للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 21 سبتمبر، 2012

بحثاً عن الله






- I -
 قبل سنتين، وبالتحديد في 27 شباط/فبراير 2010، انطلق مكوك الفضاء الأمريكي "إينديفير" حاملاً على ظهره جهازا كلّف صنعه بليون ونصف البليون دولار وجهود مُضنية لعشرات العقول العلمية على مدى 16 سنة.
 الصوفية والعلم: تطابق مذهل - الرسم من غوغل 

الجهاز، ويُدعى "مقياس الطيف المغناطيسي ألفا"(Alpha magnetic spectrometer) يزن ثمانية أطنان ويتكوّن من خليط معقّد من قطع المغناطيس والأشرطة الدقيقة والحديد والألمنيوم والسيليكون والالكترونيات. وهو يعتبر أكثر مشاريع الفضاء طموحاً حتى الآن. ولاعجب، إذ هو يسعى إلى الغوص في عمق الفضاء بحثاً عن "المادة الداكنة"(Dark matter).
هذه المادة، كما هو معروف، لاتزال السر المكنون الأكبر في الكون الذي استعصى على فهم العلماء. وهي لاتُسمى كذلك، أي داكنة، إلا بسبب جهل البشر أو "قصر نظرهم"، إذ هم لايعرفون منها وفيها سوى قوة الجاذبية التي تُمارسها على المادة المعروفة في الكون، أو سوى اشعاعاتها المبعثرة في الكون.
ووفقاً للملاحظات العلمية لحركة المجرات ولعلم الانفجار العظيم الكوني، يتكوّن الفضاء من 6،4 في المئة فقط من المادة العادية التي نعرف، و23 في المئة من المادة الداكنة، في ما الـ72 في المئة الباقية تُنسب إلى الطاقة الداكنة. وهذه الأرقام تعني أن المادة والطاقة الداكنين تشكّلان معظم مكونات الكون.
وعلى رغم أنه تم إثبات وجود المادة الداكنة، إلا أن تركيبتها لايزال سراً دفينا، والحديث عنها ليس أكثر من تكهنات. فالنظريات الأولى حولها، والتي انطلقت منذ عشرينيات القرن العشرين، افترضت أنها مواد ضخمة خفية كالثقوب السوداء، أو النجوم النيوترونية، أو النجوم القزمة البيضاء. بيد أن الابحاث اللاحقة دلّت على أن مابين 85 إلى 90 في المئة من مادة الكون الداكنة، لاتتفاعل مع القوى الكهرومغناطيسية، ولاتتكوّن من الالكترونات والبروتونات والنيوترونات العادية، ولذلك فهي يمكن أن تمر في كل لحظة عبر أجسادنا وعبر كل الكرة الأرضية ملايين المرات في الثانية من دون أن نشعر بها.

- II -
إذا مانجح مقياس الطيف المغناطسي في سبر غور هذه المادة، عبر "إلقاء القبض" على بعض الجزيئيات فائقة الطاقة التي تحلُق عبر الفضاء وتُعرف باسم الأشعة الداكنة الكونية، فإن العلماء سيكونون على قاب قوسين من معرفة البنية الحقيقية للكون وسبب كون هذه المادة الداكنة داكنة (على الأقل بالنسبة إلى العقل البشري).
يقول الكاتب العلمي دنيس أوفرباي ("نيويورك تايمز"): "قد تعتقد أن ماتعلمته في المدرسة الثانوية بأن الكون يتألف من ذرات وجزيئيات وبروتونات ونجوم ومجرات، هو كل الحقيقة. بيد أن العقود القليلة الماضية أقنعت علماء الفضاء (وإن لم يكونوا سعداء بمثل هذا الاقتناع) أن هذا الاعتقاد مجرد قشرة سطحية تُخفي تحتها عالماً خفياً وضخماً هو المادة الداكنة التي تُحدد جاذبيتها كل هندسة الكون المرئي".

- III -
 الإنسان بدأ يقترب من هذا العالم الضخم والخفي. وفي حال اكتشف فيه قوانين طبيعية مختلفة تماماً عن قوانين الفيزياء التي نعرف (وهذا هو الأرجح)، سيكون عليه العودة إلى نقطة الصفر المعرفية ثانية، كما فعل حين أبلغه كوبرنيقوس قبل 500 سنة بأن الأرض تدور حول الشمس، لا العكس.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك الفرضيات الفيزيائية الحديثة حول وجود عدد لامتناه من الأكوان المتوازية، (التي توجد فيها "نسخ" منك ومني فيها!)، واحتمال كون الوجود المادي برمته مجرد وهم، والكون ذو الأبعاد الـ11، فقد نصل إلى الاستنتاج بأننا فعلاً نعيش في لغز داخل لغز.
لكن، هل يعني ذلك أن قدرتنا على معرفة الحقيقة النهائية أمر مستحيل؟
كلا. لكن هنا يجب أن نتوقف عن التفكير (أي استخدام العقل)، واللجوء إلى الحدس الذي مكَّن كبار المتصوفة من قماشة إبن عربي وجلال الدين الرومي وأبي يزيد البسطامي، وفلاسفة من طراز هيراقليطس ولاو تزو وبوذا، من تجاوز خدع الحواس والغوص في أعمق أعماق الوجود، بما في ذلك ليس فقط سر الأسرار فيه، أي المادة الداكنة، بل على الأرجح أيضاً الغوص في تجليات الله تعالى في وحدة الوجود.
والآن، ومع بدء التطابق الكبير والمذهل بين رؤى المتصوفة والفلاسفة وبين اكتشافات فيزباء الكم الحديثة حول وحدة الوجود، ووهم الكثرة والتعدد، ووجود الكل في الجزء والجزء في الكل (الهولوغرام)، قد نكون بالفعل على قاب قوسين أو أدنى من تلمُّس ولو ملمح طفيف من ملامح "الحقيقة النهائية".


                                                                                        سعد