للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 19 أكتوبر 2012

الأسد فَقَدَ السيطرة "حتى على نظامه"?





- I -
" الوضع كان أعقد بكثير مما اعتقدت القيادتان المدنية والعسكرية السوريتان. ففي حلب، مثلاً، كانتا تتوقعان تحقيق انتصار سريع فيها خلال اسبوعين. لكن يتبّين الآن أن هذا لم يكن صحيحا. ثم أن انتصارها في حي بابا عمرو (في آذار/مارس الماضي) جعلها تظن أن حمص ستسقط كثمرة ناضجة في حضنها، بيد أن المعارك لاتزال مستمرة حتى الآن في العديد من أحياء المدينة".

الأسد بات في حماية الحرس الثوري الإيراني (الصورة من غوغل)

" الآن نعرف أن معركة حلب ستكون طويلة، وأن معركة حمص لم تحسم بعد على رغم التقدم الذي أحرزه الجيش النظامي فيها. وكذا الأمر في دير الزور".
هذا كان جانباً من تحليل تقّدم مؤخراً به  خبير غربي موثوق بالشؤون السورية. وقد أعرب أيضاً عن قناعته بأن الرئيس بشار الأسد وبقية القادة الأمنيين لازالوا متمسكين بضرورة السيطرة على المدن الكبرى، دمشق وحلب وحمص وحماه ودير الزور، وسيواصلون الضغط في هذا الاتجاه".
- II -
ماذا نقرأ من مدلولات في كلام هذا الخبير؟
الكثير.
فإشارته إلى أن النظام السوري يخوض حالياً، وسيواصل خوض، معركة السيطرة على المدن، هو اعتراف واضح وصريح منه بأنه فقد بالفعل ليس فقط القدرة على السيطرة على الأرياف (التي هي معظم مساحة سورية التي تبلغ نحو 180 ألف كيلومتر مربع) بل حتى أيضاً الأمل بإمكان استعادة هذه السيطرة. أما لماذا المدن مهمة بالنسبة إليه، فلأنها تمكِّنه من الادعاء بأنه لايزال يمثِّل السلطة الوطنية والشرعية السيادية الوحيدة في البلاد.
بيد أن هذا (أي السلطة السيادية والوطنية) بات أمراً مشكوكاً فيه للغاية، خاصة بعد أن أكدت معلومات من مصادر موثوقة أن الرئيس بشار الأسد تخلى عن تدابير حمايته التي كانت توفرها أجهزته الأمنية، حتى تلك التي يسيطر عليها أبناء طائفته من العلويين، وبات تحت حراسة عناصر غير محددة العدد من الحرس الثوري الإيراني الذين أرسلوا على عجل، بطلب منه، غداة تفجير خلية إدارة الأزمة التي سقط فيها أربعة من أبرز قادة النظام.
هذا الشرخ الكبير في السيادة السورية على مستوى القيادة، قابله شرخ آخر لايقل خطورة يتمثّل في التدخل الكثيف للروس في كل شاردة وواردة في سورية، من التخطيط للعمليات العسكرية  إلى الإشراف على النشاطات الاستخبارية والاقتصادية وحتى الإدارية في دمشق.
- III -
في مقابل هذه الخلخلة الواضحة في صرح النظام، التي تعني أنه لم يفقد السيطرة على معظم أراضي البلاد بل حتى أيضاً على نفسه، بدأت المعارضة المسلحة تحقق تقدماً ملموساً على جبهات عدة أهمها:
أولاّ، قرب الانتهاء من تدريب وتسليح وتجهيز قوات ضاربة من منشقين عن الجيش النظامي قوامها نحو 20 ألف جندي وضابط، في معسكرات خاصة أقيمت لهذا الغرض بإشراف خبراء أتراك وأميركيين وبريطانيين وفرنسيين وبتمويل قطري- سعودي، في كل من تركيا والأردن . هذه القوات ستكون نواة لجيش سوري جديد سيعاد بناؤه ليس فقط لمنع تشظي البلاد كما حدث في العراق بل أيضاً لدمج أكثر من 400 كتيبة شبه عسكرية تقاتل الأن في كل مكان، ولضرب العناصر الجهادية التي دخلت على خط الثورة السورية من 11 دولة ويقدَّر عددها بالمئات.
ثانياً، نجحت المعارضة المسلحة في إحباط جهود النظام لإعادة السيطرة على المدن، وقد تلجأ قريباً إلى معاودة محاولة السيطرة على بعض أحياء دمشق بعد أن تمكَّنت من إعادة بناء مواقعها في ريفها. كما أنه تستعد لشن هجمات مركزة على مدينة الرقة في الشرق التي حوّلها النظام إلى خط إمدادات أساسي له.
ثالثاً، نجحت المعارضة كذلك في إقامة منطقة عازلة، كأمر واقع، في شمال البلاد على طول الحدود مع تركيا، ولم يبق الآن إلى إضفاء الغطاء الدولي عليها لشل قدرات الجيش النظام الجوية والمدرعة، بهدف تحويلها إلى ملاذ آمن لمئات آلاف اللاجئين السورييين وأيضاً للقوات النظامية التي ينتظر أن تنشق فور الإعلان عن قيام مثل هذه المنطقة.
تطورات دراماتيكية؟
أكيد. لكنها ستصبح أكثر دراماتيكية بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية، بغض النظر عن الفائز فيها. إذ أن الولايات المتحدة ستكون مندفعة إما إلى عقد صفقة لتقاسم السلطة (كوندومنيوم) مع روسيا في سورية كما "أمل" المسؤول السوري الرفيع، أو (في حال تعذر الصفقة) ستعمد إلى رمي ثقلها كاملاً إلى جانب القطاع الذي ترتاح إليه في المعارضة المسلحة السورية، والذي يرجح أن يكون القوة التي يجري بناؤها الآن.
أما لماذا التدخل الأميركي حتمي، على عكس كل توقعات أصحاب نظريات المؤامرة الذين يتحدثون عن "تواطؤ أميركي مع إيران والنظام السوري"، فلسبب بسيط: تغيير نظام دمشق ليس سوى حلقة لا بد من استكمالها من حلقات استراتيجية تغيير كل الأنظمة الشرق الأوسطية التي وُضعت في الولايات المتحدة منذ العام 2001، والتي ترجمت نفسها حتى الآن في مصر وتونس وليبيا واليمن. والعد مستمر.
وسورية لن تكون حتماً استثناءً لهذه القاعدة.

سعد