للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

السبت، 22 سبتمبر 2012

ماذا تفعل قطر في الكويت والإمارات؟





- I -
هل تتدخّل قطر حقاً في الشؤون الداخلية للكويت والإمارات والبحرين؟
في البداية، كان هذا السؤال ينتمي إلى عالم الشائعات. لكن، حين تقدَّم رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم آل ثاني الصفوف لنفي هذه التهم، بدأت الأمور تتخذ منحى آخر. منحى سياسيا جدياً على وجه التحديد.
لماذا؟

لادخان من دون نار في الخليج- الصورة من غوغل- 

لأن النفي يعني أن المسألة انتقلت من كونها "شائعات مغرضة هدفها زرع بذور الفتنة بين دول الخليج" (كما تبرّع للقول صحافي لبناني اليوم) إلى أن تصبح مادة أخذ ورد في السياسة الخارجية لدول الخليج. فليس ثمة دخان من دون نار. ثم، وهنا الأهم، دول الخليج اعتادت أن تجابه الخلافات داخل مجلس التعاون الخليجي بالكتمان. ولذا، مجرد حرص صوت رسمي من قطر على الانتقال من عادة الكتمان إلى عالم البيان، يشي بالفعل بأن وراء الأكمة ما وراءها على صعيد العلاقات الرسمية بين دول الخليج.
ثمة هنا حادثة يذكرها كاتب هذه السطور وقعت بعد أشهر من إندلاع ثورات الربيع العربي. فخلال تنازل طعام الغداء مع سفير قطري لدى دولة خليجية، فوجئنا بالسفير يستشيط غضباً وهو يرى "غارسونات" المطعم يقتربون من الطاولة بشكل متواصل لاستراق السمع. حينها قال السفير بحنق:" هل بلغ الخوف بهم منا إلى درجة تدفعهم إلى مراقبتنا على هذا النحو؟".

- II -
بالطبع، الخوف لاينبع من قيام قطر بتصدير الديمقراطية إلى هذه الدول. فكيف لها ان تصدِّر ما تفتقده هي؟ فاقد الشيء، كما هو معروف، لايعطيه. صحيح أنها دعمت إعلامياً ثورات مصر وتونس، وأرسلت قوات إلى ثوار ليبيا، وترسل الآن أسلحة وأموالاً إلى سورية، لكنها تفعل ذلك إنطلاقاً من ثلاثة دوافع : الأول، رغبة أميرها في توظيف الأموال القطرية الهائلة لتمويل أفضل ماتشتريه النقود من سمعة ونفوذ دبلوماسيين. والثاني (وهو الأهم) أن توجهات الدوحة تبدو في معظم الأحيان سياسة خارجية أميركية بألوان قطرية. والثالث هو الرغبة الشديدة في الحفاظ على استقلالية قطر المنتزعة من الأخ الأكبر السعودي، ولو عنى ذلك الاستعانة بالأخ الأكبر الأميركي. وربما يتمثل هذا، أكثر ما يتمثّل في دعمها لجماعات الإخوان المسلمين على حساب القوى السلفية المدعومة سعوديا.
مايهم دول الخليج الأخرى، خاصة الآن الكويت والإمارات، هو الدافع الثاني، أي كون قطر الجسر الذي تريد عبره الولايات المتحدة نقل رغبات الإصلاح إلى هذه الدول. إذ أن هذه الأخيرة تعي جيداً أن الربيع العربي لم يكن ليزدهر ويطيح بمبارك وبن علي والقذافي وصالح لولا السقاية الأميركية له.
وبما أن دول الخليج غير قادرة على نشر غسيلها الوسخ مع الدولة العظمى التي تشكّل حمايتها الوحيدة من غوائل الطموحات الإيرانية، وقبلها العراقية، فهي ربما اكتشفت أنه من الأفضل تحصين البيت الخليجي عبر محاصرة المنزل القطري فيه.
قد تنجح هذه الدول في ذلك. لكن هذا لن يلغي الحقيقة بأن التغيير والإصلاح في دول الخليج بات بالفعل في صلب جداول الأعمال الدولية، وليس فقط الأميركية. وأبرز دليل "طازج" على ذلك برز بالأمس حين شن مايك بوسنر، مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، حملة عنيفة وغير مسبوقة على حكومة البحرين، متهماً إياها بخرق كل تعهداتها حول الإصلاحات وكبح جماح أجهزة المخابرات ضد شعبها.
- III -


ماذا يعني كل ذلك؟
إنه يؤكد مالم يعد في حاجة إلى تأكيد: الربيع العربي ليس فصلاً عابراً من فصول السنة، بل هو جزء من استراتيجية دولية متكاملة لن تتوقف إلا بعد أن تغيَّر كل بنية الشرق الأوسط. ولن ينفع لوقفها إنفاق مليارات الدولارات في مصر وتونس وغيرها لتمويل سلفيين متطرفين بهدف تقويض عمليات الانتقال إلى الديمقراطية، ولا أيضاً نثر مليارات أخرى لتغطية التناقضات الداخلية في كل دولة خليجية.
وفي هذا السياق، "تدخلات" قطر المفترضة قد لاتكون سوى رأس جبل الجليد المختفي تحت سطح مياه الخليج هذه الأيام.
* * *
كم كان علي عبد الله صالح، الحليف السابق لأميركا، مُحقاً حين قال غداة إعلان "مشروع الحرية" الأميركي في الشرق الأوسط:" ما لم نحلق لأنفسنا سريعاً، سيحلقون لنا".

                                                                                سعد