للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 7 سبتمبر، 2012

بريجينسكي: فوضى عالمية "حين" تنهار أميركا




عرض لكتاب بريجنسكي الجديد: "رؤية استراتيجية"(2)
فوضى عالمية "حين" تنهار أميركا

عرضنا في الحلقة الأولى مخاطر انزلاق الولايات المتحدة إلى مرحلة الانحدار والأفول، كنا يراها زبغنيو بريجينسكي في كتابه "رؤية استراتيجية" (*). وفي هذه الحلقة، سنتطرق إلى رؤية الكاتب للمشهد الدولي في مرحلة الانحدار هذه التي يتوقعها بعد العام 2025، أو إذا ما حصل انهيار مالي وكساد اقتصادي مفاجئين في أميركا.


- 1-
يعتقد بريجينسكي، بداية، أن الفوضى الدولية ستكون هي البديل في حال انحدرت أميركا، لأنه لن يكون ثمة قوة عظمى قادرة على أن تحل مكانها كناظم للأمن الدولي ومدير للاقتصاد العالمي.

 - قارة أوراسيا-  غوغل


بيد أن هذا لايمنع أن قوى كبرى من الدرجة الثانية (على غرار روسيا والهند والبرازيل وبعض الدول الأوروبية الغربية) بدأت بالفعل تعيد النظر في أجنداتها وتخطيطاتها في السياسة الخارجية. لا بل بدأ بعضها ينتقل في هذا المجال من التخطيط إلى التنفيذ:
- فاليابانيون، على سبيل المثال، بدأوا يفكرون بإقامة روابط أوثق مع أوروبا.
- والهند واليابان تدرسان بلورة تعاون استراتيجي عسكري بينهما.
- وروسيا تعد الخطط لإعادة الهيمنة على مناطق الاتحاد السوفييتي السابق، وربما أيضاً على بعض دول أوروبا الوسطى (الشرقية).
- وأوروبا المتشظية هذه الأيام تشهد اندفاعة من دولها الرئيسة في هذا الاتجاه. فألمانيا وإيطاليا تغازلان روسيا لأهداف اقتصادية في الدرجة الأولى (احتكار عملية تحديث الجغرافيا الروسية الشاسعة) واستراتيجية في الدرجة الثانية. وبريطانيا تخطط للابتعاد عن البر الأوروبي والاقتراب أكثر من الشواطيء الأطلسية الأميركية.
- وتركيا تمد خيوطها وخطوطها نحو أراضي امبراطوريتها العثمانية السابقة (في إطار عثمانية  إسلامية جديدة، ديمقراطية وليبرالية هذه المرة)، فيما البرازيل تتمم وجهها صوب جنوب نصف الكرة الغربي.
أما الصين، وعلى الرغم من أنه ستصبح أكبر اقتصاد في العالم العام 2025 (في حال استمرت وتائر نموها الراهن)، فهي لاتزال حتى الآن تمارس سياسة "الصبر التاريخي"، بانتظار أن تسقط  ثمرة الزعامة الأميركية في حضنها.

                                        - II -
بيد أن ماسيتحكَّم بكل هذه التطورات، برأي بريجنسكي، ليس "التناغم الدولي" الذي تطرحه الصين الآن كإديولوجيا لسياستها الخارجية (إنطلاقاً من فلسفات التاو وبوذا وكونفوشيوس)، بل الصراعات القومية العنيفة بين كل هذه الدول الصاعدة، على الموارد الطبيعية (النفط والماء أساسا)، والهيمنة الإقليمية، والدور العالمي. لا بل لايستبعد الكاتب نشوب حروب مدمرة بين الصين والهند واليابان، على غرار الحروب الانتحارية التي وقعت في لججها الدول القومية الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين وأدّت إلى انحدار أوروبا التاريخي.

من هذه الصورة القاتمة، يستخرج بريجنسكي صورة زاهية لأميركا بوصفها القوة الوحيدة القادرة على إعادة التوازن إلى الفوضى العالمية المفترضة. بيد أنه يضع لذلك شرطين لازبين، هما في الوقت نفسه شرطا إنقاذ الولايات المتحدة نفسها من حالة الانحدار الراهنة:
أولاً، إصلاحات مالية واقتصادية وسياسية عميقة، وفورية، وحاسمة، تُنقذ أميركا من المصير السوفييتي المحتوم(أي الانهيار) في حال لم تقم بهذه الاصلاحات، وتُعيد البريق والجاذبية العالميين لنموذجها الاقتصادي- السياسي (الحلم الأميركي).
ثانياً استراتيجية عليا جديدة لقارة أوراسيا (التي يحكم من يسيطر عليها العالم، كما يرى ماكيندر) تقوم على التالي: إقامة "غرب أكبر" من خلال ضم روسيا وتركيا إلى الاتحاد الأوروبي ومن ثَمَ إلى التحالف الأطلسي العام، وقيام أميركا بلعبة توازن دقيقة في الشرق الآسيوي عبر التحوُّل إلى "حَكَمْ" بين القوى الآسيوية الكبرى الثلاث الصين والهند واليابان، بما يجعل هذه القوى، أو معظمها، معتمدة إما على القوة الأميركية أو على الدبلوماسية الأميركية.

- III -
رؤية استراتيجية حكيمة؟
حتما. لكن دونها صعاب تكاد لاتُحصى، في طليعتها مدى قدرة النظام السياسي الأميركي، الذي باتت تُسيطر على معظم مرافقه رأسمالية الكازينو والمضاربات المالية، على إحداث إصلاحات جذرية ونوعية وشاملة  قبل أن تنفجر أميركا من داخلها ( Implosion) كما يحذٍّر بريجنسكي، وأيضاً قدرة واشنطن على إقناع ألمانيا وفرنسا على القفز فوق عواطفهما القومية ومصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية الضيقة لتسهيل دمج روسيا وتركيا في كلٍ من الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي. هذا ناهيك عن مدى قدرة النظام الروسي نفسه على تلبية شروط هذا الاتحاد في مجال تبنّي الديمقراطية الليبرالية، وعلى قبول التحوُّل إلى دولة "طبيعية" في أوروبا.
وهذه كلها، كما هو واضح، ربما تحتاج إلى أبطال الفيلم الخيالي الشهير مهمة مستحيلة (Mission Impossible ) لتحقيقها!.
ماذا الآن عن مصير الشرق الأوسط في هذه اللوحة البريجنسكية؟
                                                                        (غداً نتابع)
                                                                          سعد

(*) Zbigniew Brezeninski: Strategic Vision- America and the crisis of global power.Basic books, New York 2012.208 pages.