للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الثلاثاء، 18 سبتمبر، 2012

الشرق الأوسط ينقلب، لكن أميركا لن تنسحب







- I -
يُقال أن رسم الخرائط وإعادة تخيُّل الجغرافيا أمر يأخذ وقتاً، وأحياناً يكون هذا الوقت طويلا.
 ويقول نيقولو ماكيافيلي أن التبدُّل في الحكم يترك الطريق ممهداً أمام وقوع تبدُّل آخر.


 العم سام والادمان على نفط الشرق الأوسط- الكاريكاتور من غوغل- 

نحن الآن أمام هاتين الحالتين معاً في كلٍ من الشرق الأوسط والعالم: فهناك بدء إعادة رسم خرائط وتبدلات راديكالية في أنظمة الحكم المحلية في المنطقة، وهناك تغيرات، وإن بطيئة، في السلطة العالمية. ومع مثل هذه السيولة الدفاقة التي تثيرها هاتين الحالتين، قد يكون أهم ما يمكن أن يقوم به المرء هو الحذر الشديد في القفز إلى استنتاجات، أو حتى الاستعانة بالفلاسفة هيراقليطس وبوذا ولاو تزو كي يتذكَّر بأن لاشيء هذه الدنيا الفانية يبقى على حاله، وأن التغيُّر الدائم هو الثابت الوحيد في الوجود!
لقد خلط الربيع العربي كل الأوراق بعنف في المنطقة كما في العالم. فكما أنه جاء، في بعض جوانبه، نتيجة لتغيّر الاستراتيجيات الدولية إزاء أنظمة المنطقة غداة 11 أيلول/سبتمبر 2001، كذلك هو أثّر على العلاقات الدولية. فالتناغم المفترض للنظام العالمي في مجموعة الثمانية ومجموعة العشرين ومجلس الأمن، أسفر مع الربيع العربي عن تباينات في المواقف ترجمت نفسها في نهاية المطاف في شلل مجلس الأمن للمرة الأولى منذ الحرب الباردة.
هذا التطور حفز المعسكر الإيراني- السوري- حزب الله على القفز إلى استتناجات متسرعة قوامها أن العالم انقسم نهائياً إلى معسكرين متناحرين، وأن هذا سيجعل معسكر الممانعة والمقاومة ينتصر في الشرق الأوسط، بدعم من روسيا، وسيحمل أميركا على الانسحاب سريعاً من المنطقة.
لكن هذا كان كما قلنا كان استنتاجا متسرعا: فلا شمس أميركا ستغيب قبل عقد او حتى عقدين من الآن، (إلا أذا حدث انهيار مالي ضخم ومفاجىء في وول ستريت على غرار كساد 1929)،  ولاروسيا قادرة وحدها على تحدي، أو منافسة، أو مقارعة، القوة العظمى الأميركية. ولا هي حتى تريد ذلك. هذا في حين أن الصين لاتزال تمارس سياسة "الصبر التاريخي" حتى إشعار آخر قد لايطل برأسه قبل العام 2025 حين ستصبح أكبر اقتصاد في العالم.
- II -
هذه الحقائق كانت حاضرة بقوة خلال الانتخابات الأميركية، على رغم كل الضجيج الذي أثاره المرشح الجمهوري رومني غداة الهجمات في الشرق الأوسط على السفارات الأميركية، واتهم خلاله الرئيس أوباما بـ" الضعف وتشجيع التطرف الإسلامي".
فلا أحد في الحزب الجمهوري، عدا جناح صغير يمثله المرشح لنائب الرئيس رون بول، يريد أن تنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط لتعود إلى عزلتها. الأجنحة الرئيسة في هذا الحزب إما ميالة إلى تيار المحافظين الجدد الذين يمثلهم السيناتور جون ماكين، والذي دعم إطاحة الرئيس مبارك والقصف الجوي في ليبيا وهو الآن يؤيد ضرب إيران ويدعم تسليح المعارضة السورية، أو إلى التيار الواقعي الذي يأسف لرحيل مبارك، لكنه يتعاطف مع مشاعر أوباما المتعبة من الحروب الخاسرة في العراق وأفغانستان.
والحصيلة؟
إنها واضحة.
مهما حدث في الشرق الأوسط، فأميركا لن تكون في وارد الانسحاب من الشرق الأوسط، ليس فقط لاعتبارات نفطية وإسرائيلية، بل أيضاً لأسباب جيو- استراتيجية تتعلق بالسيطرة على قارة أوراسيا التي يستطيع من يهيمن عليها إحكام قبضته على كل العالم.
ومهما كان نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية، لا أوباما ولا رومني سيغيران دفة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط: من الانخراط والانغماس إلى التقوقع والانسحاب، على رغم أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تدير ظهرها رويداً رويداً للمحيط الأطلسي وتيمم وجهها نحو حوض الباسيفيك- آسيا. فالتوجه الشرق أوسطي الأميركي لن يتغيَّر، ليس على الأقل قبل عقد أو عقدين من الآن، كما أسلفنا، وحتماً ليس قبل نضوب آخر قطرة نفط في المنطقة، وبقاء ولو يهودي واحد في فلسطين.
- III -
إذن، ثمة بالفعل رسم خرائط وإعادة تخيُّل الجغرافيا في الشرق الأوسط وعلى مستوى السلطة العالمية، إلا أن هاتين العمليتين تسيران ببطىء وتؤدة وتنتميان إلى المستقبل أكثر من انتمائهما إلى الحاضر.
ومن يراهن على غير ذلك، كما تفعل الآن بعض الرؤوس الحامية في إيران وسورية- الأسد وفي بعض الأحيان بعض الأجنحة الروسية غير الصبورة و"المستعجلة تاريخيا"، يكون كمن يبحث عن قط أسود في غرفة مظلمة، فيما القط غير موجود أصلاً في الغرفة!

                                                                     سعد