للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 21 أكتوبر، 2012

حين يصبح رجل المخابرات "بطلاً وشهيدا"




لماذا يشيَّع مليون لبناني رجل المخابرات وسام الحسن، فيما ملايين المواطنين العرب يتظاهرون ويقاتلون ضد أجهزة مخابراتهم؟

- I -
اللبنانيون مع رجال مخابراتهم: لماذا؟ (الصورة من غوغل

ثمة مفارقة كبرى لم يلفت إليها أحد في خضم الانفجارات المتلاحقة في دول الربيع العربي ومحيطها:
فيما تنتفض الشعوب العربية ضد أجهزة مخابراتها التي مارست ضدها أقسى أنواع القمع والاضطهاد ومصادرة الحريات، ينفرد اللبنانيون بالانتفاض مع أجهزة مخابراتهم، ويعيّنون اللواء وسام الحسن الذي اغتيل مؤخراً شهيداً، وبطلاً، يستأهل أن تشن من أجله "ثورة أرز" جديدة.
لماذا هذه المفارقة، وماذا تعني؟
إنها تعني، ببساطة، أن الشعوب العربي ليست ضد أجهزة الأمن بما هي كذلك. فمثل هذه الأجهزة مطلوبة طالما أن البشر لم يتحوّلوا بعد إلى ملائكة، وطالما أن الحَمَلْ لم يسترخ بعد في حضن الذئب. لكن ماهو غير مطلوب هو أن تنقلب أجهزة الأمن على أمن المواطنين، فتسجنهم بدل أن تحميهم، وتقتلهم بدل أن تنقذهم، وتذلهم بدل أن تحفظ كرامتهم وحقوقهم.
هكذا كان دأب أجهزة المخابرات في كل الدول العربية قبل الربيع العربي. وهذا أصلاً مادفع إلى اندلاع ثورات الربيع العربي. لكن في لبنان، كانت مسيرة هذه الأجهزة مختلفة في الآونة الأخيرة: ففرع المعلومات الذي رئسه الحسن حمى اللبنانيين من الكثير من مخططات التفجير الإرهابية، وكشف الكثير من الجواسيس الإسرائيليين، وألقى القبض على العديد من العصابات. أي أنه ببساطة قام بالدور الحقيقي لما يسمى بـثقافة "الأمن الإنساني".
لكن، ما هو هذا النوع من الأمن؟
- II -
أنه ذلك الذي  يتطلب أن يكون المواطن أو الفرد محور الأمن، لا النظام أو الدولة، ويعتبر أن هذا أمر ضروري للغاية للحفاظ على الاستقرار الوطني والإقليمي والعالمي.
برز مفهوم الأمن الإنساني بعد نهاية الحرب الباردة، وكان حصيلة تقاطع جهود قامت بها الفروع العلمية التالية: دراسات التنمية، العلاقات الدولية، الدراسات الاستراتيجية، وحقوق الإنسان. وكان برنامج التنمية للامم المتحدة العام 1994 وتقرير حقوق الإنسان، نقطة تحوّل في مجال الأمن الإنساني، حيث جادلا بأن "الحرية من العوز" و"الحرية من الخوف" لكل الناس هما الطريق الأنجع لمواجهة مشكلة اللاأمن العالمي. والأن، يُدرّس هذا المفهوم في الجامعات كجزء من العلاقات الدولية، والعولمة، ودراسات حقوق الإنسان، لكنه من أسف غائب عن العديد من الأقطار العربية.
تقرير التنمية البشرية العربية للعام 2009 شدّد على أن الأمن الإنساني يوازي التنمية البشرية، وهو ضروري لمخاطبة العجوزات الثلاثة التي تقف حجر عثرة في طريق تحقيق القدرات الإنسانية في الوطن العربي، وهي عجوزات المعرفة، والحرية، و اللامساواة بين الجنسين.(1).
الخطوة الاولى، واللازبة، لتحقيق الأمن الإنساني هي فرض سيادة القانون بهدف ضمان حقوق وحريات الفرد، وحل الصراعات على السلطة بالطرق السلمية. فالوطن العربي يضم الآن نحو 400 مليون نسمة، وهو عدد يُنتظر ان يتضاعف بعد أربعة عقود أي العام 2050. ما يسوده حالياً هو الخروج على القانون، وفقدان حقوق كل المواطنين العرب، خاصة النساء والأطفال وأولئك الذين يعيشون في فقر مدقع. وهكذا فإن نصف سكان العالم العربي لاتُوفّر لهم فرص متساوية وحقوق متساوية، "هذا في حين كان يتوجب ضمان حماية الكرامة الإنسانية لهم من المؤسسات نفسها (أي أجهزة الأمن) التي تحمي أمن الأنظمة". (2).

- III -
الآن، إذا ما أعدنا النظر في سلوك فرع المعلومات اللبناني،  سنجد أنه اقترب بالفعل من تطبيق مفهوم ثقافة الأمن الإنساني.
واليوم، وحين تتابع الشعوب العربية على شاشات التلفزة مليون لبناني وهو يشيعون رجل مخابرات، عليها أن تنظر حولها وتتساءل: هل رجال مخابراتنا يعرفون ثقافة "الأمن الأنساني" هذا، أو حتى يقتربون اقتراباً من مفهومها؟
إذا ما جاء الرد بالنفي، فلا مناص أمام هذه الشعوب من إعلان بدء فصل الربيع لديها.

سعد


1- Human SECURITY IN THE Arab world: Defining A role for Europe>Development Policy Forum, March 9, 2010, p
2- Kodmani and May ZVhartouni- Dubarry: The security sector in Arab Countries: IDS bulletin volume 40, March 200,P2