للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 19 سبتمبر 2012

السعودية: سمو الأميرة، ماذا تفعلين؟



- I -
لم يتسن لكاتب هذه السطور قبل الآن قراءة كتاب جين ساسون المعنون "سمو الأميرة" (*)، وهو كناية عن المذكرات السرّية لأميرة سعودية.
غلاف الكتاب
لكني حين فعلت، أصبت بصدمة مزدوجة:
الأولى، لأن هذه كانت أول مرة أعرف فيها أن الأميرات السعوديات يعشن هم أيضا كابوس الاضطهاد والخوف والحرمان، على رغم غرقهن في بحور من اللآلىء والزمرد والياقوت، وسباحتهن في محيط من القصور الشامخة والطائرات الخاصة والأموال الأسطورية التي كانت ستدفع حتماً مؤلفي ألف ليلة وليلة إلى أن يعيدوا النظر في أساطير كتابهم.
والثانية، أن هذا الكتاب، أو هذه المذكرات، ألقت الأضواء على أعمق أعماق أزمة الإنسان في مملكة السعوديين: الكثير الكثير من قشور الدين بتمظهراته الشكلية والسطحية، والقليل القليل من الإيمان الحقيقي والروحانيات.
سنأتي إلى هذه الصدمة الثانية بعد قليل. قبل ذلك فسنتعرض معاً كلمات هذه الأميرة الشجاعة والفذّة، التي يجب أن يبني لها شابات وشبان المملكة ألف نصب تكريمي حين يستعيدون حريتهم وكرامة الإنسان فيهم.
                                        - II -
تطالعنا الأميرة في الصفحات الأولى من الكتاب بالكلمات التالية:" على الرغم من أن القرآن لايدعو إلا إلى الاحتشام في الملبس، إلا أن معظم السعوديات لايزلن يتحجبن. وعلى الرغم من عدم وجود سابقة في الدين الإسلامي لقانون يمنع النساء من قيادة السيارات، إلا أن مثل هذا القانون يقيِّد النساء السعوديات. وعلى الرغم من ان 58 في المئة من خريجي المعاهد السعودية هم من النساء، إلا أن 6 في المئة فقط من القوة العاملة تتشكّل من النساء".
إلى هنا، يندرج الأمر في إطار الشكاوى العامة لكل نساء العالم اللائي لازلن يدفعن أثمان نحو عشرة آلاف سنة من قيام الذكور بتدمير المجتمعات المطريركية الرائعة بقوة السيف، وإقامة مؤسسات ذكورية بطريركية مكانها لم يعرف لها التاريخ مثيلاً من حيث عنفها ووحشيتها.( العالم في عهد سيطرة الذكر المُحارب، لم يعرف سوى عشر سنوات متصلة فقط من السلام).
لكن الصفحات اللاحقة تأخذنا سريعاً إلى قعر المأساة الإنسانية. وهذه بعض ملامحها على لسان الأميرة:
- خُلِقت حرة، لكني الآن أسيرة قيود خفية حوّلت حياتي إلى نطاق ضيِّق من الخوف. لم أدرك أنه لاقيمة لي البتة، كإنسان، في أرض أجدادي.
- ذاكرتي الحيّة الأولى تقوم برمتها على العنف والخوف الذي حكم منزلنا، والذي كرهت فيه شقيقي (بسبب "تأليه" الأهل له كذكر، وهم أهدوه أربع سيارات بورش في عيد ميلاده) ووالدي الذي لايرحم. فنساء بلادي يتجاهلهن آباؤهن، ويزدريهن أشقاؤهن، ويسيء معاملتهن أزواجهن.
- كيف يمكن للرجال في السعودية أن يكونوا راضين، وهم ينشرون كل هذا البؤس والشقاء حولهن بين نصف المجتمع؟. قصة نسائنا مدفونة وراء حجاب أسود من السرّية، وهن لاوجود لهن حتى في السجلات الحكومية.
- مع تقدم الحضارات، تتم السيطرة بالتنوُّر على خوف الفرد من الحرية، ويهرع المجتمع الإنساني بتوق لاحتضان المعرفة والتغيير. لكن أرض أجدادي لم تتغيَّر كثيراً عما كانت عليه قبل ألف سنة. لكن رياح التغيير آتية لامحالة، لأننا جنس سئم من الكوابح التي تفرضها العادات، ونحن نتوق إلى حرياتنا الشخصية.

- III -
هذا غيض من فيض اللوحة القاتمة التي تعيشها المرأة في مملكة السعوديين. وأهميتها القصوى، كما ذكرنا، أنها تأتي على لسان طرف يقطن روما من فوق، فكيف يمكن أن يكون الأمر في روما من تحت، حيث النساء محرومات من حقوقهن الإنسانية ومن الوفرة المالية في آن؟
نأتي الآن إلى الصدمة الثانية.
هنا، سنجد أنفسنا أمام منظر مروِّع آخر: أرض الروحانيات والقداسة بات خلواً من أي روحانيات وقداسة. أجل، هناك الكثير من الشكليات الدينية الخارجية، من شعارات "أذكر الله" المنتشرة في كل مكان، إلى هروات المطاوعة التي تُحوّل الدين إلى إكراه فعلي، مروراً بترك فتيات في عمر الزهور يحترقن في مدرستهن بسبب عدم وضعهن الحجاب خلال هربهن.
أجل. المملكة تعتبر القرآن والسنة وباقي عناصر الشريعة هي دستور البلاد. لكن من يفسّر هذا الدستور الإلهي، لايفعل ذلك سوى لتأبيد السلطة الإلهية لبعض قيادات الأسرة الحاكمة. وهو (الدستور) ممنوع أصلاً من الصرف في قصور ودارات الأمراء المنتشرة في المملكة وفي شتى أنحاء العالم.
الدين الإسلامي، حين بدأ في مكة، سطَّر واحدة من أجمل وأكثر أنواع التفتح الروحي تطوراً في تاريخ الحضارات البشرية. وهذا أمر أعترف لي به مطران مسيحي لبناني له 18 مؤلفاً ينتقد فيه الإسلام. قال:"حين أقرأ الآيات المكيّة، أشعر بخشوع روحي عميق ورائع، إلى درجة أني قد اعتبر نفسي نصف مسلم".
بيد أن الممالك الأرضية التي قامت على أساس عقد قران قوة السيف والإديولوجيا المُتعصبة والمُغلقة، وما تلاها من إسراف وفساد وتبذير منقطع النظير في عهد لعنة النفط، جرَّد الدين من الروحانية وحوّله إلى قوقعة فارغة إلا من الشكليات التي هي أقرب إلى الشعائر الوثنية.
كل هذا وضع المواطنين (وفي الدرجة الأولى المواطنات)، بمن فيهم الناس العاديين والأمراء والأميرات، في المملكة أمام ثلاث خيارات:
إما النضال من أجل الحرية للجميع، وإعادة الاعتبار للروحانيات الحقيقية إلى الدين، وللحب والمودة والتضامن بدل بناء الحجارة والعنف.
أو سلب الأخرين حرياتهم لإعطاء معنى ما لحياة بعض الأمراء وأموالهم. (مهما كان هذا المعنى مغمساً بالحزن والشقاء للأخرين، كما اكتشفت الأميرة بشكل مُبدع).
أو الهجرة نحو أحد هدفين: الله، كما يفعل الجهاديون هذه الأيام إنطلاقاً من الفجوة الهائلة بين مايبشره بهم دعاة المذهب الوهابي المتشدد وبين واقع الحال في القصور وفي العلاقات مع الغرب، أو الهجرة إلى مراكمة الأموال إلى مالانهاية وبشتى الطرق علّها تُحِقق رغبة دفينة للغاية هي وهم الخلود.
 على أي من هذه الخيارات  ستقع القرعة في بلاد النبي محمد؟
في الإجابة على هذا السؤال، سيتحدد كل مصير النظام السياسي الراهن في البلاد.
* * *
سمو الأميرة، لاشك أن بعض كبار القوم في أسرتك يقولون لك الآن: ماذا فعلت، ماذا تفعلين؟
لكن بنات جنسك وكل من يتوق إلى حرية الروح والحريات الشخصية، ليس له في جعبته سوى كلمتين إثنتين:
 شكراً لك.
                                                                        سعد

( *) جين ساسون: سمو الأميرة. وقائع من قلب العائلة المالكة السعودية. الطبعة الثالثة. شركة المطبوعات للتوزيع والنشر- بيروت، لبنان. (من دون تاريخ).

-