للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الثلاثاء، 11 سبتمبر، 2012

تظاهرة الرياض: أول غيث يقظة سياسية سعودية؟



- I -
من نصدِّق في السعودية؟
النظام الذي يقول أنه لايوجد معتقلون سياسيون في المملكة، وأنه في العام الماضي تمت محاكمة 5080 شخصاً من أصل 5700 أوقفوا بتهم أمنية (لا سياسية)؟ أم المعارضة التي تؤكد أن هناك عشرات آلاف المعتقلين السياسيين؟
تظاهرة الرياض- الصورة من غوغل- 



التظاهرات قد تكون أصدق أنباء من كتب البيانات. فالمحتجون الشجعان الخمسون، ومن بينهم لربما لأول مرة ثماني نساء، الذين وقفوا أمس الأول بصمت جليل ومُعبٍّر أمام مكتب المدعي العام في الرياض، تشي بأن المعارضة مُحقة. فكل هؤلاء قالوا أن أبناءهم وذويهم إما يرقدون في غياهب السجون منذ سنوات، أو أنه أجريت لهم "محاكمات سرية" من دون أن يسمح لأي منهم باختيار محاميه، ثم أعيدوا إلى السجن ليلبثوا هناك سنوات من دون النطق بالحكم.
ثم أن منظمة حقوق الإنسان الدولية "هيومن رايتس ووتش" أكدت في تقارير عدة مؤخراً أن الحكومة السعودية "تضاعف جهودها لمعاقبة كل من يتجرأ على المطالبة بالديمقراطية والاصلاحات الخاصة بحقوق الإنسان. وبدلاً من الاعتقالات التعسفية لفترات طويلة وحظر السفر، يتعيّن على السلطات السعودية أن تحترم الحقوق الأساسية للإنسان بما في ذلك حق التعبير والتنقُّل".

- II -
في الواقع أن هذه "المضاعفة للجهود العقابية"،  تترافق منذ فترة غير قصيرة مع صعود نفوذ أجهزة الأمن والمخابرات السعودية إلى ذروته، ليس فقط بعد بروز ظاهرة الإرهاب القاعدي بل قبله بكثير، حيث باتت النخبة الحاكمة معتمدة أكثر من أي وقت مضى على أجهزة الأمن المتوسّعة. وهكذا بلغت موازنة الأجهزة الأمنية السعودية 5،5 بليون دولار في العام 2003، أي نحو ثلث موازنة الدفاع، ثم ازدادت بنسبة 50 في المئة العام 2004. أما في العام 2010 فليس من المعروف بعد الزيادات التي طرأت على هذه الموازنة بسبب استمرار طوق السرية التامة حولها، لكن كل المؤشرات تدل على أنها شهدت قفزات نوعية مماثلة.
صحيح أن الحرس الوطني والجيش، لازالا يحتفظان بسطوة واضحة، إلا أن أجهزة الأمن رأت دورها وأعدادها تتزايد بشكل هائل خاصة خلال العقد الماضي، مما زاد العلاقة تعقيداً وتشابكاً بين المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية. وهكذا، بات لقطاع الأمن مدارسه الخاصة، وكلياته الخاصة، وتعليمه العالي الخاص، والخدمات الاجتماعية التي تعطيه استقلالية ذاتية تساهم في زرع "ثقافة خاصة للأمن" تشكّل عقبة كبرى وحقيقية أمام أي إصلاح.
السلطة السياسية باتت بالفعل في العقود الثلاث الأخيرة، وإلى حد كبير نسبياً، في عهدة أجهزة المخابرات، أو بقيادتها، أو هي واقعة تحت تأثيرها. وهذه الأجهزة ما انفكت منذ ذلك الحين تلعب  دوراً يشبه دور النخب التوتاليتارية في أنظمة الحزب الواحد، والذي يستند إلى السيطرة السياسية على الدولة والقوات المسلحة من قِبَل نظام حزبي سلطوي واحد. القوات المسلحة هنا تدين بالولاء للنخبة التوتاليتارية (إقرأ هنا أجهزة المخابرات) لأنها تضع موارد اقتصادية كبرى بتصرفه، فيما تكون السيطرة السياسية للأجهزة السرّية التي تتغلغل في الجيش وتدير عملية تعيين الضباط أو ترقيتهم أو عزلهم.
علاوة على ذلك، لم تعد الأجهزة الأمنية تقصر نشاطاتها على الأمن أو السيطرة الأمنية، بل باتت تمدد "هيمنتها" من المجتمع السياسي إلى المجتمع المدني: إلى الإعلام والثقافة، والسينما والمسرح، والنقابات والاقتصاد، وتخلق ما يسميه أحد الباحثين "ثقافة الأمن" في المجتمعات العربية.
وهنا نستذكر مقولة أنطونيو غرامشي بأن "أي طبقة ترغب في السيطرة في ظل الظروف الحديثة، عليها أن تتحرّك إلى ما هو أبعد من مصالحها الاقتصادية الضيّقة لتمارس قيادة فكرية وأخلاقية، ولتبرم تحالفات وتسويات مع مختلف القوى لتشكّل الكتلة التاريخية".
ويقول أنصار الإصلاح الديموقراطي في الوطن العربي أن "الدور المركزي للشرطة السرية في كل بلد عربي، مع قدراته الخفية والأخطبوطية، أصبح الآن اكبر العوائق في وجه الإصلاح. ففي العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، وفيما كان القادة العسكريون يخمدون ويخنقون الحياة الديموقراطية، أصبحت أجهزة الامن قانوناً بذاتها".
والحل؟

- III -
أنه يبدأ بضرورة المطالبة بوقف زحف الأجهزة الأمنية على كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية، وإدخال إصلاحات تركِّز على التالي:
أولاً، العمل على تغيير مفهوم "ثقافة الأمن" السائدة حالياً في السعودية وباقي منطقة الخليج عبر طرح السؤال التالي: من الفئات التي يجري ضمان أمنها حالياً وما نسبتها من عدد السكان، ومن الفئات الاجتماعية التي يحتاج أمنها إلى ضمانات؟ في الوقت الراهن، لاتزال ثقافة "الأمن الخشن"، (Hard Security)  أي الذي تُستخدم فيه أساليب قمعية وعنفية شديدة، هي المُهيمنة بسبب انسداد التطور الديموقراطي.
إصلاح الثقافة هنا يتطلب سد الفجوة الهائلة الحالية بين أمن الحكام والمحكومين، وبين أمن النظام والدولة، وبين أمن المواطن والمجتمع. وهذا يمكن أن يتم عبر الإعلاء من شأن ثقافة الأمن الإنساني" Human security " وموازنتها مع مفهوم "الأمن القومي او الوطني". هذه الثقافة تتطلب أن يكون المواطن او الفرد محور الأمن لا النظام أو الدولة، وتعتبر أن هذا أمر ضروري للغاية للحفاظ على الاستقرار الوطني والإقليمي والعالمي.
برز مفهوم الأمن الإنساني بعد نهاية الحرب الباردة، وكان حصيلة تقاطع جهود قامت بها الفروع العلمية التالية: دراسات التنمية، العلاقات الدولية، الدراسات الاستراتيجية، وحقوق الإنسان. وكان برنامج التنمية للامم المتحدة العام 1994 وتقرير حقوق الإنسان نقطة تحوّل في مجال الأمن الإنساني، حيث جادلا بأن "الحرية من العوز" و"الحرية من الخوف" لكل الناس هما الطريق الأنجع لمواجهة مشكلة اللاأمن العالمي. والأن، يُدرّس هذا المفهوم في الجامعات كجزء من العلاقات الدولية، والعولمة، ودراسات حقوق الإنسان، لكنه من أسف غائب عن العديد من الأقطار العربية.
تقرير التنمية البشرية العربية للعام 2009 شدّد على أن الأمن الإنساني يوازي التنمية البشرية، وهو ضروري لمخاطبة العجوزات الثلاثة التي تقف حجر عثرة في طريق تحقيق القدرات الإنسانية في الوطن العربي، وهي عجوزات المعرفة، والحرية، واللامساواة بين الجنسين.
الخطوة الاولى، واللازبة، لتحقيق الأمن الإنساني هي فرض سيادة القانون بهدف ضمان حقوق وحريات الفرد، وحل الصراعات على السلطة بالطرق السلمية.
الآن، إذا ما استخدمنا المعايير المذكورة أعلاه (الأمن الإنساني، التحرر من الخوف، وقف إطلاق العنان لأجهزة المخابرات خارج نطاق القانون)، سنكتشف سريعاً أن المملكة السعودية تعاني من عجوزات في كل هذه المجالات. وتغطية هذه العجوزات بالاستناد إلى تبرير  مكافحة الإرهاب أو تطبيق الشريعة وفق ماتشتهي مصالح الحكَّام، لم يعد يقنع معظم المواطنين السعوديين.
الدليل؟
إنها المظاهرة الخمسينية الشجاعة في الرياض، وقبلها تظاهرة المعلمين العاطلين عن العمل في الرياض أيضاً العام 2011، واحتجاجات سكان جدة على فضيحة الفيضانات التي ضربت المدينة، وتظاهرة أقارب المعتقلين في شباط/فبراير وحزيران/يونية من العام الماضي، والتظاهرات المتواصلة في المنطقة الشرقية. هذا فضلاً عن "انتفاضة" آلاف الطالبات في جامعة أبها في آذار/مارس الماضي، وجهود بعض النساء المقدامات لكسر القيد القروسطي الذي يمنعهن من قيادة السيارات.
قد تبدو كل هذه التطورات حدثاً هامشياً في أي بلد في العالم. لكنها في القلعة السعودية المُغلقة بإحكام والسرّية بالكامل، تعتبر حدثاً جللا. إذ هي قد تكون أول غيث يقظة سياسية  لامفر منها، في بلد يعاني بحدة وألم من انفصام شخصية (شيزوفيرانيا) خانق بين منتهى العصرنة والحداثة وبين منتهى الجمود والانغلاق القروسطي.

                                                                             سعد