للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 14 سبتمبر، 2014

"داعش" في كل مكان في المنطقة؟



كل المؤشرات تدل على أن تنظيم الدولة الإسلامية شهد، بعد الانتصارات العسكرية المذهلة التي حقق، قفزات نوعية على الأرجح في أعداد المنتمين إليه أو المؤيدين له، ليس فقط في العراق وسورية، بل أيضاً في دول كلبنان والأردن والسعودية وبعض دول الخليج، وصولاً حتى إلى إفريقيا وجنوب شرق آسيا.


من هذه الأدلة، الأرقام المتضاربة التي أوردتها المؤسسات الأميركية. ففي حين كان مسؤول عسكري أميركي يُبلغ الكونغرس قبل أسبوعين أن أعداد التنظيم وصلت إلى 12 ألف مقاتل، كانت وكالة المخابرات المركزية الأميركية تقول للبيت الأبيض بعدها بأيام أن الأرقام باتت تتراوح بين 20 و33 ألف مقاتل. وهذا التضارب ليس ناجماً عن خلل استخباري، بل ربما لأن التنظيم ينمو بخطى متسارعة.
من الأدلة أيضاً أن معان وبعض الجنوب الأردني شهدت تحركات شعبية مؤيدة لداعش، ومعها طرابلس وبعض مناطق عكار حيث رُفعت أعلام التنظيم السوداء. هذا في حين تحدثت أنباء عن تخوّف السلطات السعودية من اضطرابات يقوم بها آلاف المواطنين السعوديين الذين قاتلوا في سورية والعراق ثم عادوا إلى بلادهم.
طفرة متوقعة
دوافع هذه الطفرة في شعبية هذا التنظيم الأصولي حديث العهد كانت في الحقيقة متوقعة، بعد أن تمكّن داعش من اكتساح ربع مساحة العراق الشاسعة في غضون خمسة أيام ومارافق ذلك من انهيار الجيش العراقي الضخم أمام حفنة مقاتلين (100 ألف جندي وضابط عراقي تحللوا أمام مئات من مقاتلي داعش في الموصل). وه       ذا كانت له حتماً مضاعفات كبرى على المناخات النفسية الفكرية والثقافية لأعداد كبيرة من الشبان العرب والمسلمين في كل أنحاء العالم.
الأمر هنا كان شبيهاً بما حدث بعد معركة الكرامة في الأردن العام 1969، حين تمكّنت عناصر المقاومة الفلسطينية من الصمود في وجه جحافل القوات الإسرائيلية المتقدمة. حينذاك، اجتاحت المنطقة موجة حماسية كاسحة، دفعت العديد من الشبان العرب إما إلى المشاركة في عمليات المقاومة الفلسطينية، أو إلى الانضمام إلى صفوف حركة فتح في إطار "استراتيجية حرب الشعب" التي تم الترويج لها في حينه.
وهذا ماحدث أيضاً في أعقاب حرب أفغانستان، حين اعتبر المجاهدون انهم انتصروا على ثاني أكبر دولة عظمى في العالم، ما أطلق العديد من التنظيمات الشبيهة للقاعدة في كل أنحاء العالم.
ثم أن الأمر يشبه النماذج التي قدمتها في الستينيات والسبعينيات حركات حرب الغوار (العصابات) في فيتنام وبقية الهند الصينية وفي كوبا ونيكاراغوا وبقية أميركا اللاتينية، والتي تحوّل فيها الجنرال جياب وأرنستو تشي غيفارا وغيرهما إلى مثل أعلى يُحتذى للكثير من الشبان اليساريين في العالم، بما في ذلك بعض المناطق العربية.
وبالمثل، يبدو أن انتصارات داعش أثارت موجات مماثلة من الطفرات الجهادية التي إما أن ضمَّت إلى داعش المزيد من المقاتلين والأنصار، أو شجِّعت الشبان العرب على تشكيل منظمات جهادية، أو (في أضعف الأحوال) توفير بيئة حاضنة للظاهرة الداعشية.
البدايات
 بدايات هذا التطور انطلقت منذ أن أعلنت، على سبيل المثال، كتائب "جنود الحق" التابعة لجبهة النصرة في منطقة البوكمال على الحدود السورية- العراقية مبايعتهم لداعش، على رغم أن تنظيمهم الأم خاض معارك دموية مع داعش في شرق سورية وشمالها أدت حتى الآن إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى من الجانبين. وبالطبع، مثل هذا التطور لم يكن ليحدث، لولا انبهار عناصر النصرة في البوكمال بالفعالية القتالية والتخطيط الاستراتيجي الدقيق لداعش في معارك المحافظات السنّية في العراق.
وفي الوقت نفسه كانت تتواتر أنباء عن أن العديد من المجموعات الإسلامية في طرابلس وعكار(شمال لبنان) وفي معان ( جنوب الأردن) بدأت تفكر بالانضمام إلى داعش أو تقليد أساليبها؛ هذا في حين كشفت السلطات المغربية النقاب الأربعاء الماضي عن طفرة في أعداد الشباب الذين يسعون إلى الانضمام إلى معارك العراق وسورية، في أعقاب الأنباء عن انتصارات داعش. والحبل قد يكون على الجرار في مصر وليبيا والسعودية وبقية الدول العربية والإسلامية.
علاوة على ذلك، يبدو أن هذا التنظيم كان يشهد تضخماً في أعداده مع كل مدينة يدخلها في شمال وغرب العراق. فقد ذُكِر أن أعداداً كبيرة (ولكن غير محددة) من المقاتلين السوريين والسعوديين واللبنانيين والشيشان والأوروبيين، بدأوا يتدفقون على العراق عبر المعابر السورية. وفي داخل العراق نفسه، كان داعش يستقبل في صفوفه في يوم واحد 400 عنصر أُطلق سراحهم من سجن الموصل. وقبل ذلك انضم إليه نحو 500  (في تموز/يوليو الماضي) حررهم من سجن أوغريب. وخلال الهجوم الأخير على الموصل، أفرج داعش عن نحو 2500 سجين من معتقل بادوش، يُعتقد ان العديد منهم من الناشطين الجهاديين الذين سينضمون حتماً إلى التنظيم.
داعش الآن سيكون في وضع يمكّنه اجتذاب وتجنيد شبان عرب وأجانب آخرين عديدين يحتاجون  إلى عمل أو إلى هوية دينية واضحة، بعد أن وضع يده على ثروة طائلة في الموصل تقدّر بنحو 500 مليون دولار. وهذه ستضاف إلى الضرائب والخوات وبيع النفط السوري الخام والتبرعات(من أفراد خليجيين أساساً) وعمليات التهريب التي يقوم بها التنظيم في سورية والعراق، والتي تدر عليه مابين 25  إلى 30 مليون دولار شهريا.
العقبات
ظاهرة داعش، إذا، مرشحة للتضخم والتصاعد والامتداد في كل أنحاء المنطقة، خاصة إذا لم تنجح الغارات الجوية الأميركية الحالية واللاحقة في ضعضعة فعاليته الميدانية، خاصة في سورية التي نقل إليها مؤخراً إقساماً كبيرة من المعدات العسكرية والذخائر الموجودة في الموصل (والتي كانت تمثّل ثاني أكبر مستودع من الأسلحة الأميركية للجيش العراقي)، والتي يعارض فيها نظام الأسد، مدعوماً من روسيا وإيران، الغارات على أراضيه إذا ماحدثت من دون التنسيق معه.
لكن تقف في وجه هذا التنظيم عقبات لايستهان بها. فسكان المناطق التي اجتاحها، خاصة منهم العشائر، لن يستسيغوا نمط الحياة المتشدد الذي قد يفرضه التنظيم عليهم. ثم أن الصدامات واردة في كل حين بين داعش وبين كلٍ من قوات البعث والعشائر العراقيين في إطار الصراع على الثروة والسلطة، في حال تراجع خطر الشيعة العراقيين والإيرانيين عليهم.
إضافة، وعلى رغم أن بعض القوى الإقليمية تحبذ نتائج التقدم الداعشي طالما أنه يؤدي إلى ضعضعة نفوذ إيران وحلفائها الشيعة في العراق، إلا أن هذه القوى نفسها تعتبر هذا التنظيم خطراً وجودياً عليها، وهي أعلنت عن استعدادها للاشتراك مع قوى إقليمية ودولية أخرى في العمل على تدمير هذا التنظيم ودولة خلافته التي يفترض أن تضم إلى سورية والعراق، الأردن ولبنان، ثم تتمدد في وقت لاحق ليكون مقرها في مكة المكرمة والحجاز.
لكن، وإلى أن يحدث ذلك، سيواصل داعش التحوّل إلى نقطة جذب واستقطاب للشبان "المجاهدين"، وسنسمع قريباً على الأرجح عن امتدادت جديدة لداعش في كل المنطقة والعالم، بفعل المواجهة بينه وبين الولايات المتحدة، خاصة إذا ما فشلت الحرب الأميركية في شل فعالياته العسكرية بطريقة ملموسة.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية تتعلق بالسؤال: هل تريد واشنطن حقاً القضاء نهائياً على هذا التنظيم أم تحجيمه؟
السؤال مهم  ليس فقط بسبب ما أشرنا إليه بالأمس في هذا الموقع (راجع "اليوم، غدا"- 12-9-2014) من شكوك إيرانية وروسية بأن اميركا تقف وراء صعود هذا التنظيم ( صعوده وليس نشأته المُتهم فيها النظامين السوري والإيراني)، بل لأن العديد من المسؤولين الأميركيين يصرحون علناً بأنه لايتعين على واشنطن شن حرب شاملة على داعش "لأنه لايستهدف كما القاعدة الأرض الأميركية بل الأراضي الإسلامية"، وأنه لم يقطع رأس الصحافيين الأميركيين إلا على إثر الغارات الجوية الاميركية عليه.
* * *
على أي حال، ومع غارات أميركية أو من دونها، ظاهرة داعش مرشحة للبقاء فترة غير محددة من الزمن. وسيتملّس تأثيراتها الخطيرة دول بعنيها اكثر من غيرها. وهذا ما سنتطرق إليه في المقالات التالية بدءاً بلبنان.
سعد محيو
________________________




الجمعة، 12 سبتمبر، 2014

حرب أوباما الجديدة: "فخ" لمن؟



هل الإيرانيون على حق حين يقولون جميعاً، من مرشد الثورة أية الله خامنئي إلى أصغر سائق تاكسي في طهران، بأن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) "اختراع أميركي من الفه إلى الياء"، أو كما قال منصور حقيقت، نائب رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني،" أن "قرار مواجهة داعش كذبة كبرى أميركية تحاول واشنطن تمريرها في المنطقة"؟

الأحداث المتلاحقة والمذهلة التي شهدها الشرق الأوسط، تُغذي إلى حد بعيد "نظرية المؤامرة" الحادة هذه.
فاكتساح داعش السريع لمدينة الموصل ومناطق شاسعة من شمال وغرب العراق، ومارافقه من انهيار مفاجيء للجيش العراقي الكبير، أدى إلى إطاحة رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي الذي انحاز بعد الانسحاب العسكري الاميركي العام 2001 بالكامل إلى طهران على حساب واشنطن. وهذه الخطوة، وما تلاها من نجاح واشنطن في لعب دور مؤثر في تعيين رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة العراقيين، أسفر عن ضعضعة النفوذ الأيراني في العراق وأعاد إلى واشنطن المكانة الكبرى التي كانت لها قبل سحب قواتها من بلاد الرافدين.
وحالة الرعب التي خلقها داعش في كل أنحاء المنطقة، كجزء من استراتيجيتها العسكرية لزرع "الفوضى والصدمة" في صفوف خصومها، مضافاً إليها عجز الانظمة العراقية والسورية والإيرانية عن ضبطه، جعل التدخل الأميركي مطلباً ملحاً لدى كل أو معظم دول المنطقة، بما فيها حتى إيران التي خشيت من التورط في حرب سنّية- شيعية عامة في العالم الإسلامي إن هي تدخلت مباشرة في العراق.
وهذا التطور، وماتبعه من إعلان الرئيس الأميركي أوباما عن استراتيجيته لـ"وقف تمدد الدولة الإسلامية ثم إلحاق الهزيمة بها"، أنهى بشطحة قلم كل الاحاديث عن الانحسار الاستراتيجي الأميركي في الشرق الاوسط الذي ساد طيلة السنوات الست الأخيرة، وحلّت محلها الآن استراتيجية هجومية أميركية تخترق ليس فقط  كل هذه المنطقة، بل تمتد كذلك من الصومال وشمال إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا (في إطار خطة عالمية لمواجهة "الإرهاب" تشبه كثيراً خطة جورج بوش).
وأخيرا، بروز داعش أعاد المبادرة الاستراتيجية في الوضع الدولي إلى اليد الأميركية. فواشنطن استعادت الآن دورها كشرطي عالمي لحماية النظام الدولي. وهي أوقفت تقدم إيران والصين روسيا في الشرق الأوسط الذي يعتبر عنق زجاجة القارة الأوراسية، كمدخل على مايبدو لشن هجوم معاكس على مجموعة معاهدة شنغهاي يمتد من شواطيء البحر المتوسط إلى بحر قزوين والقوقاز وبحر الصين الجنوبي.
هذا بالطبع علاوة على أنه سيكون من الصعب للغاية إقناع إيران وروسيا على أن الولايات المتحدة قررت شن هذه الحرب الشاملة في العالم (وهي حرب بالفعل على رغم أن أوباما يرفض تسميتها كذلك) لمجرد ان داعش قطعت رأس صحافيين أميركيين إثنين. إذ كان في وسع واشنطن ببساطة أن ترد على هذا الجريمة بغارات جوية على قادة هذا التنظيم، كما تفعل في الصومال واليمن، وكما فعلت قبل ذلك في باكستان حين قتلت أسامة بن لادن.
"فخ داعش"
ثمة، إذا، مبررات مقنعة بالفعل لهذه الشكوك الإيرانية. وعلى رغم أن في وسع الأميركيين وحلفائهم توجيه الاتهامات "التآميرية" نفسها إلى النظامين السوري والإيراني اللذين لعبا بالفعل أدواراً بارزة في بروز داعش ونموه في البداية، إلا أنه يبدو أن الأميركيين كانوا الأكثر إفادة من عملية إفلات داعش من عقاله، كما أفلت تنظيم القاعدة الذي أسسه الأميركيون والسعوديون في أفغانستان من عقاله بعد الانسحاب السوفييتي من تلك الدولة.
لكن، هل يعني كل ذلك أن تنظيم الدولة الإسلامية مجرد بيدق في رقعة شطرنج ضخمة؟
أجل. أنه كذلك. لكنه بيدق يحمل مشروعا خاصا به. فكما أن القوى الإقليمية والدولية تستخدمه لأهدافها الخاصة، يعتقد هو أنه بمقدوره هو أيضاً استخدام هذه القوى لخططه الخاصة. وهي خطط تبدو طموحة للغاية كان حددها له المنظّر الأصولي عبد الله عزام، وتبناها من بعده الأردني أبو مصعب الزرقاوي ثم "الخليفة" أبو بكر البغدادي، وتتضمن شطرين: الأول، إقامة دولة إسلامية تنطلق من العراق وسورية والأردن أولاً لكن هدفها النهائي هو السيطرة على مكة والسعودية. والثاني عكس استراتيجية تنظيم القاعدة: بدل الذهاب إلى عقر دار أميركا لضربها هناك، استدراج هذه الأخيرة إلى مناطق العالم الإسلامي لاستنزافها ومن ثم إلحاق الهزيمة بها، كما فعل المجاهدون مع الاتحاد السوفيييتي في أفغانستان.
المحلل ديفيد أغناتيوس، المقرّب من البنتاغون، أشار إلى وجود مثل هذا الاحتمال حين قال (واشنطن بوست" 9-9-2014):
"السؤال الأصعب الآن هو: هل الولايات المتحدة تسير نحو فخ نسجته الدولة الإسلامية لدفعها إلى شن هجمات تسفر عن حشد الجهاديين حولها (داعش) في كل أنحاء العالم؟ من كل بيانات الجهاديين يمكن أن نستشف بالفعل أنهم يحلمون بمثل هذا النزال. ولذا يتعيَّن على واشنطن أن تتأكد من أن كل خطوة تخطوها ستكون محاطة بأصدقاء وحلفاء مسلمين".
حلفاء، ولكن؟
حسنا. هذا بالتحديد من تفعله واشنطن الآن.
فإجتماع جدة الاستثنائي الذي عُقد الخميس الماضي، وشاركت به عشر دول عربية بزعامة السعودية وحضور وزير الخارجية الأميركي كيري، أعلن تأييده لاستراتيجية أوباما لمواجهة داعش، والتي تستند إلى أربع ركائز: توجيه ضربات جوية إلى قواتها في العراق وسورية، ودعم القوات العراقية والبيشماركة الكردية والميليشيات السنيّة العراقية والمعارضة المسلحة المعتدلة السورية، وتقوية الشراكات الإقليمية والدولية لمحاربة الإرهاب في كل المجالات، والمساعدات الإنسانية للسوريين والعراقيين.
وستعمل واشنطن لاحقاً على حشد دعم بقية الدول الإسلامية من تركيا وباكستان إلى ماليزيا وإندونيسيا، هذا إضافة إلى حلف الـ40 دولة الذي تحدث عنه أوباما في خطابه.
بيد أن معظم هذا التحالف الإقليمي- الدولي الكبير لن تكون له في الواقع أدوار عسكرية مباشرة أو فاعلة على الأرض. فكما أن الولايات المتحدة ترفض إرسال قوات برية للسيطرة على المناطق التي قد تخليها داعش، كذلك ستمتنع الدول الحليفة الأخرى عن إرسال قوات إلى العراق أو سورية، وسيقتصر الأمر (في أحسن الاحوال) على عمليات التجسس والقوات الخاصة (الكوماندوس) والحصار المالي.
بكلمات أوضح: الاستراتيجية العسكرية الأميركية، كما أوضحها اوباما، ستقوم على شن الغارات الجوية على داعش في العراق (ثم في سورية بعد شهر من الآن كما أعلن مسؤول أميركي)، تترافق أحياناً مع عمليات للقوات الخاصة ووكالة "السي. أي. آي". على أن تتولى القوات المحلية (الموالية في العراق والمعارضة في سورية) شن الهجمات البرية، على غرار مايحدث في الحرب الاميركية في الصومال واليمن.
بيد ان المعضلات التي تواجه الولايات المتحدة في هذه الاستراتيجية تبدو كبيرة وكأداء. فسيكون عليها في العراق ضمان ألا تتحوّل الحرب ضد داعش في العراق إلى انتصارات للشيعة وإيران على حساب السنّة والأكراد، كما عليها أن تضمن ألا تتحول الضربات لداعش في سورية إلى مكاسب لنظام الأسد أو لجبهة النصرة (القاعدة). وهذا معادلة ستكون صعبة للغاية وتتضمن مضاعفات غير محسوبة، خاصة حين نضع في الاعتبار أمرين: الأول، أنه ليس ثمة ضمانة على الاطلاق بأن الحكومة العراقية الجديدة ستكون قادرة بالفعل على بناء جيش وطني حقيقي وعلى إعادة بناء الدولة على أسس وطنية لاطائفية أو على الأقل طائفية متوازنة تُرضي السنّة والأكراد. والثاني، أن صعود داعش والنصرة في سورية، بدعم خليجي (ويقال تركي أيضاً) واسع، أضعف إلى حد كبير الجيش السوري الحر والفصائل الأخرى المعتدلة. ثم أنه ليس ثمة ضمانة بأن تتمكن القوات السورية التي تدريها السي. أي. آي في الأردن وتركيا ويبلغ عددها حت الآن 4 آلاف، ستكون قادرة على ملء الفراغ الذي ستخلفه داعش، خاصة في مدينة حلب الاستراتيجية.
كذلك، الحلفاء في هذا التجمع ليسوا حلفاء في الواقع. فالخلافات بين السعودية وقطر حادة، وكذلك بين السعودية وتركيا، وبين مصر وقطر، وبين دول الخليج والعراق، بل حتى بين هذه الدول وأميركا بسبب تذبذب مواقف هذه الأخيرة في الشرق الأوسط، كما حدث في سورية ومصر والعراق وغيرها.
أين روسيا وإيران؟
بيد أن العقبات لاتتوقف هنا. فهناك مواقف إيران وروسيا والصين التي تم استبعادها من التحالف الإقليمي- الدولي الواسع ضد الإرهاب، على رغم أنها أعلنت عن دعمها للخطوات الآيلة إلى مجابهته. وبالتالي، فهي ستنظر بعين الحذر والقلق الشديد لما ستفعله القوات الأميركية في الشرق الأوسط.
وهذا يعني أن الحرب الأميركية ضد داعش، قد تثير في الوقت نفسه صدامات دولية إن من تحت الطاولة أو فوقها، خاصة إذا ما بدأت الغارات الأميركية في سورية. وسبق أن أعلنت كل من روسيا والصين أنهما تدعمان الخطوات ضد الأرهاب، شريطة أن يتم ذلك "في إطار الشرعية الدولية". أي أنهما، بكلمات أخرى، ستعارضان الغارات في سورية حتى ولو كانت ضد داعش.
وفي حال تفاقمت هذه الصدامات، والأرجح أنها تسير في هذا الاتجاه بسبب الصراع الغربي- الروسي على أوكرانيا والمجابهات الاقتصادية والالكترونية بين الصين وأميركا، فسيتحول الشرق الأوسط مجدداً إلى ساحة الصراع الرئيسة في العالم في خضم السباق بين "الامبرياليات القديمة والجديدة" على النفط والموارد الطبيعية والأسواق والمواقع الاستراتيجية، بعد أن بدا لفترة أن هذه الصراعات قد انتقلت إلى شرق آسيا، خاصة مع سياسة الاستدارة شرقاً ( Pivot) التي تبناها أوباما منذ العام 2009.
إلى أين؟
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
الكثير.
فهي تعني، أولاً، أن الولايات المتحدة عادت بقوة إلى ساح الشرق الأوسط، بعدما بدا أنها في مرحلة انحسار غداة حربي العراق وأفغانستان.
ثانياً، أن التوجهات الأميركية ستقتصر خلال المرحلة الحالية على إدارة الحروب الأهلية العربية من فوق، أي عبر سلاح الجو الأميركي الذي يفترض أن يحدد شروط وحدود المعارك، كما فعل حين منع داعش من التقدم إلى أربيل والمناطق الكردية (حيث يكمن ثلث الاحتياطي النفطي العراق الكبير، ومراكز الشركات ووكالات الاستخبارات الاميركية والإسرائيلية)، أو من الزحف على بغداد.
ثالثاً، أنه لن يكون مضموناً على الأطلاق أن يقتصر التدخل الأميركي على الطيران وعمليات القوات الخاصة، إذ سيكون ضرورياً في حال فشل هذه العمليات ضخ قوات برية أميركية. وقد بدأ هذا السيناريو يزحف ببطء بالفعل، بعد أن قفز عدد القوات الاميركية من مجرد عشرات بعد سقوط الموصل إلى أكثر من ألف الآن وسيرتفع إلى 1500 بعد قرار أوباما إرسال 500 "خبير" آخر.
رابعا، وبسبب التعقيدات الشديدة المحيطة بالحروب الأهلية العربية الراهنة، مع امتداداتها الإقليمية والدولية، ستكون الانفجارات الكبرى واردة في كل حين، إلا إذا ماتوصلت أميركا وروسيا والصين وإيران إلى قناعة بضرورة إغلاق ملف هذه الحروب، عبر صفقات كبرى يتم فيها تقاسم الأدوار (ولكن ليس حتماً الموارد النفطية التي هي حرز حريز للامبراطورية الأميركية).
أي: حين تقتنع الدول الكبرى والإقليمية بأنه لايمكن الخروج من هذه المعمعة بمنتصر واضح أو مهزوم واضح، ستنفتح أبواب الحلول على مصراعيها أمام العراق وسورية وبقية دول المنطقة. لكن يبدو أن هذا سيكون عملية مديدة أو بعيدة، لأن مايجري الصراع حوله الآن لايقل عن كونه صدامات عنيفة حول النظام الدولي الجديد وطبيعته وتركيبته.
ثم: بما أن الولايات المتحدة لاتبدو عازمة على إغلاق ملف الإرهاب كليا، عبر حلول سياسية- اقتصادية وثقافية وإنسانية، فإن حديثها عن أن هذه الحرب ستستمر أكثر من ثلاث سنوات (وكذلك حديث رئيس الأركان الأسترالي السابق عن "حرب المئة عام" مع الإسلام الراديكالي)، توحي وكأن وجود التطرف الإسلامي "أمر ضروري" لتحقيق تماسك المجتمعات الأميركية والأوروبية بعد زوال الخطر الشيوعي، كما شدد على ذلك برنارد لويس وصموئيل هانتيغتون، خاصة وأن العولمة تمعن تمزيقاً بكل أنسجة المجتمعات الغربية الحالية.
وهذه النقطة الأخيرة بالتحديد تعطي نظرية المؤامرة الإيرانية التي تحدثنا عنها في البداية نكهة خاصة للغاية، ومثيرة للغاية، وأيضاً مخيفة للغاية.

سعد محيو- بيروت








الأربعاء، 10 سبتمبر، 2014

داعش وأميركا والعولمة: معركة خاسرة؟

الاصدقاء الأعزاء
بعد توقف قصري عن النشر في الموقع، نتيجة الانهماك في إعداد كتاب جديد سينشر قريباً إن شاء الله باللغتين العربية والانكليزية تحت عنوان (مبدئي) :"الخروج من جنهم: نحو وعي بيئي واقتصادي- سياسي وفلسفي جديد"، نعود إلى التواصل معا. تحياتي- سعد


هل يُمكن لتنظيم الدولة الإسلامية، ومعه باقي الحركات الأصولية المتطرفة، تحدي الهيمنة الأميركية على العالم، وبالتالي وقف تمدد العولمة في العالم الإسلامي؟
السؤال يبدو غريباً بالطبع. إذ كيف لحفنة آلاف من المقاتلين أن يتحدوا أعتى امبراطورية عسكرية واقتصادية وثقافية في التاريخ؟ الأمر مستحيل بالطبع. وهذا صحيح على وجه الخصوص، بعد أن باشرت الولايات المتحدة التحضيرات لتشكيل تحالف دولي- إقليمي شامل سيدك قريباً معاقل الدولة الإسلامية (داعش)، كما حدث قبل ذلك مع حركة طالبان في أفغانستان العام 2001.
 بيد أن الغرابة تنحسر قليلاً حين نضع ظاهرة داعش (التي أذهلت العالم باحتلالها السريع والكاسح لثلث كلٍ من سورية والعراق خلال فترة زمنية قصيرة، وتحوّلها إلى أغنى تنظيم سياسي- عسكري في التاريخ)، في إطار الصراع القائم الآن على مستوى الكرة الأرضية بين مايسميه المفكر الأميركي بنجامين باربر "الجهاد (والمقصود به هنا كل الأصوليات على أنواعها) وبين عالم ماكوورلد (العولمة). (1)
نظرية باربر بسيطة: العولمة النيو- ليبرالية، أي السوق الحر المنفلت من عقاله، يريد فرض ثقافته الاستهلاكية والمادية الخاصة على كل العالم، فيصطدم بالثقافات الخاصة في كل بلد التي تشعر بتهديد لوجودها، فتعمد "قبائلها" في بعض المناطق إلى "إعادة إحياء المقدس" كوسيلة لمجابهة العولمة. وعلى رغم أنه يدين كلا الظاهرتين لأنهما تسعيان إلى تقويض الديمقراطية، إلا أنه يتنبأ بانتصار العولمة في نهاية المطاف.
"الجهل المقدس"
قبل باربر، كان أوليفييه روا، أحد أبرز الباحثين الأوروبيين في حقل الأديان المعاصرة، خاصة منها الإسلامية، قد أصدر في العام 2010 كتاباً قيّماً بعنوان:" الجهل المقدس: حين يفترق الدين والثقافة"(2). الكتاب كان الأول من نوعه الذي يطرح السؤال الكبير: ما تأثير العولمة على الأديان الكبرى في العالم.
يرد روا سريعاً بالقول (كما فعل باربر لاحقاً) أن العولمة أدت إلى انفصام بين جماعات الإيمان الديني وبين الهويات الاجتماعية- الثقافية، ماخلق بيئة خصبة  لنشوء الأصوليات المتطرفة وازدهارها. وهكذا، فإن العولمة، وبدلاً من أن تقلّص نفوذ الدين في العالم، أسفرت عن إحيائه. لكن ذلك لم يتم دوماً بشكل إيجابي، إذ أن بروز التطرف الأصولي أدى إلى تفشي مايسميه
"الجهل المقدس. وهو منحى معادٍ للثقافة(De- culturalization)  والتعددية والديموقراطية، ويضع نفسه في صدام مباشر مع كل من الثقافة الحديثة والحضارات والأديان الأخرى. وهذا ما يُفسّر برأيه أسباب صعوبة فهم وتحليل الظواهر الأصولية الجديدة.
ويجادل روا أننا، وبدلاً من العبادة الدينية التقليدية أو السلفية، نشهد هذه الأيام تذرر (من ذرّة) وتفرّد (من فرد) الإيمان الديني، وأيضاً فك ارتباط جماعات الإيمان مع هوياتها القومية والوطنية والإثنية. وهذا ماجعل المؤسسات الدينية التقليدية الكبرى في التاريخ، كالكنيستين الكاثوليكية في الغرب (أوروبا الغربية) والكنيسة الأرثوذكسية في الشرق (روسيا وأوروبا الشرقية)، والأزهر وباقي المؤسسات الرسمية الإسلامية، واللاهوت اليهودي التقليدي، في مواقع الدفاع. والبديل؟ إنها التيارات الإنجيلية والخمسينية في المسيحية، والحركات الأصولية الإسلامية التي يقودها مثقفون من خارج سلك رجال الدين، والحركة الحريدية اليهودية الرافضة لكل أشكال الحداثة، والأصولية الكونفوشيوسية في شرق آسيا، والأصولية الهندوكية في الهند.
كل هذه التيارات تحث الفرد على الانسحاب من الثقافة السائدة (ناهيك عن إعلان الحرب عليها)، خاصة حين تكون هذه الثقافة علمانية، ومنطقية، ومادية. صحيح أن الأصوليين المسيحيين والإسلاميين واليهود والآسيويين يواصلون الانخراط في مجتمعاتهم، إلا أنهم لم يعودوا في الواقع جزءاً منها، بل هم يتحركون على مستويين يبدوان متناقضين: التركيز على الحقيقة المطلقة والشاملة التي تتفرد كل جماعة بادعاء احتكارها، والعمل في الوقت نفسه على التبشير بالخلاص الفردي، عبر الاتصال المباشر مع العناية الإلهية.
المسيحيون الخمسينيون، وهم الفرقة البروتستانتية الأكثر انتشاراً هذه الأيام في العالم (نصرّت حتى الأن ربع كوريا الجنوبية وأجزاء واسعة من الصين والبرازيل) والتي تدعو إلى أن يختبر الأفراد ما حدث لرسل المسيح حين تعرضوا إلى "معمودية الروح القدس"، يصفون عمل الأديان الجديدة بأنها أشبه بـ"السوق". لكن مايعرض في هذه السوق ليس سلعة ثقافية محددة، با هو لايقل عن كونه اتصالاً مباشراً بالله. هذه الدعوة، مثلها مثل كل حركات الأصولية الجديدة التي تدعو إلى "تحرير" الفرد، (بما في ذلك  دفعه إلى الانتحار لأهداف سياسية كما يحدث الآن في العالم الإسلامي)، شكّلت دعوة جذابة لأن العولمة أحدثت، كما أسلفنا، تمزقاً هائلاً في النسيج المجتمعي والقومي والثقافي والاقتصادي في العالم، ماجعل الأفراد يبحثون بِنَهَم عن حلول خارج كلٍ من الجماعات القومية والمؤسسات الدينية التقليدية.
3 عوامل
ومع ذلك، وعلى رغم هذه النزعة اللاثقافية واللاسياسية، إلا أن السياسة (والعولمة) لها بالمرصاد بهدف استثمارها. ويبدو أن ثمة ثلاثة عوامل تسهِّل صعود الأديان في ظل العولمة:
الأول، هو العامل الديموغرافي الذي تلعب فيه الأديان دوراً كبيرا. فعدد سكان الشمال الأوروبي الغني بلغ 32 في المئة من سكان العالم العام 1900 ثم 25 في المئة العام 1970 و18 في المئة العام 2000، ويتوقع أن يصبح 10 في المئة العام 2050. هذا في حين أن الجنوب كان يشهد انفجاراً ديموغرافياً لأن الناس المتدينين فيه الذين يشكّلون الغالبية يميلون إلى إنجاب الأطفال أكثر من العلمانيين.
العامل الثاني، هو التمدين( من مدن) المتزايد لسكان العالم. وبما أن الأديان تاريخياً هي ظاهرة مدينية، يتوقع أن يؤدي بروز المدن العملاقة سكانياً في دول الجنوب إلى مزيد من الصعود الديني، خاصة في صفوف الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
العامل الثالث هو"فك الارتباط" بشكل متزايد بين الغرب وبين المسيحية. فهذه الأخيرة هي في الأصل دين شرقي اكتسح العالم القديم انطلاقاً من فلسطين، وهي لم تُعتبر ديانة غربية أو أوروبية إلا بعد ظهور الإسلام وانتشاره. بيد أنها الآن تعود إلى جذورها القديمة حيث باتت تسيطر عليها شعوب وثقافات الجنوب في أميركا اللاتينية وبعض مناطق شرق آسيا.
ويعتقد سكوت توماس، المحاضر الأميركي في جامعة لندن، أن كل هذه العوامل منغرسة في العولمة التي تعمل على بناء عالم أكثر توحدّاً وأكثر تفتيتاً في آن. ذلك أن الهويات الدينية العالمية والمحلية باتت تصبح أكثر ارتباطاً لأن العولمة بدأت تُغيّر طبيعة الأديان ودورها في الشؤون الدولية. كيف؟ عبر تسهيل العولمة انفصال الدين عن الثقافات الوطنية والقوميات. فكما أن العولمة تقفز فوق الحدود القومية وتقلّص إلى حد كبير من صلاحيات ودور الدولة- الأمة، تقوم الظواهر الدينية الجديدة المتعولمة بلعب الدور نفسه، فتتجاوز هي الأخرى حدود الدولة القومية وقيودها.(3)
فضلاً عن ذلك، تنشط العولمة لجعل كل دين أكثر تعددية، وبالتالي تُصعّب على المؤسسات الدينية الكبرى التقليدية التي مارسات في السابق الاحتكار اللاهوتي، مواصلة مثل هذا الاحتكار. وهنا يأتي دور ثورة الاتصالات والمعلومات التي باتت تجعل الأديان مسألة اختيار فردي سواء حيال الطقوس أو حتى المعتقدات. ثم أن العولمة أزالت الحدود الفاصلة بين المنظمات الدينية في البلدان الأم وبين الجاليات في المهجر. وهذا ما أعطى هذه الأخيرة دوراً كبيراً ومتزايداً في كلٍ من العلاقات الدولية والأمن العالمي.
ويُلخّص سكوت توماس وجهة نظره حول تأثير العولمة على الأديان كالتالي: " إن نوعاً جديداً من العالم قيد الصنع الآن. والدول والشعوب والجماعات الدينية في الجنوب هي التي تصنعه. الأديان الكبرى في العالم تفيد كلها من هذه الفرص التي أتاحتها العولمة، وهي تنشط الآن لتغيير نمط رسالتها بهدف الوصول إلى جمهور عالمي جديد".
خلاصة صحيحة؟ الأدق أن يقال أنها نصف صحيحة. فكما أن الأديان الرئيسة في العالم تندفع للإفادة من العولمة، لن تقف هذه الأخيرة مكتوفة الأيدي. ولأنها تُمسك بكل صنابير الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، ستعمل أيضاً على محاولة تجيير الانقلابات الدينية والثقافية في العالم لصالحها. وهي قادرة على ذلك لأنه تُمسك بكل هذه الصنابير.
النموذج الأول لهذه المحاولة كان توجّه الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان لاستيعاب ما بات يسمى "الثورة الاصولية المسيحية " الثالثة، ووضعها في خدمة العولمة. ولم يكن صدفة بالطبع أن يكون ريغان "المؤمن الذي ولد من جديد على يد الروح القُدُس"، هو نفسه بطل الرأسمالية النيوليبرالية التي عملت على نسف دور الدولة في الاقتصاد والأمن الاجتماعي وتقليص الفوارق بين الأغنياء والفقراء، في الوقت نفسه الذي كان فيه على تواصل مع "الروح القدس".
وفي عهد باراك أوباما الديمقراطي تكررت في الولايات المتحدة الدعوات الجمهورية والمحافظة إلى توجهات دينية ريغانية مماثلة. وعلى سبيل المثال، جادل العالم السياسي الأميركي وولتر رسل ميد بأن "الصعود العالمي الجديد للمسيحية، يجب أن يكون أمراً طيباً للسياسة الخارجية الأميركية (إقرأ للعولمة)، لأن المسيحية "هي أكثر الأديان موالاة لأمريكا"، على حد قوله.
معركة العولمة لاستيعاب الأنماط الجديدة من الصعود الديني لاتزال في بداياتها الأولى. وهي تحقق نجاحات واضحة في بعض المناطق (الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية) وصعوبات وعراقيل في مناطق أخرى( الشرق الأوسط الإسلامي). لكن طموحها الأكبر لايزال هو هو: وضع كل الإديولوجيات الدينية وغير الدينية والثقافات في خدمة مشروعها العالمي القائم على إعادة انتاج البشر على أساس البعد الواحد، الاستهلاكي والمادي والمتذرر.
.. و3 ثغرات
الإجابة، إذا، على سؤالنا الأول حول داعش وأميركا- العولمة هو نعم: داعش والقوى الأصولية الأحرى يمكن أن تعمل على تحدي الهيمنة الثقافية والعسكرية لـ" الامبراطورية"، مستفيدة من تهاوي مؤسسات ونبى الدول- الأمم في العالم الإسلامي كأحجار الدومينو في دولة تلو أخرى. لكن هذا التحدي سيعاني من ثلاث ثغرات: الأولى ذاتية والثانية والثالثة موضوعية.
الثغرة الأولى، الذاتية، هي بالطبع النزعة الاقصائية الشديدة التي تمارسها داعش، خاصة بعد تحويل نفسها إلى "خلافة" إسلامية جديدة، ما وضعها في حالة صدام دموي حتى مع اقرب التنظيمات الإسلامية إديولوجيا إليها ( القاعدة). كما أنها وضعت نفسها في حالة حرب مع كل الدول الكبرى في العالم بلا استثناء، بما في ذلك روسيا، ونفرّت التيار السنّي العام بسبب أساليبها الوحشية في القتل والترويع وفرض الأحكام الفقهية التي تُعتبر صارمة للغاية حتى وفق المعايير الطالبية الأفغانية.
الثغرة الثانية هي الخلل الفادح والكبير في موازين القوى بينها وبين قوى "الامبراطورية". وهو خلل بان بوضوح بعد ان غيّرت داعش تكتيكات تنظيم القاعدة الأم المستند إلى حرب العصابات، وانتقلت إلى عملية السيطرة على الأراضي وممارسة السلطة فيها، ما جعل المعركة صراعاً بين دولة ودولة، الأمر الذي سيسهّل على الامبراطورية سحقها أو على الأقل تشتيت جمعها.
الثغرة الثالثة تتعلق بطريقة تعاطي قوى العولمة مع ظاهرة داعش. فهذه القوى (كما أسلفنا) ليست معادية من حيث المبدأ للحركات الدينية طالما أنها تعمل على فصل الفرد عن الدولة والجماعة والمؤسسات الرسمية، فتسهّل بذلّك اختراقها لثقافته عبر ثورة الاتصالات. لكن هذا الدعم له حدود وشروط، أهمها أن تضع هذه الحركات نفسها في خدمة المشروع الاقتصادي لإمبراطورية العولمة، كما فعلت الأصولية البروتستانتية في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، وكما تفعل الآن الأصولية الهندوسية في الهند والأصولية الكونفوشيوسية في الصين.
حتى الآن، داعش وأخواتها لم تظهر فهمها لهذه المسألة. وكما يقول المحلل الاستراتيجي في البنتاغون توماس بارنيت: "كل دولة أو فئة لا تطبق شروط العولمة، ستجد القوات الاميركية فوق أراضيها".
* * *
والخلاصة؟
إنها واضحة، أو يُفترض ذلك: العولمة لن تكون في حالة حرب مطلقة مع الحركات الدينية على أنواعها، على رغم أنها تعمل على تقويضها من تحت عبر الثقافية الفردية والاستهلاكية، إلا حين تضع هذه  الحركات نفسها في حالة حرب مع مشروعها الامبراطوري العام أو تهدد شرايين اقتصادها وأمنها.
وهذا ماتفعله داعش الآن، ولغير صالحها.
 سعد محيو- بيروت

___________
1 - Barber, Benjamin R., Jihad vs. McWorld", Hardcover: Crown, 1995
2- Olivier Roy: Holy Ignorance: when religion and culture part ways. Colombia press, 2010)