للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 8 أكتوبر، 2014

أربعة "خلفاء غير راشدين": أبو بكر، علي، رجب، وعبد الله


I
وراء المشهد الذي يبدو فيه ظاهرياً أن ثمة دولاً- أمماً إقليمية حديثة (تركيا، السعودية، إيران) تتصارع على "ملء الفراغ النسبي" الذي خلفته الولايات المتحدة غداة حربي العراق وأفغانستان، ثمة مشهد آخر قد يكون أكثر واقعية وأقرب إلى الحقيقة.
مشهد يظهر فيه أربعة "خلفاء" إسلاميون جدد، يدّعي كلً منهم أنه أمير كل المؤمنين، ويحمل كلٌ منهم عتاده الإيديولوجي والفقهي الذي يُفترض أن يؤهله لحمل صولجان الخلافة، أولاً في الشرق الأوسط الكبير الإسلامي، وربما لاحقاً في بقية أرجاء العالم الإسلامي.
الخليفة الأول، "الشيخ المجاهد أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي الحسيني القرشي"، هو الأوضح والأصرح بين هؤلاء الخلفاء الأربعة. فهو وقف في الجامع الكبير في الموصل ليعلن زعامته على أمة المسلمين بقوة السيف، ونسب آل البيت القرشي، و"الفتوحات" الكاسحة التي حققتها قواته في العراق وسورية.
وعلى رغم أن أبو بكر لم يأت بشيء جديد على صعيد الفقه الإسلامي، خاصة منه فقه إبن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، أي إيديولوجيا المملكة االسعودية نفسها، إلا أنه يريد بناء دولة إسلامية وهابية جديدة "نقية" لا إزدواجية فيها (كما في السعودية) بين الدين والدولة. دولة قروسطية تدير ظهرها بالكامل للعصور الحديثة بكل مضامينها القيمية والاجتماعية والسياسية، ماعدا أعتدة الحرب الحديثة. دولة تيمم وجهها، بالكامل أيضاً، نحو بعث ماضٍ سحيق، يتحكّم فيه الأموات بحياة الأحياء وسلوكياتهم وكل أنماط معيشتهم، وفي مقدمها فرض القيود المطلقة على المرأة، وحقوق الفرد، وبالطبع الحريات الليببرالية.
الخليفة أبو بكر، بهذا المعنى، هو الانبعاث الجديد لحركة الأخوان السعودية الذين تصدى لهم االملك عبد العزيز، بضغط من البريطانيين، بسبب إصرارهم على تطبيق كل تعاليم الوهابية  بحذافيرها، وفي مقدمها تضخيم المسائل الفرعية إلى درجة التكفير واتهامات الفسق، وإعمال السيف في رقاب من يعتبرونه خارجاً عن دعوة التوحيد.  أبو بكر يعيش بعقله وقلبه في أوائل القرن الرابع عشر وأواخر القرن الثامن عشر مع ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، لكن فارق أنه على عكس الأول الذي قال أنه "رجل ملّة لا رجل دولة"، وعلى عكس الثاني الذي وعد محمد بن سعود بأن يكون "إماماٌ يجمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك" إذا اتبع تعاليمه، يريد أن يكون رجل ملّة ودولة في آن. فهل ينجح؟
II
أمامه ثلاث عقبات كأداء: الأولى، أن يُقنع الناس بالتوقف عن مشاهدة التلفزيون وارتياد دور االسينما، وعدم الاستماع إلى الأغاني والموسيقى، ومنع بناتهم من التعليم واخفائهم تحت سطح الأرض إن إمكن، وارتداء الملابس الباكستانية السوداء. وأيضاً إطاعة "أولي الأمر" من مشايخ ومطاوعة من دون نقاش أومساءلة، واعتبار الحريات الشخصية كفراً والديمقراطية زندقة، وقطع كل/وأي علاقة مع "الكافرين" الذين هم كل من يرفض تعاليم تنظيم الدولة الإسلامية، بمن فيهم بالطبع غالبية السنّة "المرتدين" والشيعة والدروز والمسيحيين العرب والغربيين والبوذيين والهندوس والطاويين..ألخ.
بكلمات أوضح: سيكون على الخليفة البغدادي أن يقنع الناس بأنهم يتوهمون أنهم يعيشون في القرن الحادي والعشرين، فيما الحقيقة أنهم موجودون في القرن الرابع عشر على مرأى ومسمع ورقابة شيخ البغدادي الجليل ابن تيمية. وهذه بالتأكيد مهمة شاقة لهذا الخليفة الذي سيّتهم سريعاً بأنه "غير راشد".
االعقبة الثانية تأتي من أصحاب القرار الدولي. وهنا ليس المقصود مغول القرن الرابع عشر الذين واجههم ابن تيمية، بل هكسوس القرن الحادي والعشرين، من أميركا وأوروبا إلى جماعة البريكس (البرازيل، روسيا، الصين، الهند وجنوب إفريقيا) . من دون موافقة هذه الذئاب الحديثة على قيام دولة الخلافة أو على الأقل سكوتهم عنها، ستكون أول خطبة للخليفة البغدادي في الموصل آخر خطبة له أيضا.
العقبة الأخيرة هي وجود الخلفاء الثلاثة الآخرين: علي (أية الله الخامنئي) وعبد الله (الملك السعودي) ورجب طيب (أردوغان)، الذين قد يتوحدون في لحظة ما ضد أبو بكر، على رغم خلافاتهم العميقة.
فهم أيضاً لهم طموحات خليفية (من خليفة) وإن لم تحمل هذا المسمى.
الخليفة أردوغان أفصح عن هذا الطموح عبر خيار العثمانية الجديدة، أو العمق الاستراتيجي لتركيا الذي أفاض داوود أوغلو في التنظير له. كما نشطت مراكز الأبحاث التركية لتسويق الخلافة العثمانية دولياً على أنها صيغة جديدة وحضارية ومتطورة لإسلام متصالح مع الغرب والعصر والديمقراطية.
 هذا الخيار كان يُفترض أن يتجسّد سريعاً على أرض الواقع، لولا أن حلفاءه الإخوان المسلمين في مصر لم يسيئوا التصرف بالسلطة، أو لولا أن الخليفة السعودي لم يتصدى بعنف لمشروعه  الطموح وأعلن الحرب الضروس عليه وعلى حلفائه الإخوان في كل أنحاء المنطقة.
لكن هذه لم تكن نقطة الضعف الوحيدة في مشروع الخلافة العثمانية الجديدة الضمنية. سلوكيات الخليفة رجب في الشؤون الإقليمية، أوحت لكثير من الاتباع المُفترضين في المنطقة بأن هذه الخلافة ليست في الواقع أكثر من طفرة زائدة أخرى في القومية التركية. هذا علاوة على أن الظهير الدولي الرئيس للخلافة العثمانية الجديدة، الولايات المتحدة، ترددت في التدخل لانقاذ المشروع، حين انقضت عليه في مصر السعودية والمؤسسة العسكرية المصرية. وهذا ماحوّل رجب الآن إلى خليفة من دون خلافة.
III

الخليفة الثالث، الملك عبد الله، ليس دخيلاً أو مستجدا كما الباقين على مشروع إمامة المسلمين. فالمملكة السعودية، ومنذ نشأتها على الأسس الوهابية، تعتبر نفسها مركز العالم الإسلامي دينياً، ثم زعيمته السياسية بعد انتاج النفط، ثم قائدته السنّية مع صعود القوة الشيعية في إيران العام 1979. وبالتالي، ما كان يفعله الملك عبد الله طيلة السنوات الأخيرة ليس المطالبة (الضمينة مجددا) بالخلافة، فهي موجودة أصلا، بل الدفاع عنها في وجه منافسيها الجدد. والواقع أنه نجح حتى الآن في تسجيل نقاط عدة لصالحه في هذا المجال، خاصة بعد أن رد نصل الإخوان المسلمين إلى نحرهم في مصر واليمن وبقية الدول العربية.
لكن الخلافة السعودية عرضة الآن إلى الخطر من طرفين: خلافة أبو بكر التي تستقطب العديد من الشبان السعوديين الذين تخرجوا من المدارس الوهابية نفسها في المملكة، الأمر الذي قد يخل على نحو خطير قريباً بالتوازن الدقيق الذي أقامه السعوديون بين الدين والدولة، وبين الدولة والمجتمع. والطرف الثاني هو الولايات المتحدة التي لاتزال تصر على أن المصدر الإيديولوجي لكل الفكر الأصولي المتطرف في العالم الإسلامي هو نفسه الفكر الوهابي، أي الركيزة الشرعية اليتمية للنظام السعودي. وهذا أصلاً مادفع واشنطن إلى محاولة التراجع عن صفقة التحالف التاريخي بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفت العام 1946 (والذي استمر بلا انقطاع حتى أحداث سبتمبر 2001)، واستبداله بالتحالف مع الإخوان المسلمين وتركيا وقطر.
كلا هذين العاملين يأكلان الآن من رصيد الخلافة السعودية ويضعانها في موقف حرج، خاصة في مواجهة الخلافات الأخرى.
خلافة الخليفة الرابع والأخير، أي أية الله علي خامنئي، والذي اعتبر الدستور زعامتها للأمة الإسلامية حصيلة طبيعية لولاية الفقيه، عانت منذ البداية من الهزال بسبب صبغتها الطائفية الشيعية الواضحة والعلنية. وهذا ماجعل كل سياسات إيران المنفتحة على الجماهير السنّية في الشرق الأوسط وعلى  قضية تحرير فلسطين، تصطدم بالعلاقة المختلة حالياً بين الأكثرية السنّية والأقلية الشيعية في العالم.
وجاءت أزمة سورية، التي دعمت فيها إيران الإسلامية، من موقع شيعي صرف، نظاماً قمعياً بالغ العنف ضد شعبه، لتحرم خلافة علي خامنئي من كل المنجزات السابقة الخاصة بمقارعة إسرائيل ودعم القضية الفلسطينية، في الوقت الذي بدأ فيه الاقتصاد الإيراني يتراقص على شفير الهاوية، أساساً بسبب الأكلاف الباهظة لسقطته في سورية.
والحصيلة أن الخليفة خامنئي يقف الآن من دون ورقة توت إيديولوجية ذات صدقية في بلاط الخلافات المتصارعة على زعامة العالم الإسلامي.
* * *
أربعة خلفاء، إذاً، يتنازعون الآن الشرق الأوسط الإسلامي. كل منهم يحمل سيفه الإيديولوجي السماوي الخاص، وأيضاً مشاريعه الأرضية الجيو- سياسية الخاصة. أي: أربع طبعات خلافة إسلامية متناقضة، ومتصارعة، ومتحاربة، لن تسفر في نهاية المطاف سوى عن تأبيد الحروب والانفجارات الأهلية الراهنة، بل ربما حتى أيضاً عن تسديد رصاصة الرحمة إلى صدع الحضارة الإسلامية التي كانت تقود العالم في مرحلة ما في كل مجالات العلم والتكنولوجيا والطب والفلك.. والروحانية الصوفية الرائعة.
حصيلة حزينة حقاً.
سعد محيو





الثلاثاء، 7 أكتوبر، 2014

لماذا تهز ظاهرة داعش العالم، وإلى متى؟


(ينشر هذا المقال أيضاً في موقع "سويس انفو" الالكتروني)
فلندقق معاً في المعطيات الحَدَثِية الآتية، على أن نُتبع ذلك بمحاولة استقراء أبعادها الاستراتيجية:
-         الحكومة الاميركية تعتقد بأن مائة اميركي مسلم يقاتلون الآن في صفوف  تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في سورية والعراق، وهي تشن حملة استخبارية- ثقافية- اجتماعية شاملة في كل أنحاء الولايات المتحدة تكلف عشرات ملايين الدولارات لـ"حماية الشبان الأميركيين المسلمين من تأثيرات الحملات الدعائية الداعشية الناجحة".
-         الأمر نفسه يتكرر في بريطانيا وفرنسا وباقي الدول الأوروبية التي تدفق منها الآلاف إلى معارك الشرق الأوسط، والتي وجدت نفسها مضطرة مع الولايات المتحدة لتحويل جهودها لمنع داعش من جذب الشبان المسلمين إلى قرار دولي ملزم في مجلس الأمن. وهذا تطور نادر الحدوث في العلاقات الدولية.
-         في إفريقيا الشمالية والوسطى بدأت تتوالى الأنباء عن توسع سريع لداعش في هذه المناطق. ففي الجزائر، برز فجأة تنظيم "جند الخلافة" الذي أعلن ولاءه لـ"الدولة الإسلامية" وبات يخوض سريعاً معارك واسعة مع الجيش الجزائري في وسط البلاد وشرقها. وفي ليبيا ونيجيريا والصومال، توقّع وزير الدفاع الأميركي السابق بانيتا أن تنضم فصائل جهادية إسلامية عدة في هذه الدول إلى داعش لتخلق بؤراً عنفية جديدة ومشتركة قد لايكون لها سابق.
-         وفي جنوب آسيا، أعلنت حركة أوزبكستان المسلحة، التي تنشط في أفغانستان وبين القبائل الباكستانية، ولاءها لداعش. كما دعت جماعة "أنصار التوحيد في بلاد الهند"، التي شكلها تنظيم القاعدة مؤخراً، إلى تصعيد العمليات العسكرية ضد كل "الكفار الغربيين والهندوس" رداً على الغارات الأميركية في العراق وسورية. هذا في حين بدا أن داعش، التي تضم مئات المقاتلين الشيشان، بدأت عملياتها في شمال القوقاز وقتلت خمسة رجال شرطة قبل أيام في عملية انتحارية.
-         وفي الأردن، تم اعتقال أكثر من 70 شخصاً شكّلوا "خلايا نائمة" تابعة لداعش، فيما يسود التوتر الشديد معان وباقي مناطق الجنوب الأردني بسبب تصاعد نفوذ داعش هناك. وفي لبنان، يبدو أن داعش والنصرة بدءتا حملة للتوسع في الأراضي اللبنانية، بعد المعارك الأخيرة التي نشبت مع حزب الله في جرود بلدة عرسال. أما في السعودية، فلاتزال الأنباء تتواتر عن توسّع سريع لداعش في صفوف آلاف الشبان السعوديين، خاصة منهم الذين قاتلوا في سورية والعراق ثم عادوا إلى بلادهم.
-         وأخيراً، يتفق العديد من المحللين على القول بأن القمع الشديد الذي تتعرّض إليه جماعة الإخوان المسلمين في مصر، قد يدفع الكثير من شباب الجماعة إلى الانضمام إلى داعش أو على الأقل إلى أن يحذو حذو طريقتها في "الجهاد"، بعد أن أوصدت في طريقهم كل فرص التنافس السلمي والديمقراطي على السلطة. وهم قد يجدون في تنظيم "بيت المقدس" الذي ينشط في صحراء سيناء ملاذاً جهادياً مؤقتاً لهم.
طفرة متوقعة
هذا غيض من فيض مايحدث يومياً في العالمين العربي والإسلامي، وهو كله يبدو في الواقع إرهاصات أولية (وإن سريعة) للانتصارات العسكرية المذهلة التي حققها تنظيم الدولة الاسلامية خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتي خلقت أيضاً ارتباكاً واسع النطاق في واشنطن كان من ضمن تجلياته الأرقام المتضاربة التي أوردتها المؤسسات الأميركية حول حجم تنظيم داعش.
 ففي حين كان مسؤول عسكري أميركي يُبلغ الكونغرس قبل أسبوعين أن أعداد التنظيم وصلت إلى 12 ألف مقاتل، كانت وكالة المخابرات المركزية الأميركية تقول للبيت الأبيض بعدها بأيام أن الأرقام باتت تتراوح بين 20 و33 ألف مقاتل. وهذا التضارب ليس ناجماً عن خلل استخباري، بل لأن التنظيم ينمو بخطى متسارعة.
دوافع هذه الطفرة في شعبية هذا التنظيم الأصولي حديث العهد كانت في الحقيقة متوقعة، بعد أن تمكّن داعش من اكتساح ربع مساحة العراق الشاسعة في غضون خمسة أيام ومارافق ذلك من انهيار الجيش العراقي الضخم أمام حفنة مقاتلين (100 ألف جندي وضابط عراقي تحللوا أمام مئات من مقاتلي داعش في الموصل). ثم تكرار سيناريو الموصل نفسه في مدينة الرمادي يوم الأحد الماضي، ثم دخول قوات داعش مدنية عين العرب (كوباني) الكردية السورية على رغم القصف الجوي الأميركي والمقاومة الكردية.
متشابهات تاريخية
 كل هذا كانت له حتماً مضاعفات كبرى على المناخات النفسية الفكرية والثقافية لأعداد كبيرة من الشبان العرب والمسلمين في كل أنحاء العالم.
الأمر هنا كان شبيهاً بما حدث بعد معركة الكرامة في الأردن العام 1969، حين تمكّنت عناصر المقاومة الفلسطينية من الصمود في وجه جحافل القوات الإسرائيلية المتقدمة. حينذاك، اجتاحت المنطقة موجة حماسية كاسحة، دفعت العديد من الشبان العرب إما إلى المشاركة في عمليات المقاومة الفلسطينية، أو إلى الانضمام إلى صفوف حركة فتح في إطار "استراتيجية حرب الشعب" التي تم الترويج لها في حينه.
وهذا ماحدث أيضاً في أعقاب حرب أفغانستان، حين اعتبر المجاهدون انهم انتصروا على ثاني أكبر دولة عظمى في العالم، ما أطلق العديد من التنظيمات الشبيهة للقاعدة في كل أنحاء العالم.
ثم أن الأمر يشبه النماذج التي قدمتها في الستينيات والسبعينيات حركات حرب الغوار (العصابات) في فيتنام وبقية الهند الصينية وفي كوبا ونيكاراغوا وبقية أميركا اللاتينية، والتي تحوّل فيها الجنرال جياب وأرنستو تشي غيفارا وغيرهما إلى مثل أعلى يُحتذى للكثير من الشبان اليساريين في العالم، بما في ذلك بعض المناطق العربية.
وبالمثل، يبدو أن انتصارات داعش أثارت، وستثير أكثر، موجات مماثلة من الطفرات الجهادية التي إما أنها ضمَّت إلى داعش المزيد من المقاتلين والأنصار، أو شجِّعت الشبان العرب على تشكيل منظمات جهادية، أو (في أضعف الأحوال) توفير بيئة حاضنة للظاهرة الداعشية.
البدايات
 بدايات هذا التطور انطلقت منذ أن أعلنت، على سبيل المثال، كتائب "جنود الحق" التابعة لجبهة النصرة في منطقة البوكمال على الحدود السورية- العراقية مبايعتهم لداعش، على رغم أن تنظيمهم الأم خاض معارك دموية مع داعش في شرق سورية وشمالها أدت حتى الآن إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى من الجانبين. وبالطبع، مثل هذا التطور لم يكن ليحدث، لولا انبهار عناصر النصرة في البوكمال بالفعالية القتالية والتخطيط الاستراتيجي الدقيق لداعش في معارك المحافظات السنّية في العراق.
وفي الوقت نفسه كانت تتواتر أنباء عن أن العديد من المجموعات الإسلامية في طرابلس وعكار(شمال لبنان) وفي معان ( جنوب الأردن) بدأت تفكر بالانضمام إلى داعش أو تقليد أساليبها؛ هذا في حين كشفت السلطات المغربية النقاب عن طفرة في أعداد الشباب الذين يسعون إلى الانضمام إلى معارك العراق وسورية، في أعقاب الأنباء عن انتصارات داعش. والحبل قد يكون على الجرار في مصر وليبيا والسعودية وبقية الدول العربية والإسلامية.
علاوة على ذلك، يبدو أن هذا التنظيم كان يشهد تضخماً في أعداده مع كل مدينة يدخلها في شمال وغرب العراق. فقد ذُكِر أن أعداداً كبيرة (ولكن غير محددة) من المقاتلين السوريين والسعوديين واللبنانيين والشيشان والأوروبيين، بدأوا يتدفقون على العراق عبر المعابر السورية. وفي داخل العراق نفسه، كان داعش يستقبل في صفوفه في يوم واحد 400 عنصر أُطلق سراحهم من سجن الموصل. وقبل ذلك انضم إليه نحو 500  (في تموز/يوليو الماضي) حررهم من سجن أوغريب. وخلال الهجوم الأخير على الموصل، أفرج داعش عن نحو 2500 سجين من معتقل بادوش، يُعتقد ان العديد منهم من الناشطين الجهاديين الذين سينضمون حتماً إلى التنظيم.
داعش الآن سيكون في وضع يمكّنه اجتذاب وتجنيد شبان عرب وأجانب آخرين عديدين يحتاجون  إلى عمل أو إلى هوية دينية واضحة، بعد أن وضع يده على ثروة طائلة في الموصل تقدّر بنحو 500 مليون دولار. وهذه ستضاف إلى الضرائب والخوات وبيع النفط السوري الخام والتبرعات(من أفراد خليجيين أساساً) وعمليات التهريب التي يقوم بها التنظيم في سورية والعراق، والتي تدر عليه مابين 25  إلى 30 مليون دولار شهريا.
ظاهرة باقية
ظاهرة داعش، إذا، مرشحة للتضخم والتصاعد والامتداد في كل أنحاء المنطقة والعالم، خاصة إذا لم تنجح الغارات الجوية الأميركية الحالية واللاحقة في ضعضعة فعاليته الميدانية، خاصة في سورية التي نقل إليها مؤخراً إقساماً كبيرة من المعدات العسكرية والذخائر الموجودة في الموصل (والتي كانت تمثّل ثاني أكبر مستودع من الأسلحة الأميركية للجيش العراقي)، والتي يعارض فيها نظام الأسد، مدعوماً من روسيا وإيران، الغارات على أراضيه التي تشن من دون التنسيق معه.
لكن تقف في وجه هذا التنظيم عقبات لايستهان بها. فسكان المناطق التي اجتاحها، خاصة منهم العشائر، لن يستسيغوا نمط الحياة المتشدد الذي قد يفرضه التنظيم عليهم. ثم أن الصدامات واردة في كل حين بين داعش وبين كلٍ من قوات البعث والعشائر العراقيين في إطار الصراع على الثروة والسلطة، في حال تراجع خطر الشيعة العراقيين والإيرانيين عليهم.
إضافة، وعلى رغم أن بعض القوى الإقليمية تحبذ نتائج التقدم الداعشي طالما أنه يؤدي إلى ضعضعة نفوذ إيران وحلفائها الشيعة في العراق، إلا أن هذه القوى نفسها تعتبر هذا التنظيم خطراً وجودياً عليها، وهي أعلنت عن استعدادها للاشتراك مع قوى إقليمية ودولية أخرى في العمل على تدمير هذا التنظيم ودولة خلافته التي يفترض أن تضم إلى سورية والعراق، الأردن ولبنان، ثم تتمدد في وقت لاحق ليكون مقرها في مكة المكرمة والحجاز.
لكن، وإلى أن يحدث ذلك، سيواصل داعش التحوّل إلى نقطة جذب واستقطاب للشبان "المجاهدين"، وسنسمع قريباً على الأرجح عن امتدادت أكثر لداعش في كل المنطقة والعالم، بفعل المواجهة بينه وبين الولايات المتحدة، خاصة إذا ما فشلت الحرب الأميركية في شل فعالياته العسكرية بطريقة ملموسة.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية تتعلق بالسؤال: هل تريد واشنطن حقاً القضاء نهائياً على هذا التنظيم أم تحجيمه؟
السؤال مهم  ليس فقط بسبب شكوك إيرانية وروسية بأن اميركا تقف وراء صعود هذا التنظيم ( صعوده وليس نشأته المُتهم فيها النظامين السوري والإيراني)، بل أيضاً لأن العديد من المسؤولين الأميركيين يصرحون علناً بأنه لايتعين على واشنطن شن حرب شاملة على داعش "لأنه لايستهدف كما القاعدة الأرض الأميركية بل الأراضي الإسلامية"، وأنه لم يقطع رأس الصحافيين الأميركيين إلا على إثر الغارات الجوية الاميركية عليه.
* * *
على أي حال، ومع غارات أميركية أو من دونها، ظاهرة داعش مرشحة للبقاء فترة غير محددة من الزمن. وسيتملّس تأثيراتها الخطيرة دول بعنيها اكثر من غيرها، قد تكون في مقدمها المملكة السعودية بسبب التناقض الفاقع بين التطابق الإيديولوجي الكامل وبين التباين السياسي- الاستراتيجي بينهما.
ثم أن ظاهرة داعش ستبقى، طالما أن الشبان المسلمين لايجدون مخارج لهم لا في مجالات العمل والحياة الكريمة، ولامتنفساً مقبولاً لأزمة الهوية لديهم، ولا فهماً متقدماً وحضارياً ملموساً للإسلام. وحين تغيب أقلام الاقتراع الحر، لاتبقى سوى ممارسة الحرية عبر أسنّة الرماح.
 سعد محيو- بيروت
________________________





الجمعة، 3 أكتوبر، 2014

"الحل- الحلم": كونفيدرالية عربية- تركية- إيرانية- كردية- يهودية




I
توصّلنا في مقال الأمس إلى الخلاصة الآتية: حاضر المنطقة ومستقبلها القريب كناية عن مسار تفتيتي شامل، و"حروب جديدة" داخلية متواصلة، وغياب آفاق أي تسوية دولية أو إقليمية. وهذا مايعيدنا إلى السؤال الذي طرحناه في بداية هذه السلسلة: علامَ  ستستند حركة "انتفضوا" في ظل مثل هذه المعطيات المعقدة؟
عليها أن تستند إلى مجتمعاتها المدنية أولاً وأخيرا، عبر بلورة مشروعها الإقليمي الخاص القادر على وضعها في قلب التاريخ، بدل أن تكون مجرد كرة تتقاذفها امواج عاتية. وهي قادرة على ذلك.
فكرة هذا المشروع الإقليمي- الشعبي غاية في البساطة وهي تستند إلى التالي: التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط، وفي الصراعات حول النظام العالمي الجديد بين الدول الكبرى، ربطت مصائر شعوب المنطقة، من عرب وإيرانيين وأتراك وأكراد ويهود، بشكل وثيق ومحكم مع بعضها البعض ربما للمرة الأولى منذ انهيار الدولة العثمانية قبل نحو قرن.
هذا التطور الهائل، لا بل الزلزالي في الواقع، يحدث مباشرة أمام أعيننا الآن:
فالحلول للأزمات العربية، خاصة في العراق وسورية ولبنان وفلسطين (وحتى في اليمن)، لم تعد ممكنة من دون توافق تركي- إيراني. وهذا على مستوى الإيديولوجيا (العلاقات السنّية- الشيعية) كما على الصعيد الاستراتيجي (انتقال البلدين من الصراع على تقاسم النفوذ إلى تشاطر المصالح المشتركة والمسؤوليات).
لكن، إذا ماكانت النخب الحاكمة التركية والإيرانية تعتقد أنها تستطيع أن تلعب فوق جثة الرجل العربي المريض، من خلال التنافس على استلحاق أراضيه على طريقة سايكس بيكو ولكن "إسلامية" هذه المرة، فهي مخطئة تماما. لماذا؟ لأن الحرائق المشتعلة الآن في المنطقة العربية ستمتد إن آجلاً أم عاجلاً إلى داخل بلاديهما. إيران، المكوّنة من ستة أعراق، ستكون الضحية الثانية حتماً بعد الضحية العربية. وتركيا، مهما بلغت دولتها المركزية من قوة، لن تبقى، بأكرادها كثيفي العدد (مابين 15-20 مليونا) وعلوييها وسنييها، آمنة. محرقة التفتيت والتفجير ستطال الجميع.
الأكراد باتوا أيضاً في قلب الديناميكيات الجيو- استراتيجية التي تشابكت عناصرها في المنطقة. فمصير كيانهم الذاتي في شمال العراق بات مرتبطاً بمستقبل "غرب كردستان" في سورية، كما في مآل التسويات (أو الحروب) الخاصة بأكراد تركيا، ولاحقاً أكراد إيران الذين يخوضون منذ سنوات حرباً استقالية منخفضة الوتيرة وغير معلنة في مناطقهم .
أما العنصر الخامس في المنطقة، أي اليهود، فهم لن يبقوا طويلاً في الشرق الأوسط الجديد (أي الإسلامي) إلا إذا ما تحوّلوا إلى قوة إيجابية- اندماجية في الاتحاد. عدا ذلك ستجرفهم في نهاية المطاف الحروب الاهلية العربية ومتغيرات النظام الدولي، وسيتعرضون إلى ثاني أكبر دياسبورا في تاريخهم. الدولة الواحدة الفلسطينية- اليهودية الديمقراطية هي الحل الحقيقي النهائي للمسألة اليهودية، على الأقل في العالم الإسلامي، في إطار الكونفيدرالية الجديدة.
III
هذه بعض المعطيات الموضوعية التي يمكن تسند على أساسها المجتمعات المدنية للعناصر الخمسة مشروعها الإقليمي الجديد. لكن هذه المرة مثل هذا المشروع لن يأتي من فوق، كمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الأميركي- الإسرائيلي أو المشروع المتوسطي الأوروبي، بل سينبع (أو يجب أن ينبع)، من تحت، أي من الشعوب ومن مجتمعاتها المدنية. وهذا يمكن في البداية أن يأخذ شكل اتحاد كونفيدرالي، مثلاً تحت مسمى اتحاد الشرق الإسلامي- المسيحي- اليهودي.(*).
II
في ظل هكذا اتحاد، الذي يجب أن يكون ديمقراطياً من ألفه إلى الياء، ستجد كل العناصر حلولاً لمشاكلها بشكل إعجازي. ونقول إعجازي من دون أن نسقط في المبالغة. وهاكم بعض المعطيات التي تؤكد ذلك:
- المشكلة الكردية، التي باتت حجر رحى كل التمخضات الجغرافية والخرائطية (من خريطة) في المنطقة ستجد حلولاً سريعة لها، لأن الأكراد ستكون لهم مصالح ضخمة في هكذا المشروع: الحكم الذاتي في تركيا وإيران وسورية والعراق في إطار الكونفيدرالية، والتواصل بين مناطقهم، والاعتراف بقوميتهم في كل الدول الإقليمية المعنية، والمصالح الاقتصادية الضخمة التي سيجنونها من سوق أوسطي واحد.
- والعرب سيخرجون من نفقين مظلمين إثنين في آن من خلال هذا الاتحاد: النفق الاول موت الدولة- الأمة في كل البلدان تقريباً وعجز التوجهات العروبية والإسلامية عن تقديم بدائل كيانية قابلة للحياة. والنفق الثاني الحروب الأهلية التي قد تستمر لديهم مائة سنة (كما توقع رئيس هيئة الأركان الاسترالي السابق) في غياب المشروع الإقليمي.
والأتراك سيجدون في النهاية هويتهم الضائعة التي لفظتها أوروبا بوحشية، لكن هذه المرة ليس  في صيغة "العثمانية الجديدة" التي هي في الواقع طفرة قومية تركية زائدة وأن كانت بتلوين إسلامي، بل في صيغة اتحاد إقليمي حضاري يعترف بالمساواة والاحترام لباقي العناصر الأربعة الأخرى.
والإيرانيون، الذين يفترض أنهم أدركوا الآن أن مشروعهم الإقليمي، وبسبب نزعته الطائفية الشيعية وهوسه بعودة الإمام المهدي لهم (وليس لكل البشرية)، وأيضاً بسبب عدم توضيح موقع العناصر الأربعة الاخرى في هذا المشروع وتراقص الاقتصاد الإيراني على حافة السقوط بسبب الأكلاف الباهظة لهذا الأخير، محكوم عليه بالفشل أو هو فشل فعلا.
ومن أيضا؟
هناك بالطبع المسيحيون والدروز العرب الذين إما سيختارون كيانات فيدرالية خاصة بهم داخل هذا الكيان الفيدرالي الإقليمي الكبير، أو ينحازون إلى فكرة كونهم طليعة القوى الحديثة المطالبة بتعزيز الديمقراطية والمساواة في المواطنة للجميع.
* * *
هل هذا المشروع قابل للتنفيذ، أم أنه مجرد حلم ليلة صيف؟
إذا كان في مقدور أحد أن يقدم لشعوب المنطقة مخرجاً غير هذا، سنكون سعداء بطيه سريعا. لكن، إذا ما غاب هذا البديل، فدعونا على الأقل نناقش هذه الفكرة، بشرط أن نتذكر أنه حين طرح آباء الاتحاد الأوروبي فكرة الوحدة الجمركية في صناعة الحديد والصلب بين العدوتين التاريخيتين ألمانيا وفرنسا كمدخل لتوحيد القارة، ضحك الكثيرون من هذا الاقتراح ملء الأشداق بصفته هو أيضاً حلم ليلة صيف.
____________
(* ) طرح الزميل أنيس نقاش فكرة إقامة "كونفردرالية مشرقية" في ورقة قدمها إلى حلقة نقاشية عقدها المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق في بيروت في 23- 9-2014. وقد قلت للزميل خلال الندوة أني "اشتغل على هذا الخط نفسه"، لكن لم يتسن لي  الوقت لأقول له أني لا أوافق على أن إيران، ولا بالطبع النظامين السوري والعراقي، كما يعتقد هم المؤهلين لقيادة مثل هذا المشروع التاريخي.

سعد محيو