للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 30 يناير، 2015

السعودية: تغييرات "استباقية" كاسحة





في 30 حزيران/يونيو، نشر موقع "اليوم، غدا" المقال ( نعيد نشره أدناه) حول مسألة "التغيير الحتمي" في المملكة السعودية، إنطلاقاً من الحقيقة بأن المجتمع السعودي شهد خلال العقود القليلة الماضية تغييرات عميقة، ترافقت مع تعدد الأجنحة والاجتهادات في صفوف أمراء الأسرة الحاكمة، ومع انقلابات حقيقية في طبيعة الإطلالة الدولية على دور المملكة الإيديولوجي والثقافي غداة أحداث 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة.
وجاء العدد الضخم من الأوامر الملكية (30 أمراً في يوم واحد) التي صدرت الخميس الماضي، ليؤكد أن هذا التغيير بدأ بالفعل من اليوم، وليس غداً أو بعد غد. لكن تغيير في أي اتجاه؟
فلنقرأ أولاً خلاصات هذه القرارات:
1-  حل الإثنا عشر هيئة حكومية التي كان الملك الراحل شكّلها للمساعدة على الإشراف على السياسات، وتشكيل مجلسين للشؤون الأمنية والسياسية بدلاً منها.
2-   إجراء تغييرات شاملة في القيادات الأمنية والسياسية والتربوية.
3-  إعفاء مدير جهاز المخابرات خالد بن مشعل  ومعه رئيس الأمن القومي بندر بن سلطان من منصبيهما.
4-  إعادة تشكيل مجلس الوزراء ، وتعيين وزراء جدد للتعليم والإعلام والزراعة، والابقاء على وزراء الخارجية والنفط والمال.
5-  إعفاء ابني الملك عبد الله، تركي ومشعل، من منصبيهما كأميري الرياض ومكة. وقبل ذلك إعفاء رئيس البلاط الملكي القوي في عهد الملك الراحل، خالد التويجري، من منصبه، وتعيين ابن الملك سلمان، محمد بن سلمان، مكانه، إضافة إلى تعيينه وزيراً للدفاع.
6-  إعفاء رئيسي وزارتي العدل والشرطة الدينية، اللذين كانا يوصفا بأنهما ليبراليين نسبيا، من منصبيهما.
من المبكر استقراء معنى هذه التغييرات الكاسحة، بالنسبة إلى موازين القوى بين أجنحة الامراء، على الرغم أنه الكفة مالت بوضوح لصالح الجناح السديري على حساب جناحي أبناء الملك عبد الله والأمير سلطان وبقية الأجنحة. ومن المبكر أيضاً التكهن بكيفية تقبّل الأمراء الذين تم استبعادهم من السلطة المباشرة لهذه الإجراءات.
لكن يمكن القول أن السرعة التي يتم فيها اتخاذ هذه الخطوات، تشي بأن النخبة السديرية الحاكمة قررت القيام بما أسماه البعض بـ"الانقلاب الاستباقي"، أو بفرض السلطة الجديدة كأمر واقع، خاصة بسبب المخاوف من أن تستغل بعض الأطراف اضطرابات الذاكرة ( Dementia) التي يعاني منها الملك سلمان للمطالبة بعزله من منصبه. وهذا قد يمنع استتباب الأمور للسلطة الراهنة.
علاوة على ذلك، تشي التغييرات في مجالات التربية والتعليم والشرطة الدينية بأن النخبة الجديدة تنوي اتخاذ موقف أكثر محافظة وتشددا على المستوى الإديولوجي، بدل المضي قدماً في إصلاحات الملك عبد الله في مجالات المرأة والتعليم والتشريع.
لكن، تنجح كل هذه الاجراءات المتلازمة في تحقيق استقرار السلطة الجديدة؟
ربما، خاصة وأنها باتت تمسك الآن بصنابير السلطة المالية الأسطورية. لكن مع ذلك، يجب القول أن ماجرى هو مغامرة تتضمن مخاطر واضحة. وهذا ما يوضح بعض جوانبه المقال أدناه:
________

ينُشر هذا المقال في موقع سويس انفو الالكتروني http://www.swissinfo.ch/arab
السعودية عادت إلى الخمسينيات.. والتغيير حتمي(30-1-2015)
سعد محيو
هل حُسِمت مسألة الخلافة السعودية، بتعيين أحد أبرز أمراء الجيل الثالث من آل سعود، محمد بن نايف، ولي ولي العهد؟
ظاهرياً، يبدو الأمر كذلك. فالسرعة التي تم فيها الإعلان عن تعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، ثم فوراً تقريباً تعيين محمد بن نايف نائباً له، أوحى بأن الملك الجديد سلمان حسم بسرعة خاطفة الجدل الكبير داخل الأسرة حول مسألة انتقال السلطة من الجيل الثاني من آل سعود إلى الجيل الثالث.
بيد أن المظاهر قد تكون خادعة في الكثير من الأحيان، خاصة في نظام كالمملكة العربية السعودية يلف نفسه وصراعاته الداخلية بسرية مطلقة. فما يجري فيها فوق السطح اليوم، لن يعكس بالضرورة ما قد يطفو من تحت هذا السطح غدا. وهذا يصح على وجه التحديد بسبب الحقيقة أن معركة الخلافة الراهنة لاتتعلق بأشخاص بعينهم، بل بفروع عائلية كاملة تتشعب من آل سعود الذي يناهز تعداد أمرائهم الـ15 ألفاً (على ما يشاع). فروع تنافست تاريخياً، ولاتزال، في مابينها بضراوة على السلطة والنفوذ والمال.
مرحلة انتقالية خطرة
بالطبع، الأولوية القصوى لكل الأجنحة السعودية هي الحفاظ على سلطة العائلة، التي تعود جذور علاقتها بالسلطة إلى القرن الثامن عشر، حين خاض مؤسسو العائلة وقادتها صراعات مدهشة في عنادها ونجحوا، بعد تدمير دولتهم مرتين على يد العثمانيين والمصريين، في إقامة دولتهم الثالثة الراهنة العام 1932.
لكن في المقابل، ليس ثمة شك بأن المرحلة الراهنة ستكون حبلى بالمشاكل والمخاطر أمام الأسرة لأسباب عديدة:
فحكم الملك سلمان (79 عاماً) سيكون حتماً قصيراً، لأنه يعاني من بعض الأمراض أخطرها العته ( Dementia)، وهو مرض عضوي في الدماغ يضرب الذاكرة ويتسبب باضطرابات جسدية- نفسية. وولي العهد مقرن (69 سنة)، أمامه عقبات واضحة في طريقه لتسنم العرش، لأنه إبن خليلة يمنية وليس زوجة للملك عبد العزيز. هذا ناهيك عن أن الملك الراحل عبد الله خرق التقليد حين عمد إلى تعيين ولي العهد، وهو قرار كان متروكاً في السابق للملك الجديد.
ثم أن تعيين الأمير محمد بن نايف، الذس ينتمي إلى الفرع السديري من العائلة كما الملك سلمان (تيمناً بالزوجة المفضلة لدى الملك عبد العزيز حصة بنت أحمد السديري) ، ولياً ويياً للعهد وبالسرعة التي تم بها، سيثير من دون شك حفيظة العديد من أمراء الجيل الثالث، بينهم الأمير خالد بن سلطان، والأمير متعب بن عبد الله، والأمير خالد الفيصل، والأمير بندر بن سلطان وغيرهم الكثير.
يقول سيمون هندرسون، الخبير بشؤون العائلة السعودية في مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى :" على رغم أن العديد من الناس يقولون أن عملية الانتقال ستكون سلسلة، إلا أن ثمة مروحة من الأسباب التي تدفع إلى الاعتقاد بأن السعودية تتجه نحو أوضاع صعبة... فالمناورات داخل العائلة الملكية ستكون كثيفة للغاية، على رغم أن الأمراء يكرهون الاعتراف بهذه الحقيقة".
لكن، إذا مانحينا جانباً بشكل مؤقت، لأغراض التحليل،  الطبيعة البشرية التي تدفع الأخوة والأقارب إلى تناحر، قد يكون دموياً أحياناً، على السلطة، منذ بدء التاريخ البشري (قابيل وهابيل نموذجا)، ما العوامل الجديدة الآن التي تجعل الصراعات أكثر خطورة؟
هنا، التاريخ الحديث قد يضيء طريقنا قليلا.
في الخمسينيات من القرن الماضي، شهدت المنطقة العربية صعود نجم الحركة القومية العربية التي نادت بالحداثة والوحدة والتحرير، وأطلقت تيارات عاطفية ضخمة في المنطقة تجسدت بالتفاؤل بإمكانية إعادة بناء الحضارة العربية الإسلامية الباهرة. هذا التطور سرعان ما اجتاح مملكة السعوديين الذين كان ملكهم سعود، الذي حل مكان والده عبد العزيز المتوفي العام 1953، غارقاً في لجج الفساد ورافضاً بناء مؤسسات الدولة بما يتلاءم مع معطيات العصر.
هذه الحقبة أفرزت حركتين داخل الأسرة: الأولى تكوّنت من "الأمراء الأحرار"،على  رأسهم الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي تعاطفوا مع الحركة القومية (في شقها الناصري) ودعوا إلى تحويل الدولة إلى مملكة دستورية. والحركة الثانية قادها الأمير السُديري فهد بن عبد العزيز، وطالبت بتنحي الملك سعود وتعيين الأمير فيصل مكانه كي يقوم بالاصلاحات الضرورية، وفي الوقت نفسه إحهاض حركة الأمراء الأحرار.
بقية تاريخ هذا التطور معروفة. لكن مايهمنا هنا هو أن الامراء الأحرار، كما الأمراء الأصلاحيين، لم يتحركوا في الواقع إنطلاقاً من معطيات عاطفية أو شعورية وحسب، بل كان هناك أيضاً تقاطع مصالح واضح بين استبعادهم عن السلطة وبين استخدامهم الإيديولوجيا الجديدة في المنطقة لصالح تحقيق أهدافهم الذاتية.
الخمسينيات مجددا
واقعة الخمسينيات هذه يمكن أن تتكرر الآن بحذافيرها في الهزيع الاول من القرن الحادي والعشرين. فالمنطقة تمر حالياً في تمخضات قد تكون أخطر بكثير حتى من تطورات الخمسينيات، حيث يجد الإسلام السعودي، الذي شكّل درعاً واقياً قوياً  في السابق ضد الموجة القومية والناصرية، نفسه في أحرج المواقف:
فهو مضطر، بسبب الضغوط الدولية غداة أحداث 11 سبتمبر في أميركا، إلى إشهار الحرب على الجهاديين في المنطقة (النصرة، داعش، السلفيين المتطرفين.. ألخ) الذين ينتمون إلى الجذور الوهابية نفسها للإسلام السعودي. لكنه في المقابل يجد صعوبة فائقة في مواجهة أصول هذه الجذور في الداخل المتمثلة في المؤسسة الدينية الوهابية المحافظة التي تنشر المباديء الداعشية والنصروية نفسها.
وفي المقابل، لم يستطع الإسلام السعودي التعايش مع فكرة وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وبقية الدول العربية، لأنه اعتبر أن مشروع الإسلام السياسي الخاص بهذه الجماعة يذهب بعيدا في عملية تزويج الإسلام إلى الديمقراطية (على حساب مبدـأ "إطاعة أولي الأمر"). وهذه مسألة لم تستطع بعض أجنحة الأسرة المتصلبة ابتلاعها.
الحل الذي خرجت به النخبة الحاكمة لهذا التخبط، إضافة إلى نثر عشرات مليارات الدولارات في الداخل والخارج لشراء الولاء، كان إعلان "الجهاد على الجهاديين" في الخارج، والقيام ببعض الاصلاحات في الداخل (مجلس الشورى، توسيع دور المرأة، تعديل مناهج التعليم.. ألخ). لكنها إصلاحات لم تمس في الواقع شعرة واحدة من نفوذ السلطة الدينية الوهابية.
بيد أن هذا الحل سيُثبت أنه مؤقت من بعض الأوجه، وخطر من كل الأوجه: فهو لن يرضي القوى الدولية التي عاد الإرهاب الأصولي يطرق أبوابها مجدداً وسيدفعها إلى استئناف الضغوط على المملكة لضرب جذوره الفكرية والتربوية في مؤسساتها. وهو سيغضب بعض الشباب السعودي الذي يرى التناقض واضحاً بين تربيته الوهابية وبين دعوته إلى مقاتلة أشباهه في المذهب من داعشيين وجهاديين. وهذه المعضلة، بالمناسبة، هي التي خلقت في ظروف مشابهة أزمة الهوية الطاحنة لدى أسامة بن لادن، وحوّلته من رجل أعمال "دنيوي" ينتمي إلى الدولة السعودية، إلى رجل حروب غوار "آخروي" يقاتل باسم "الثورة الوهابية".
إلى أين؟
الآن، إذا ما كانت المعضلة في المرحلة الانتقالية الراهنة في السعودية على هذا القدر من التعقيد، فإلى أين من هنا؟
العديد من المراقبين يعتقدون أن الأمر بات يحتاج إلى تيارات تغيير شبيهة بثورة الأمراء الأحرار أو الانتفاضة الاصلاحية الفيصلية. لكن هذه المرة في شكل يؤدي إلى الاخضاع التام لـ"الثورة الوهابية" إلى سلطة الدولة الوطنية والهوية الوطنية (كما يحدث الآن في مصر- السيسي).
بيد أن هذا الأمر يحتاج إلى أمرين متلازمين كي يتحقق: الأول، حفز وتشجيع الأمراء الإصلاحيين الجدد على توضيح مواقفهم علنا، من خلال بروز إئتلاف من قوى مجتمع مدني  تتكوّن من عشرات آلاف الطلاب الذين تعملوا في الغرب، ومن العناصر النسوية ومئات آلاف العاطلين عن العمل والهيئات المطالبة بالاصلاحات الدستورية. والثاني، انحياز كيانات قَبَلية وعشائرية ذات وزن إلى تيار الأمراء الإصلاحيين.
هذان الامران لايبدوان في الأفق الآن. لكن بروزهما يبدو حتمياً في وقت غير بعيد، بسبب المخاطر غير المسبوقة التي تتعرض إليها الأسرة السعودية في الداخل والخارج على الصعد كافة الاستراتيجية والفكرية والثقافية والديمغرافية (طفرة الشباب الضخمة).
في الوقت الراهن، ستكون الاستمرارية هي الشعار في الداخل وربما أيضاً في الخارج على صعيد "حرب النفط " مع إيران (وروسيا) ودعم مصر السيسي والمعارضة السورية، ومجابهة مخاطر النفوذ الإيراني في اليمن والعراق، وأخطار صعود داعش. لكن تقاطع معركة الأجيال داخل الأسرة مع المعارك الإديولوجية والإقليمية الضخمة، إضافة إلى التغيرات الهائلة في المجتمع السعودي، ستجعل مثل هذه الاستمرارية مجرد سحابة صيف عابرة.
وقديماً قال ابن خلدون: "إذا ماتبدّلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره و كأنه خلق جديد ".
                                    _______________________________











الاثنين، 26 يناير، 2015

السعودية عادت إلى الخمسينيات.. والتغيير حتمي

ينُشر هذا المقال في موقع سويس انفو الالكتروني http://www.swissinfo.ch/ara

سعد محيو
هل حُسِمت مسألة الخلافة السعودية، بتعيين أحد أبرز أمراء الجيل الثالث من آل سعود، محمد بن نايف، ولي ولي العهد؟
ظاهرياً، يبدو الأمر كذلك. فالسرعة التي تم فيها الإعلان عن تعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، ثم فوراً تقريباً تعيين محمد بن نايف نائباً له، أوحى بأن الملك الجديد سلمان حسم بسرعة خاطفة الجدل الكبير داخل الأسرة حول مسألة انتقال السلطة من الجيل الثاني من آل سعود إلى الجيل الثالث.
بيد أن المظاهر قد تكون خادعة في الكثير من الأحيان، خاصة في نظام كالمملكة العربية السعودية يلف نفسه وصراعاته الداخلية بسرية مطلقة. فما يجري فيها فوق السطح اليوم، لن يعكس بالضرورة ما قد يطفو من تحت هذا السطح غدا. وهذا يصح على وجه التحديد بسبب الحقيقة أن معركة الخلافة الراهنة لاتتعلق بأشخاص بعينهم، بل بفروع عائلية كاملة تتشعب من آل سعود الذي يناهز تعداد أمرائهم الـ15 ألفاً (على ما يشاع). فروع تنافست تاريخياً، ولاتزال، في مابينها بضراوة على السلطة والنفوذ والمال.
مرحلة انتقالية خطرة
بالطبع، الأولوية القصوى لكل الأجنحة السعودية هي الحفاظ على سلطة العائلة، التي تعود جذور علاقتها بالسلطة إلى القرن الثامن عشر، حين خاض مؤسسو العائلة وقادتها صراعات مدهشة في عنادها ونجحوا، بعد تدمير دولتهم مرتين على يد العثمانيين والمصريين، في إقامة دولتهم الثالثة الراهنة العام 1932.
لكن في المقابل، ليس ثمة شك بأن المرحلة الراهنة ستكون حبلى بالمشاكل والمخاطر أمام الأسرة لأسباب عديدة:
فحكم الملك سلمان (79 عاماً) سيكون حتماً قصيراً، لأنه يعاني من بعض الأمراض أخطرها العته ( Dementia)، وهو مرض عضوي في الدماغ يضرب الذاكرة ويتسبب باضطرابات جسدية- نفسية. وولي العهد مقرن (69 سنة)، أمامه عقبات واضحة في طريقه لتسنم العرش، لأنه إبن خليلة يمنية وليس زوجة للملك عبد العزيز. هذا ناهيك عن أن الملك الراحل عبد الله خرق التقليد حين عمد إلى تعيين ولي العهد، وهو قرار كان متروكاً في السابق للملك الجديد.
ثم أن تعيين الأمير محمد بن نايف، الذس ينتمي إلى الفرع السديري من العائلة كما الملك سلمان (تيمناً بالزوجة المفضلة لدى الملك عبد العزيز حصة بنت أحمد السديري) ، ولياً ويياً للعهد وبالسرعة التي تم بها، سيثير من دون شك حفيظة العديد من أمراء الجيل الثالث، بينهم الأمير خالد بن سلطان، والأمير متعب بن عبد الله، والأمير خالد الفيصل، والأمير بندر بن سلطان وغيرهم الكثير.
يقول سيمون هندرسون، الخبير بشؤون العائلة السعودية في مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى :" على رغم أن العديد من الناس يقولون أن عملية الانتقال ستكون سلسلة، إلا أن ثمة مروحة من الأسباب التي تدفع إلى الاعتقاد بأن السعودية تتجه نحو أوضاع صعبة... فالمناورات داخل العائلة الملكية ستكون كثيفة للغاية، على رغم أن الأمراء يكرهون الاعتراف بهذه الحقيقة".
لكن، إذا مانحينا جانباً بشكل مؤقت، لأغراض التحليل،  الطبيعة البشرية التي تدفع الأخوة والأقارب إلى تناحر، قد يكون دموياً أحياناً، على السلطة، منذ بدء التاريخ البشري (قابيل وهابيل نموذجا)، ما العوامل الجديدة الآن التي تجعل الصراعات أكثر خطورة؟
هنا، التاريخ الحديث قد يضيء طريقنا قليلا.
في الخمسينيات من القرن الماضي، شهدت المنطقة العربية صعود نجم الحركة القومية العربية التي نادت بالحداثة والوحدة والتحرير، وأطلقت تيارات عاطفية ضخمة في المنطقة تجسدت بالتفاؤل بإمكانية إعادة بناء الحضارة العربية الإسلامية الباهرة. هذا التطور سرعان ما اجتاح مملكة السعوديين الذين كان ملكهم سعود، الذي حل مكان والده عبد العزيز المتوفي العام 1953، غارقاً في لجج الفساد ورافضاً بناء مؤسسات الدولة بما يتلاءم مع معطيات العصر.
هذه الحقبة أفرزت حركتين داخل الأسرة: الأولى تكوّنت من "الأمراء الأحرار"،على  رأسهم الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي تعاطفوا مع الحركة القومية (في شقها الناصري) ودعوا إلى تحويل الدولة إلى مملكة دستورية. والحركة الثانية قادها الأمير السُديري فهد بن عبد العزيز، وطالبت بتنحي الملك سعود وتعيين الأمير فيصل مكانه كي يقوم بالاصلاحات الضرورية، وفي الوقت نفسه إحهاض حركة الأمراء الأحرار.
بقية تاريخ هذا التطور معروفة. لكن مايهمنا هنا هو أن الامراء الأحرار، كما الأمراء الأصلاحيين، لم يتحركوا في الواقع إنطلاقاً من معطيات عاطفية أو شعورية وحسب، بل كان هناك أيضاً تقاطع مصالح واضح بين استبعادهم عن السلطة وبين استخدامهم الإيديولوجيا الجديدة في المنطقة لصالح تحقيق أهدافهم الذاتية.
الخمسينيات مجددا
واقعة الخمسينيات هذه يمكن أن تتكرر الآن بحذافيرها في الهزيع الاول من القرن الحادي والعشرين. فالمنطقة تمر حالياً في تمخضات قد تكون أخطر بكثير حتى من تطورات الخمسينيات، حيث يجد الإسلام السعودي، الذي شكّل درعاً واقياً قوياً  في السابق ضد الموجة القومية والناصرية، نفسه في أحرج المواقف:
فهو مضطر، بسبب الضغوط الدولية غداة أحداث 11 سبتمبر في أميركا، إلى إشهار الحرب على الجهاديين في المنطقة (النصرة، داعش، السلفيين المتطرفين.. ألخ) الذين ينتمون إلى الجذور الوهابية نفسها للإسلام السعودي. لكنه في المقابل يجد صعوبة فائقة في مواجهة أصول هذه الجذور في الداخل المتمثلة في المؤسسة الدينية الوهابية المحافظة التي تنشر المباديء الداعشية والنصروية نفسها.
وفي المقابل، لم يستطع الإسلام السعودي التعايش مع فكرة وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وبقية الدول العربية، لأنه اعتبر أن مشروع الإسلام السياسي الخاص بهذه الجماعة يذهب بعيدا في عملية تزويج الإسلام إلى الديمقراطية (على حساب مبدـأ "إطاعة أولي الأمر"). وهذه مسألة لم تستطع بعض أجنحة الأسرة المتصلبة ابتلاعها.
الحل الذي خرجت به النخبة الحاكمة لهذا التخبط، إضافة إلى نثر عشرات مليارات الدولارات في الداخل والخارج لشراء الولاء، كان إعلان "الجهاد على الجهاديين" في الخارج، والقيام ببعض الاصلاحات في الداخل (مجلس الشورى، توسيع دور المرأة، تعديل مناهج التعليم.. ألخ). لكنها إصلاحات لم تمس في الواقع شعرة واحدة من نفوذ السلطة الدينية الوهابية.
بيد أن هذا الحل سيُثبت أنه مؤقت من بعض الأوجه، وخطر من كل الأوجه: فهو لن يرضي القوى الدولية التي عاد الإرهاب الأصولي يطرق أبوابها مجدداً وسيدفعها إلى استئناف الضغوط على المملكة لضرب جذوره الفكرية والتربوية في مؤسساتها. وهو سيغضب بعض الشباب السعودي الذي يرى التناقض واضحاً بين تربيته الوهابية وبين دعوته إلى مقاتلة أشباهه في المذهب من داعشيين وجهاديين. وهذه المعضلة، بالمناسبة، هي التي خلقت في ظروف مشابهة أزمة الهوية الطاحنة لدى أسامة بن لادن، وحوّلته من رجل أعمال "دنيوي" ينتمي إلى الدولة السعودية، إلى رجل حروب غوار "آخروي" يقاتل باسم "الثورة الوهابية".
إلى أين؟
الآن، إذا ما كانت المعضلة في المرحلة الانتقالية الراهنة في السعودية على هذا القدر من التعقيد، فإلى أين من هنا؟
العديد من المراقبين يعتقدون أن الأمر بات يحتاج إلى تيارات تغيير شبيهة بثورة الأمراء الأحرار أو الانتفاضة الاصلاحية الفيصلية. لكن هذه المرة في شكل يؤدي إلى الاخضاع التام لـ"الثورة الوهابية" إلى سلطة الدولة الوطنية والهوية الوطنية (كما يحدث الآن في مصر- السيسي).
بيد أن هذا الأمر يحتاج إلى أمرين متلازمين كي يتحقق: الأول، حفز وتشجيع الأمراء الإصلاحيين الجدد على توضيح مواقفهم علنا، من خلال بروز إئتلاف من قوى مجتمع مدني  تتكوّن من عشرات آلاف الطلاب الذين تعملوا في الغرب، ومن العناصر النسوية ومئات آلاف العاطلين عن العمل والهيئات المطالبة بالاصلاحات الدستورية. والثاني، انحياز كيانات قَبَلية وعشائرية ذات وزن إلى تيار الأمراء الإصلاحيين.
هذان الامران لايبدوان في الأفق الآن. لكن بروزهما يبدو حتمياً في وقت غير بعيد، بسبب المخاطر غير المسبوقة التي تتعرض إليها الأسرة السعودية في الداخل والخارج على الصعد كافة الاستراتيجية والفكرية والثقافية والديمغرافية (طفرة الشباب الضخمة).
في الوقت الراهن، ستكون الاستمرارية هي الشعار في الداخل وربما أيضاً في الخارج على صعيد "حرب النفط " مع إيران (وروسيا) ودعم مصر السيسي والمعارضة السورية، ومجابهة مخاطر النفوذ الإيراني في اليمن والعراق، وأخطار صعود داعش. لكن تقاطع معركة الأجيال داخل الأسرة مع المعارك الإديولوجية والإقليمية الضخمة، إضافة إلى التغيرات الهائلة في المجتمع السعودي، ستجعل مثل هذه الاستمرارية مجرد سحابة صيف عابرة.
وقديماً قال ابن خلدون: "إذا ماتبدّلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره و كأنه خلق جديد ".








الأربعاء، 21 يناير، 2015

التغيير في السعودية كيف ومتى؟


التغيير في السعودية:  كيف ومتى؟
(محاضرة ألقاها سعد محيو في المؤتمر الـ13 لمؤسسة الفكر العربي- المغرب، 2-5; كانون الأول/ديسمبر 2014)
______________
اسمحوا لي، بداية، بطرفتين في شكل اعتذارين:
الأولى، مسألة الصوت، حيث أن أحد الزملاء الأعزاء المشاركين في هذا المؤتمر، أهداني بكل الجود والكرم الممكنين، رزمة كاملة وسخية من فيروسات الانفلونزا، فأثّر مشكوراً على صوتي.
والثاني، أن حديثي معكم سيكون صريحاً وواضحاً ومخلصاً، ولذا آمل وأرجو وأصلّي أن ينزل كلامي برداً وسلاماً، بقدر الامكان، على صدور البعض، خاصة صدر الاستاذ ضاحي خلفان.
وأخيراً، أود أن أوضح أني أتحدث هنا باسمي وعلى مسؤوليتي الخاصة وليس باسم مؤسسة كارنيغي.
_____________________________
ألبرت إينشتاين اعتاد أن يقول: أنت لاتستطيع أن تحل المشاكل الجديدة بوعي قديم.
لكن يبدو أن المملكة السعودية ودول الخليج لاتفعل الآن سوى ذلك، أي محاولة حل المشاكل الجديدة، وهي بالمناسبة مشاكل ضخمة وشائكة بالفعل، بنمط وعي قديم يستند أساساً إلى "شراء" الحلول، وإلى الاقتصار على المخارج الامنية البحتة.  الجديد الوحيد في هذه السلوكيات هي السياسا الهجومية الإقليمية التي تخوضها دول الخليج، خاصة السعودية ودولة الإمارات وقطر، من ليبيا ومصر إلى سورية والعراق ومن مالي إلى اليمن، والتي تذكّر إلى حد بعيد بالثورات المضادة التي قامت بها الملكيات الأوروبية المحافظة في القرن التاسع عشر.
على الصعيد الآني والفوري، يبدو هذا التوجّه منطقياً أو على الأقل واقعيا. ففي الميزان مسألة صراع البقاء وسط متغيرات دولية وإقليمية ومحلية مدوّخة، كما سنرى بعد قليل. وفي مثل هذه الحالة، أفضل دفاع هو الهجوم. أو هذا على الأقل ما يقوله الوعي القديم لدى النخب الخليجية الحاكمة، ويدفعها إلى تطبيق السياسات القديمة نفسها التي ثبت في السابق نجاعتها. أي: "شراء" الأمن بأموال النفط، ومقاومة التغيير في الخارج الإقليمي، وتجميد الإصلاحات في الداخل المحلي، وبناء منظومة التحالفات الإقليمية على هذا الأساس، من مشروع الاتحاد الخليجي المتعثر إلى تأسيس القيادة العسكرية المشتركة، مروراً بمشروع التحالف الخليجي مع مصر والمغرب والأردن.
بيد أن سياسات الوعي القديم هذه لاتأخذ في الاعتبار، وعلى نحو خطر للغاية، المتغيرات الساحقة الجديدة في الساحات الدولية والإقليمية والمحلية:
المتغير الأول كان بالطبع مضاعفات أحداث 11 سبتمبر 2001 التي غيّرت الولايات المتحدة إلى غير مارجعة، بغض النظر عمن يقطن في البيت الأبيض. إذ هي أنهت عملياً التحالف الذي دام زهاء 70 عاماً بين الاسلام السعودي وواشنطن، والذي أبرمه الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت في البحيرات المرة في 14 شباط فبراير 1945 على متن البارجة الأميركية كوينسي. وكانت الحصيلة بدء بحث الولايات المتحدة عن "إسلام بديل" توجته لاحقاً بالصفقة مع جماعة الإخوان المسلمين منذ العام ،2005 ثم بخطابي أوباما الشهيرين في اسطنبول والقاهرة.
صحيح أن فشل تجربة الإخوان في الحكم في مصر وانحسارهم الطوعي في تونس، فرمل المشروع الأميركي الجديد، إلا أنه من المستبعد للغاية أن يعيد عقارب الساعة مجدداً إلى صباح 14 شباط فبراير 1945.
المتغّير الثاني هو بسط امبراطورية العولمة الرأسمالية النيو ليبرالية هيمنتها الكاملة على كل انحاء المعمورة، حاملة معها شروطاً لاتتطابق مع طبيعة الأنظمة السياسية- الإديولوجية الخليجية الراهنة، أبرزها فتح الأبواب والنوافذ أمام التدفقات الثقافية للعولمة، وحكم القانون والشفافية، والاهم تكييف المفاهيم الإسلامية مع متطلبات السوق الليبرالية اقتصادياً وديمقراطيا. وهذا التكيّف هو بالتحديد ماتفعله الآن الإسلامات التركية والماليزية والاندونيسية، وماقد يفعله الاسلام الإيراني إذا ما أبرم "صفقة نيكسونية" مع اميركا، وأيضاً ما تفعله الهندوكية في الهند والطاوية- الكونفوشيووية في الصين، ومافعلته قبلها المسيحية البروتستانتية في الغرب.
المتغيّر الثالث هو بروز ما أسماه المفكر اليميني بريجينسكي ثورة "الشارع السياسي" في العالم، وما أطلق عليه المفكران اليساريان نيغري وهارت "ثورة الجمهور" تيمناً بفكر الفيلسوف سبينوزا، وهي الثورة التي انزلت الجمهور العربي إلى الشوارع، وقد تعيدها إليها في كل لحظة تشعر فيها أن مطالبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لم تتحقق، خاصة في مصر التي تتراقص الأن على شفا "كارثة إنسانية" وفق تعبير فايننشال تايمز.
إلى جانب هذه المتغيرات الكبرى، هناك متغيرات أخرى لاتقل خطورة تتجسد في أزمات الماء والطعام، وتآكل البيئة الطبيعية، وتغيُّر المناخ، والضغوطات الديمغرافية الهائلة مع الطفرة في أعداد الشباب، والعجوزات في البنية الاقتصادية.  وهذه المعطيات تتقاطع مع التهديدات التقليدية المتمثلة في انفجار العديد من الدول العربية، وتفاقم الصراعات الإقليمية في شكل صراع سني- شيعي، وصعود العنف الأصولي، ومخاطر انتشار الأسلحة النووية. كل هذه العوامل تفرض ضغوطاً شديدة  وغير مسبوقة على طبيعة العقد الاجتماعي الراهن في كل الدول العربية، لكن خاصة في دول الخليج.
الآن، إذا مااعترفنا بأن طبيعة المشاكل والتحديات تغيّرت بشكل راديكالي وجذري، نأتي إلى السؤال: أي وعي جديد يجب أن يبرز ليطرح الحلول لهذه المشاكل الجديدة؟
إذا ماكنا نتحدث عن دول الخليج، لكونها الآن في قمرة قيادة المنطقة العربية، فإن أول مايجب أن نعترف به هو أن التغيير الإصلاحي يجب أن يتم على أيدي النخب الحاكمة نفسها، على عكس ماقد يجري في العديد من الدول العربية. لماذا؟ لأن هذه النخب تعتبر جزءاً عضوياً (وفق المفهوم الغرامشي) من البنية القبلية- الاجتماعية الخليجية. وهي حازت من هذا الموقع على شرعية تاريخية تمتد أحياناً إلى قرون عدة، ثم جاءت ثروات النفط لتعزز هذه الشرعية الاجتماعية بالعصبية المالية.
وبالتالي، الصراع في منطقة الخليج الآن ليس بين نخب جديدة تسعى إلى السلطة والثروة وبين نخب قديمة حاكمة، بل في داخل هذه النخب نفسها وفي مدى قدرتها على التأقلم مع المتغيرات. فالبديل هنا لرفض التغيير والتطوير والإصلاح هو تغيير الخرائط، وليس تغيير أنظمة الحكم، تماماً كما يحدث حالياً في سورية.
ثورة الوعي التي يجب أن تحدث من داخل النخب الحاكمة، يُفترض أن تواكب التغيرات الخارجية الكاسحة بسلسلة بسلسلة انتقالات ندّعي بتواضع أنها على النحو الآتي:
أولاً، الانتقال التدريجي من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية، ومن شرعية "الرعايا"، بقيادة عصبية دينية لاتاريخانية، إلى شرعية المواطنة الشاملة وحكم القانون والشفافية والدولة المدنية الحديثة. وهذه كلها، أو معظمها، باتت من شروط العولمة.
ثانياً، الانتقال إلى ثورة روحانية في الإسلام، تمكّن "الاسلام العربي" المُنفتح والمتسامح تاريخياً، والذي تعبّر عنه بشكل رائع الآيات المكّية في القرآن الكريم، من التنافس مع إسلامات تركيا وإيران والإخوان المسلمين والسلفيين الجهاديين وغير الجهاديين. من دون مثل هذه الثورة، سيخسر كل العرب المعركة الكبرى الراهنة لتحديد طبيعة الإسلام الذي سيكون جزءاً من النظام العالمي المتعولم الجديد.
ثالثا، إعادة الاعتبار للهوية العربية، بصفتها أنجع لحمة في داخل المجتمعات العربية التعددية وبين الدول العربية. لكن ليس أي عروبة، بل تلك التي تفيد من كوارث العروبة "الرومانسية" السابقة التي انجبت معظم الديكتاتوريات في المنطقة. عروبة تشبك مجدداً الهوية العربية بالحرية وحقوق الانسان والديمقراطية والتعددية والاعتراف بالهويات القومية الأخرى، وتبث الروح مجددا في جسد النظام الاقليمي العربي المتهالك، أنظمة وشعوبا.
رابعا، الانتقال من منطق "شراء" التحالفات مع الدول العربية الإخرى، كما يُطرح الآن من خلال فكرة التحالف الخليجي مع مصر والمغرب والإردن، إلى منطق الاتحاد والتكامل الحقيقييين لكل الدول العربية. وهذا في إطار برامج محددة لاطلاق طاقات الانتاج والزراعة والصناعة والعلوم والتكنولوجيا، الكفيلة وحدها بمجابهة العاصفة الكاملة من عجوزات الغذاء والماء وانقلابات البيئة والتي تهدد خلال سنوات قليلة بكارثة إنسانية هائلة في المنطقة العربية.
خامساً، وأخيرا، الانتقال العربي إلى مرحلة المبادرات التاريخية الكبرى، من خلال الدعوة إلى وقف الحروب القاتلة بين مكونات الشرق الأوسط التاريخية، والعمل، بدلاً من ذلك، حتى على إقامة كونفيدرالية عربية- تركية- إيرانية- كردية- يهودية على نمط الاتحادين الاوروبي أو السويسري . هذا في الوقت  نفسه الذي يجري فيه العمل على تنويع العلاقات الدولية للمنطقة العربية بما يواكب المتغيرات السريعة في النظام العالمي، خاصة منها تلك المتعلقة بصعود الشرق الآسيوي ومجموعتي العشرين والبريكس إلى قمرة القيادة العالمية.
***
هل هذه الاقتراحات مجرد أضغاث أحلام في ليلة صيف ساخنة؟
أجل!
لكن المفارقة هنا أنه من دون هذه الاحلام، سيعاين العرب (وهم يعانون بالفعل الآن) كابوساً أو حتى كوابيس متصلة قد لاتخطر على بال. فالمنطقة تعيش حالياً في مرحلة شبيهة للغاية بمرحلة الحرب العالمية الأولى التي انهار بعدها الباكس العثماني ونظامه الإقليمي الشرق أوسطي الذي دام نيفاً وأربعة قرون، لتحل مكانه الحروب والفوضى وتقاسم المنطقة العربية بالعدل والقسطاس بين الدول الكبرى.
الآن، كما يقول برنارد لويس في كتابه "الشرق الأوسط (وهذه المرة نحن نؤيده على رغم اختلافنا الكبير مع أفكاره): للمرة الأولى منذ قرنين، يبدو مصير شعوب الشرق الأوسط في يدها. وهي يمكن أن نختار الفوضى والتجزؤ على طريقة يوغوسلافيا أو الصومال، أو الالتقاء والتوحد والتعاون في سلام.
___________
لدينا ملاحظة أخيرة: في غياب الوعي العربي الجديد الذي يجب أن يُطلق مشروعاً حضارياً شاملاً، سيكون العرب على لائحة طعام المأدبة الدولية- الإقليمية الكبرى الراهنة. وعلى رغم أن تركيا وإيران واليهود يبدون حتى الآن على لائحة الضيوف، إلا أن الامر قد لايستمر طويلا. ففي غياب النظام الإقليمي الجديد التعاوني والمسالم، الكل سيكون وقوداً لجهنم المتفجرة الآن في
طول الشرق الأوسط وعرضه، والتي قد تدوم سنوات وحتى عقودا.
________