للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2012

هل جُنَّ بشار الأسد؟



- I -
أخطر ماحمله الأخضر الإبراهيمي إلى مجلس الأمن هو قوله أنه "يشعر بالاحباط مما سمعه من الرئيس بشار الأسد" خلال وجوده في دمشق الأسبوع الماضي. إذ هو اكتشف أن هذا الأخير "لايزال مقتنعاً أن وسعه عبر استخدام القوة العسكرية أن يعيد سورية إلى الأوضاع التي كانت عليها قبل اندلاع الثورة الراهنة".

بشار- حافظ: 

البعض قد يسمي ذلك جنونا، جنوناً مطبقاً على وجه التحديد. وهذا صحيح في جانب منه، حيث بات واضحاً أن الأسد تلبَّس بالكامل دورين في آن: دور الجنرال نابليون الذي آمن هو الآخر أن عبقريته العسكرية قادرة على اجتراح المعجزات المستحيلة، ودور المصاب بمرض الأرتياب الذي يظن أن كل مايجري حوله مؤامرات تستهدف "أناه" (Ego ) المتضخمة إلى درجة الانتفاخ.
لكن، وإلى جانب سورة الجنون هذه، ثمة قناعة يبدو أن الأسد يتقاسمها مع باقي جنرالات الحرب المحيطين به، وهي أن القمع والتدمير سيكونا قادرين في نهاية المطاف على إعادة السوريين إلى قفص الخوف والرضوخ. وهي "حكمة" ورثوها من الرئيس السابق حافظ الأسد وأثبتت نجاعتها طيلة نيف و40 عاما.
- II -
حين وصل بشار الأسد إلى سدة الرئاسة العام 2000، بنى الكثيرون في داخل سوريا وخارجها كبار الآمال بأن هذا الرئيس الشاب سيحقق وعوده الإصلاحية والتحديثية وسيسمح لـ"ربيع دمشق"، الذي انطلق في عهده في ذلك الوقت، بأن يتطوّر إلى فصل دائم من الانفتاح والتعددية أو شبه السلطوية على الأقل. لكن ماحدث طيلة السنوات الـ11 التي تلت ذلك كانت  مزيداً من الانغلاق السياسي، فيما صبَّ "الانفتاح" الاقتصادي النيو- ليبرالي في جيوب نخب صغيرة محدودة عائلية وعشائرية ومدينية، ولغير صالح قطاعات واسعة من الريف والطبقة الوسطى والفئات الفقيرة.
كل هذه التطورات، ماعدا ربما بعض الإصلاحات النيوليبرالية، اعتُبرت ترجمة دقيقة لـ"كتاب السلطة" الذي ألَّفه الرئيس الراحل حافظ الأسد على مدى ثلاثة عقود، والذي ظن سدنة النظام بأنه يبدأ وينتهي، كما قلنا، بجملة واحدة: القمع وضبط إبقاع المجتمع عبر الخوف.
بالطبع، تكتيك القمع والخوف كان حاضراً بقوة في نظام الأسد الأب. لكن ماغفل عنه ورثته أن هذا التكتيك كان جزءاً من بنيان استراتيجي عام استند إلى إقامة توازن دقيق للغاية بين سلطة النظام وتحالفاته في الداخل وبين توفير التغطية والدعم الدوليين (والإقليميين) له في الخارج، سواء أكان هذا الخارج روسيا أو الولايات المتحدة. كانت هذه هي التعويذة السحرية التي مكّنت نظام حافظ الأسد ليس فقط من الخروج من المآزق الداخلية، بل أيضاً من لعب دور إقليمي كبير كان هو الرافد الحقيقي لتوطيد سلطته في الداخل.
ثمة هنا نموذجان رئيسيان لهذه التعويذة:
الأول، عدم تردد حافظ الأسد، زعيم حزب البعث في سوريا، من القتال إلى جانب "الإمبرياليين الأميركيين" ضد حزب البعث في العراق العام 1990، حين شعر (وفق تعليمات نيقولو ماكيافيلي الذي كان الرئيس الراحل يضع كتابه "الأمير" قرب سريره) بأن الوقوف على الحياد في حرب الكويت سيعني الخسارة مع الخاسرين، ودفع الأثمان المجانية للرابحين.
والثاني، حين أمّن حافظ الأسد جبهته الخارجية، في خضم حربه الدموية الضروس مع جماعة الإخوان المسلمين (1979- 1982)، من خلال تعزيز تفاهماته الضمنية مع الأميركيين والإسرائيليين التي أبُرمت العام 1976 وتضمّنت ضبط واحتواء وحتى ضرب (إذا ما تطلب الأمر) منظمات المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، كشرط لدخول القوات السورية إلى بلاد الأرز.
خلفاء حافظ الأسد لم يلتقطوا، على مايبدو، من "كتاب السلطة" سوى الشق المتعلَّق بالقمع والتخويف، وأغفلوا الشق الثاني الخاص بتعويذة التوازنات الدولية والإقليمية. لابل هنا قد يكون ثمة ما هو أسوأ: العجز عن فهم المتغيرات الدولية التي رافقت اندلاع انتفاضات الربيع العربي، والتي انتقلت بموجبها الإدارة الأميركية من الاعتماد على الأنظمة السلطوية وشبه السلطوية والتوتاليتارية (بما في ذلك حتى ممالك الخليج، كما سيثبت لاحقاً على الأرجح) إلى  التعاطي بشروط واضحة ومحددة مع قوى المجتمعات المدنية العربية. وبما أن هذه القوى (وبسبب التصحير الذي مارسه السلطويون على اليساريين والليبراليين في المجتمعات من دون القدرة على الإمساك بالمساجد)، كانت الحركات الإسلامية، فقد قررت واشنطن فتح الأبواب والنوافذ أمامها ومعها.
بشار وصحبه لم يدركوا مبكراً هذا الانقلاب. وهذا مافسّر استمرارهم في التشديد على أن الربيع العربي لن يصل إلى سوريا. ثم وبعد أن وصل، إلى الإعلان أنه مجرد سحابة صيف. ثم وبعد أن تواصل، بأنها سينتهي قريبا.
وجنباً إلى جنب مع عدم القدرة على التقاط المتغيرات الدولية، جاء عجز موازٍ عن إدارك المتغيرات المحلية والإقليمية. إذ كان يتعيّن على النظام أن يفهم بعد شهر واحد من اندلاع الانتفاضة بأنه خسر أهم ركيزة من ركائز هيمنته: الخوف، وقدرة أجهزة المخابرات الـ16 على الإمساك بالمجتمع. هذا على رغم أن هذه الحصيلة كانت واضحة مع القرار بانزال الجيش إلى الشوارع. فالدبابة تستطيع السيطرة على شارع، لكن ليس على مايجري داخل هذا الشارع، إذ أن هذا من اختصاص المخابرات.
وعلى الصعيد الإقليمي، تكررت القراءة المخطئة نفسها: فقد ظن النظام وأنصاره أن التعثُّر الأميركي في العراق وأفغانستان، مشفوعاً بالأزمة الاقتصادية العالمية، سيؤديان إلى حصيلة حتمية واحدة: نجاح إيران وحلفاءها في ملء الفراغ وبناء شرق أوسط جديد بملاءة خمينية.
لكت يتبيّن الآن مدى خطل هذا التحليل. فإيران تتأرجح الآن على شفير الهاوية بعد أن وقعت في الفخ الذي نصبه لها الغرب، من خلال دفعها إلى سباق تسلح ونفوذ إقليمي لايستطيع اقتصادها العالم ثالثي المعتمد أساساً على النفط والغاز تحمّله. فالعملة الإيرانية  تتدهور بسرعة (الأمر الذي قد يقلب البازار على النظام)، والبطالة تجاوزت وفق أرقام غير رسمية الـ30 في المئة، والعقوبات الأميركية على المصرف المركزي الإيراني، والتي قد تليها خطوة أوروبية مماثلة، قد تؤدي إلى انهيار الاقتصاد الإيراني برمته. لماذا؟ لأن إيران لن تستطيع أن تشتري أو تبيع فيما المصرف المركزي الذي يدير 90 في المئة من هذه العمليات، مكبل وغير قادر على العمل.
وإلى إيران، فقد النظام السوري حليفه السعودي الثمين، الذي شكَّل له على مدى العقود الأربعة الماضية الملاءة "الإسلامية" ، والمالية، والسياسية، التي مكّنته جزئياً من ممارسة أدواره المحلية والإقليمية.
- III -
الآن، وبعد 18 شهراً من الانتفاضة، تحتشد كل هذه المعطيات كغيوم سوداء لتضع خلفاء حافظ الأسد في مأزق غير مسبوق: فهم غير قادرين على التأقلم سريعاً مع المتغيرات الداخلية (الثورات الطبقية ضدهم) والخارجية. وبالتالي ليس في وسعهم سوى مواصلة التقدم إلى أمام.
لكن، إلى أين؟
حديث الأسد إلى الإبراهيمي، والذي واصل فيه الكلام عن مؤامرة خارجية" وعن "القبضة الحديدية" في الداخل، وفصل العمليات العسكرية عن الجهود السياسية، عنى أمرين إثنين متلازمين:
الأول، إسدال الستار على أي فرصة لابرام تسوية ما حتى مع المعارضة الداخلية المتمثّلة بهيئة التنسيق الوطني والمعارضين المستقلين التي عقدت مؤخراً مؤتمراً في دمشق، حيث كانت الشائعات ترشِّح هيثم المناع لتشكيل حكومة وحدة وطنية تُمهِّد الطريق أمام مرحلة انتقالية.
والثاني، وهو أمر مشتق من الأول، مواصلة السير بشكل حثيث نحو حرب أهلية شاملة لن تحسمها في النهاية سوى تدخلات عسكرية خارجية قد تحدث بعد نهاية الانتخابات الرئاسية الأميركية (سواء بشكل مباشر أو عبر تسليح المعارضة).
بشار الأسد، كما ظهر من حديثه مع الإبراهيمي، بات مستعداً للسباحة حتى النهاية في بحر الحرب الأهلية هذه، اقتناعاً منه بأن هذا ما كان سيفعله والده. لكنه نسي على مايبدو ان حافظ  مات واندثرت معه كل الظروف الداخلية والخارجية التي أمَّنت لـ"جمهورية الخوف" التي بنى البقاء والاستمرار.
وهذا النسيان بالتحديد، الممزوج بدماء عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف الجرحى وملايين المهجرين، والمترافق مع التدمير المنهجي لكل المدن السورية ومعها الاقتصاد الوطني، يجب أن يدفع كل الاطراف إلى الإدراك بأنهم باتوا يتعاملون الأن مع رئيس فقد راسه وعقله، وأصبح جنون العظمة والارتياب (وهما وجهان لعملة واحدة) هما سدنة كل استراتيجيته وسياساته وتوجهاته.
لقد جُنَّ الرجل حقا. ويتعيّن على الإبراهيمي الآن الاستعانة بمجلس من الأطباء النفسيين بدل مجلس الأمن، لانقاذ الوطن السوري من عنف الجنون في جبل قاسيون.
                                                                          سعد