعادة  الخلافة الإسلامية، وانهاء تقسيمات سايكس بيكو الفرنسية- البريطانية التي قسمت المشرق العربي في أوائل القرن العشرين إلى الدول الراهنة، وفرض صيغة متشددة للغاية من الشريعة تقترب من صيغة طالبان الأفغانية.
خطط داعش
على الصعيد العملاني، توضح "مؤسسة دراسات الحرب" الغربية الخطط العسكرية الراهنة لداعش على النحو الآتي:
- الهجوم على الموصل هو جزء من حملة شاملة في كل منطقة الشمال العراقية بدأت معالمها تتضح في العام 2013 حين هاجمت داعش منطقتي أبو غريب وزيدان غرب بغداد.
- العمليات حول مدينة سامراء ستكون مؤشراً مهماً للغاية حول الأهداف النهائية لداعش. فإذا ما أرادت مواصلة هجومها الخاطف للوصول إلى بغداد، فسيكون عليها تجاوز سامراء للحفاظ على زخم الهجوم.  لكن سامراء مهمة بحد ذاتها، لأن داعش نجحت العام 2006 في إشعال أتون الحرب الأهلية السنّية- الشيعية انطلاقا منها حين دمّرت ضريح الإمام العسكري، ولأنه يعتقد أن هناك قوات إيرانية ترابط قرب الضريح.
- يبدو واضحاً أن داعش، التي يُقال أنها تتضمن أكثر من 15 ألف مقاتل من العراق والعديد من دول العالم ويبلغ دخلها الشهري 50 مليون دولار من الخوات وبيع نفط دير الزور والتبرعات (أساساً من أفراد خليجيين)، لديها قيادة ميدانية منظّمة وقادرة على التخطيط الدقيق، وأسلحة يتفوق بعضها تقنياً على أسلحة الجيش العراقي (مثل الصواريخ الأوكرانية المضادة للدبابات، والتي لاتباع في السوق السوداء).
- لم يسبق لداعش أن شنّت قبل الآن مثل هذا الهجوم الكاسح، والناجح، في العراق. ولذلك يُحتمل أن يسقط التنظيم ضحية التمدد الاستراتيجي الزائد إذا ماواصل هجماته، الأمر الذي سيجعله عرضة إلى هجمات مضادة سريعة، أو  حتى إلى تمردات في المناطق التي سيطر عليها. هذا ناهيك عن أنه من المشكوك به أن تتمكن داعش من مواصلة السيطرة على الموصل، التي هي ثاني أكبر مدينة في العراق بتعداد مليوني نسمة (نزح منهم حتى الآن نحو نصف مليون)، أو على بعض أحياء بغداد.
معضلة إيران
نأتي الآن إلى المضاعفات الإقليمية.
ضربة الموصل دقّت أجراس الإنذار في كل الشرق الأوسط والعالم: من أنقرة وظهران ودمشق إلى واشنطن وبروكسل. لكن صوت الأجراس كان يصم الآذان في إيران التي سارعت إلى حشد قواتها على الحدود العراقية، وبدت متأهبة للتدخل لانقاذ النظام المدعوم شيعياً في بغداد.
بيد أن أي تدخل إيراني كثيف في العراق سيكون كارثة محققة لإيران، التي تعاني الآن من استنزاف مالي واقتصادي مريع في سورية بسبب تمويلها الكامل لحرب النظام السوري بمبالغ بات مؤكداً أنها تتراوح بين 15 إلى 20 مليار دولار سنويا. والآن، إذا ماتطلبت "معركة العراق"، التي هي أكثر أهمية بكثير من معركة سورية بالنسبة إلى طهران، أموالاً أخرى فإن الاستنزاف الإيراني سيتحوّل إلى عاصفة كاملة ومطلقة من المستبعد أن يستطيع الاقتصاد الإيراني المنهك تحملها.
ولعل هذه الحقيقة ترسم الآن على شفاه المسؤولين السعوديين ابتسامة رضى، وهم يرون خصومهم الفرس يغرقون في مستقع تلو الآخر في المشرق العربي. وهي (بالمناسبة) ابتسامة قد تلقي بعض الأضواء على الابعاد الإقليمية بعيدة المدى لهذه التطورات الدراماتيكية في بلاد العباسيين.
* * *
إلى أين الآن من هنا؟
انتصار داعش ليس وارداً، ولا مسموح به. لكن هذا التنظيم قد ينجح حتى ولو فشل هجومه الحالي، إذا ماتمكّن من إعادة إشعال الحرب الأهلية في العراق. وهو احتمال وارد بعد أن أدت سياسات المالكي الاقصائية إلى وضع تحويل المناطق السنّية العراقية إلى بيئة حاضنة، أو على الأقل قابلة تكتيكيا، لوجود داعش بين ظهرانيها.
وهذا أمر كان واضحاً في الموصل وتكريت، حين وافق "جيش الطريقة النقشبندية" الذي يقوده القائد البعثي عزة الدوري على خوض المعارك بشكل مشترك مع داعش، وحين لم تحرّك العشائر السنّية، التي سبق لها أن طردت القاعدة من مناطقها، حين دخلت داعش هذه المناطق الآن.
وبالتالي، أي مشروع حل للأزمة الطاحنة الراهنة لايتضمن إنهاء سياسات المالكي الإقصائية وإبرام عقد تاريخي- اجتماعي وطني جديد بين مكونات الشعب العراقي، سيكون هدية ممتازة لحرب داعش ومشروعها في كل المشرق العربي المتفجِّر.

سعد محيو- بيروت





الثلاثاء، 10 يونيو، 2014

السيسي رئيسا: شروط النجاح، أو الفشل؟


- I -
لا أحد على الأرجح داخل مصر وخارجها يدرك فداحة المسؤوليات الملقاة على عاتق الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي، أكثر من عبد الفتاح السيسي نفسه.

وهذه الواقعة كانت واضحة في خطاب قسم اليمين الذي، وعلى رغم أنه جاء بمثابة برنامج عمل كاملاً وشاملاً لكل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسات الخارجية، إلا أنه تضمن أيضاَ غير إشارة حول إدراك السيسي بأنه يخوض بالفعل مغامرة كبرى (محلية وخارجية) ليس في وسع أحد التنبؤ من الآن بمآلها.
أهم هذه الإشارات:" لم أسع يوماً وراء منصب سياسي، وأنا استخرت الله متوكلاً عليه (أي بعد تردد كبير حيال الترشح) وحزمت أمري منحازاً إلى إرادة الشعب"؛ و"اتفقنا (الرئيس والشعب) أن نبقى واضحين وعلى تواصل مستمر للاطلاع على حقيقة الأوضاع"(أي على حقيقة الأزمات الكبرى التي تغشى مصر)؛ و"أعينوني بقوة لبناء وطننا الذي نحلم به، واعلموا أن سفينة الوطن واحدة، أن نجت نجونا جميعا".(أي: إما العمل المشترك للانقاذ، أو الغرق المشترك للجميع).
والآن، وقد أصبح المشير السيسي رئيساً مدنياً رسمياً، سيكون وجهاً لوجه أمام جملة قضايا وأولويات مدوّخة في مدى تناقضاتها وصعوباتها، إلى درجة لن يحسده فيها إنسان قط على تسنمه عرش مصر:
- فهو يريد أن يبني اقتصاداً منتجاً يعيد الاعتبار إلى دور الانتاج في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا لأنها الطريقة الوحيدة لتوفير فرص العمل لنحو مليون شاب مصري ينضمون سنوياً إلى سوق العمل. هذا في حين أن الهيكلية الاقتصادية والطبقية التي ترسخت طيلة نيف و40 عاماً، تستند إلى طبقة رجال أعمال جدد راكموا الثروات الطائلة من قطاع الخدمات على أنواعها إلى المضاربات العقارية والمالية. وخطورة هذه الطبقة أنها تحظى بدعم قوى العولمة النيوليبرالية وإسرائيل.
وهو يسعى إلى "شن حرب لاهوادة فيها على الفساد في الدولة"، على حد تعبيره. لكنه سيكون مضطراً في الوقت نفسه ألا يستعدي زهاء 6 ملايين موظف رسمي لعبوا دوراً كبيراً في توفير جزء وافر من قاعدته الشعبية والانتخابية، ويتوزعون على "إقطاعات" في الدولة تتنازع في ما بينها مغانم سلطة الفساد.
- وسيواجه الرئيس السيسي معضلة الترابط الوثيق بين الاستقرار الأمني والسياسي وبين النمو والتنمية الاقتصادي، خاصة في قطاع الخدمات الذي يتأثر بشدة بأي توترات أمنية. وهذا قد يخلق اضطراباً في الأولويات يسفر عن إعاقة كل مشاريع التطوير والنهوض. كما أنه قد يستنفر ضده، في حال تعثر برامج النهوض، ما أسماه زبغنيو بريجنسكي "يقظة الشارع السياسي" في العالم. وهو أمر أشار إليه الرئيس المصري نفسه حين قال مخاطباً المصريين:" لقد برهنتم أن قدرتكم لن تتوقف عن إسقاط أنظمة مستبدة أو فاشلة".
- ثم أن الرئيس السيسي يجب أن يجد حلاً لمشكلة جماعة الإخوان المسلمين كمدخل لابد منه لتحقيق استقرار سياسي بعيد المدى، وللتفرغ لتصفية موجة التطرف الأصولي المنتشرة في سيناء على نطاق واسع، سواء جاء هذا الحل بالترهيب أو الترغيب أو بالعمل على تقسيم تنظيم الجماعة بين معتدلين ومتطرفين.
- وسيكون على الرئيس الجديد أن يقنع الإدارة الأميركية بأن مشروعه، وليس مشروع الإسلام السياسي، هو القادر على مقارعة "الإرهاب الإسلامي". هذا في وقت يبدو فيه أن واشنطن لاتزال تعتقد أن للإخوان دوراً هاماً في هذا المجال على رغم إطاحتهم الطائشة لفرصة الحكم التي منحتهم إياها.
- وأخيرا، ستيعيَّن على الرئيس الجديد أن يمارس لعبة توازن دقيقة وصعبة في المجالين الدولي والإقليمي. إذ سيكون عليه مواصلة التقارب مع روسيا (والصين) من دون إثارة مخاوف الولايات المتحدة أو ريبتها. وهذا بات يبدو الآن أمراً صعباً، بعد أن أصبح الصدام واضحاً في أوكرانيا بين روسيا مصممة على إعادة بناء الاتحاد السوفييتي السابق (في صيغة الاتحاد الأوراسي) وبين أميركا ترفض بقوة عودة نفوذ روسيا إلى سابق عهده من خلال نسفها تريبات مابعد الحرب الباردة.
والأمر نفسه سينطبق على المجال الإقليمي، حيث سيكون أيضاً على السيسي، في ضوء التحالف الكبير الذي نشأ مؤخراً بينه وبين دول الخليج العربية، لعب دور الموازن للقوة الإيرانية في المنطقة تحت شعار حماية الأمن القومي العربي، لكن من دون الوصول إلى نقطة الصدام مع دولة الخميني وقورش كما فعل صدام حسين. ولعل موقف السيسي من الصراع في سورية ولبنان سيكشف عما قريب عن طبيعة لعبة التوازن هذه ومداها.
- II -
هذه، إذاً، بعض العقبات الكأداء التي ستعترض سبيل ثنائية الاستقرار - النهضة التي يسعى السيسي إلى تحقيقها، والتي كانت أصلاً هي مبرر صعود شعبيته الكاسحة. فهل سيكون في مقدوره مجابهتها؟
في خطاب القسم، نستطيع (كما أشرنا أعلاه) تلمُّس خطط عمل شاملة قد تساعد السيسي في  ركوب ظهر النمر الجامح.
فهو اعترف بوجود أزمات اقتصادية واجتماعية أمنية طاحنة، وبتفاقم الاستقطاب الديني الحاد بين المسلمين والمسيحيين وبين أبناء الدين الواحد من خلال دعاوى التكفير، لكنه وعد بإعادة الهيبة إلى الدولة المصرية وتوفير الأمن كأولوية قصوى وكمدخل لـ"تنمية شاملة".
وهو قال أن مصر ستكون مقبلة على مرحلة التنمية الصناعية والزراعة "اللذين هما جناحا التنمية الاقتصادية وعصب الاقتصاد والسبيل إلى خلق فرص العمل وتشغيل الشباب"، كما قال. وفي الوقت نفسه العمل على محورين: تدشين المشاريع المشروعات الوطنية العملاقة (تنمية قناة السويس والطاقتين النووية والشمسية) والمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تخدم المناطق المهملة والأكثر فقرا.
التنمية الانتاجية هذه يجب أن تترافق برأيه مع تنمية اجتماعية - ثقافية، تتضمن من ضمن ماتتضمن "تجديد الخطاب الديني" وبث الروح في القيم الأخلاقية المصرية والإسلامية.
وكان ملفتاً في هذه الإطار أن يشدد السيسي، في سياق حديثه عن تطوير مؤسسات الدولة المصرية، على أن "مواجهة الفساد بكل أشكاله ستكون شاملة، ولن يكون هناك ليس فقط لاتهاون مع الفاسدين بل أيضاً لارحمة مع أي من يثبت تورطه في أي قضية فساد مهما كان حجمها".
كما كان ملفتاً أن يحدد السيسي الهوية المصرية كالتالي:" مصر فرعونية ميلاداً وحضارة، وعربية لغة وثقافة، وإفريقية جذوراً ووجودا، ومتوسطية طابعاً وروحا". وهذا، كما هو واضح، تحديد يقفز فوق كل تجاذبات الهوية بين الأطراف الإسلامية والعلمانية والدينية المتنازعة على طبيعة هوية مصر. الوطنية المصرية هنا هي الأساس، ومفهوم المواطنة "سيكون هو المبدأ الحاكم، فلا فرق بين مواطن وآخر في الحقوق والواجبات ولا في قناعاته السياسية طالما أنها سلمية".
الإشارات في الخطاب حول مشكلة الإخوان كانت جلية. فالرئيس المصري رفع شعار "التصالح والتسامح من أجل الوطن بين كل أبناء الوطن، باستثناء من أتخذوا من العنف منهجا".
وهذا يعني أن الحوار لاحقاً مع الأجنحة التي تبنذ العنف في الجماعة أمر وارد، على رغم أن ملامح مثل هذه الأجنحة لم تظهر بعد بسبب التشنجات الراهنة في صفوف الإخوان الذين يبدو أنهم لما يستفيقوا بعد من صدمة الخروج المفاجيء من جنَة الحكم.
أما في مجال السياسة الخارجية، فقد كان السيسي جريئاً للغاية حين أعلن بكلمات مجلجلة أن "عهد تبعية مصر في العلاقات الخارجية قد ولى"، وأن هذه العلاقات ستُحدد من الآن فصاعدا طبقاً لمدى استعداد الأصدقاء للتعاون وتحقيق مصالح الشعب المصري".
- -III
كما هو واضح، مشروع السيسي متكامل وطموح. لكن ما فرص نجاحه أو فشله؟
لا ريب أن الرئيس الجديد يمتلك نقاط قوة واضحة.
 فهو يأتي إلى السلطة على صهوة موجة وطنية مصرية جامحة تتمحور حول مؤسسة الدولة المصرية (مهما كان شكلها) أملاها عاملان: الأول، تجربة الإخوان الفاشلة في الحكم على صعد الهوية الوطنية الجامعة، والتنمية الاقتصادية، والإجماع السياسي الضروري للغاية في المراحل الانتقالية التأسيسية في حياة الأمم. والثاني تعب المواطنين المصريين من ثورات متصلة خلال ثلاث سنوات اضطرب فيها حبل الأمن وتوقفت خلالها الدورة الاقتصادية.
السيسي يمتلك أيضاً ورقة الدعم الكامل الذي تبديه كل مؤسسات الدولة المصرية تقريباً، من الجيش (طبعاً) وأجهزة الأمن إلى المحكمة الدستورية العليا والقضاء، مروراً بالسلطتين التنفيذية والإدارية. وهذا ما فشل الرئيس السابق مرسي في تحقيقه.
ثم أنه حائز على دعم مالي خليجي يبدو بلاحدود. الأمر الذي سيعطيه فرصة تنفس ثمينة لأعادة ترتيب البيت المصري الداخلي، بتكلفة اجتماعية وسياسية أقل.
بيد أن نقاط الضعف لاتقل أهمية عن نقاط القوة كما أشرنا أعلاه، لكن أهمها وأولها وأبرزها هو عامل الوقت الذي سيكون السيف الحاسم والحد القاطع بين النجاح والفشل في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ومن ثم السياسية. لابل يمكن القول أن "فترة السماح" الداخلي (يقظة الشارع السياسي) والخارجي (أساساً العلاقة مع الولايات المتحدة) قد لاتتجاوز السنتين أو حتى سنة واحدة، كي يبان الخيط الأبيض من الأسود في مشروع السيسي، الذي يجب أن يتضمن أيضاً عاجلاً أو عاجلاً استئناف مسيرة المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية التي بدأت مع ثورة يناير قبل أن تتوقف.
مسألة الوقت هذه تتطلب في الدرجة الأولى أن يثبت الرئيس الجديد أنه "رجل دولة" (كمحمد على باشا وجمال عبد الناصر مثلاً) لا رجل رئاسة وسياسة كما كان الرئيسان السابقان مرسي ومبارك. فهذا، إضافة إلى عامل الوقت الحاسم، هو ماتحتاجه الآن مهام عملية الانقاذ الضخمة والتاريخية والصعبة في مصر.

سعد محيو







-