للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 2 سبتمبر 2012

جنوب اليمن: ثاني "قنبلة موقوتة" في وجه السعودية




- I -
عاد "الحراك" في جنوب اليمن ليهدد بـ"تحريك" كل الصراعات الإقليمية في منطقة الخليج، بعد أن بدا لفترة قصيرة أن مبادرة السعودية نجحت في تحييد الأزمة اليمنية، على الأقل في أبعادها وامتدادتها الخليجية.
وجه الخطورة بالنسبة إلى دول الخليج، وخاصة منها السعودية بسبب الاعتبارات الجيو- سياسية، يتمثّل في أمرين إثنين:

قادة جنوب اليمن السابقين-  غوغل- 

 الأول، أن تنظيم القاعدة التقط في وقت مبكّر الفرصة التي توفٍّرها تظلمات الجنوب من حكم الشمال في عهد علي صالح، فسارع إلى إعلان دعمه للمطالب بإقامة دولة جنوبية مستقلة (شريطة أن تكون إسلامية بالطبع، أي بإشرافه).
والثاني، أن فشل حكومة صنعاء الجديدة في إيجاد حل جذري لمشكلة الجنوب، بما يتعدى "دبلوماسية الاعتذار" التي تمارسها الآن ليصل إلى الجوهر الحقيقي لهذه المشكلة، وهي رغبة الجنوبيين الحقيقية في كيان سياسي يتمتع بالحكم الذاتي أو المركزية اللاإدارية الواسعة (التي ظلت لعقود وعداً لايتحقق من جانب صنعاء)، سيفتح بطن اليمن ومنطقة الخليج مجددا أمام مباضع الاختراقات والتدخلات الإقليمية والدولية.
المسألة في حاجة إلى قرار شجاع من صنعاء، ومن ورائها داعميها الخليجيين، لإعادة نظر شاملة في التركيبة الدستورية للدولة اليمنية: من المركزية الحادة التي لم تُترجم نفسها سوى بـ"سلبطة" الشمال على الجنوب، إلى نوع من أنواع الفيدرالية أو اللامركزية الواسعة. وهي إذا ما فعلت ذلك، ستكون في حالة رقصة فالز ثنائية مُنسجمة مع التاريخ.
كيف؟
- II -
يتعيّن الاعتراف هنا أن اليمنيين  نادراً ما كانوا في التاريخ  مُوحدين تحت حكم مشترك. فقد خلقت جغرافية البلاد - جبال شاهقة في الغرب حول العاصمة صنعاء، وصحراء داخلية واسعة، ونظام أودية رائع في الشرق معروف باسم وادي حضرموت - الانقسامات في عصور ماقبل الإسلامي. وفي العهد الإسلامي ظهرت مدارس دينية وأنظمة حكم متميزة. وقد هيمن الزيديون على الهضبة الجبلية الغربية، وأسسوا نظام الإمامة في نهاية المطاف. أما الشافعية، وهم من أتباع المذهب السني الرئيسي في الإسلام، فقد انتشروا على طول البحر الأحمر والمناطق المنخفضة إلى الجنوب من صنعاء. أبقت الجغرافيا أهل السنة والشيعة منفصلين، وحالت دون وقوع الكثير من الصراعات بين الجماعتين. لكن اليمنيين طوروا قدراً أكبر من التكيُّف من بقية المسلمين في أي مكان آخر، ولذا تعايش الزيديون والشوافع عندما تداخلت حياتهم.

نشأ تقسيم اليمن بين شمال وجنوب من معاهدة بين بريطانيا والإمبراطورية العثمانية في العام 1904. بعد الحرب العالمية الأولى، حل إمام زيدي محل العثمانيين في الشمال، ولكن الشافعية الجنوبيين رفضوا قبوله كزعيم ديني، وبدلاً من ذلك عززوا تحالفاتهم مع البريطانيين.
هذا الوضع المستقر والراكد نسبياً، انقلب رأساً على عقب في الستينيات. في العام 1962، أعقبت حرب أهلية طويلة انقلاباً عسكرياً قام به ضباط قوميون عرب في الشمال مؤيدون لعبدالناصر. وكانت تسوية الصراع في العام 1967 مؤشراً على ميل محافظ إلى النخب الزيدية في المرتفعات وشيوخ القبائل، الذين لايزالون مهيمنين في البلاد اليوم. استمرت الاضطرابات في الشمال طوال سنوات السبعينيات والثمانينيات، مع حركة تمرد مسلح وسط البلاد، وهي منطقة شافعية عموماً تمتد داخلياً من الجبال القريبة من البحر الأحمر إلى مدينتي إب وتعز في منتصف الطريق بين صنعاء وعدن. هذا التمرد كان مدعوما من جنوب اليمن، والذي كان قد حصل على استقلاله عن بريطانيا في 30 تشرين الثاني / نوفمبر 1967، بعد حرب عصابات طويلة بدأت في العام 1963. جاء الماركسيون إلى السلطة في الجنوب في العام 1969، وكان النظام الجديد قلقاً إزاء التحزب الجهوي حتى أنه توقف عن استخدام الأسماء الجهوية، واعتمد نظاماً عددياً للمحافظات (من "واحد" إلى "ستة") والمناطق الفرعية. لكن الانقسامات استمرت في الجنوب كما في الشمال.
- III -
هذا عن التاريخ البعيد. أما التاريخ القريب فيشير إلى أن توحيد اليمن في العام 1990 فشل في خلق رباط وطني بين الشماليين والجنوبيين. بدلاً من ذلك كشفت عملية التوحيد عن انقساماتهم، ما دعا إلى التساؤل عما إذا كان الشعب يشكِّل بالفعل شعباً واحدا، بذكريات اجتماعية وثقافية واحدة.
قد تكون فكرة التحوُّل من دولة بسيطة (بالمعنى الدستوري، أي واحدة) إلى دولة مركّبة، ممجوجة أو حتى مُقلقة للوطنيين والقوميين اليمنيين، لكنها حتماً أفضل بما لايقاس من تحوُّل الحراك الجنوبي إلى حراك عنفي، يكون مدخلاً إلى الانفصال الكامل والفراق النهائي بين شطري البلاد، فضلاً عن كونها وصفة ممتازة لخطر تمديد اللاإستقرار إلى باقي بلدان دول الخليج، وبأكثر بكثير مما يتخيَّل قادة هذه الدول.

                                                                                        سعد



.