للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 12 سبتمبر، 2012

لماذا يسير قطارا أوباما ونتنياهو في اتجاهين مُعاكسين حيال إيران ؟




- I  -
هل قررت إدارة أوباما شد "طفل أميركا المُدلل"، إسرائيل، من أُذُنه، على رغم المخاطر الجمَّة التي قد تنتج عن ذلك على صعيد الأصوات اليهودية الحاسمة، خاصة في فلوريدا وأوهايو، في الانتخابات الأميركية الوشيكة؟
يبدو أن الأمر كذلك.


فالرئيس أوباما قرر عدم استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو حين يحط الرحال في نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحجة أن أوباما لن يكون في نيويورك في ذلك الوقت. قد يجتمع الرجلان إذا ما طار نتنياهو إلى واشنطن، لكن الرسالة وصلت: أوباما لن يرضخ إلى الضغوط الهائلة التي يبذلها هذا الأخير لاستخراج وعد منه بضرب إيران عسكرياً غداة الانتخابات الأميركية.
وقبل هذه الرسالة الواضحة، كان ثمة رسالتين حتى أكثر وضوحا: الأولى، كانت تصريح وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا الذي رفض فيه طلب إسرائيل بتحديد "خطوط حمراء" حيال إيران، قائلاً أنه "سيكون لدى الولايات المتحدة سنة على الأقل قبل ضرب بلاد الفرس، في حال قررت هذه الأخيرة التحوّل إلى قوة نووية عسكرية". والثانية، جاءت من وزيرة الخارجية كلينتون التي قالت أن بلادها ترفض تحديد مواعيد نهائية لعملية التفاوض مع إيران.
لكن، لماذا اتخذت إدارة أوباما هذا الموقف الصلب، على رغم حاجتها الماسة إلى الأصوات اليهودية في انتخابات رئاسية  صعبة للغاية، يبدو فيها المنافس الجمهوري الأقدر على جذب هذه الأصوات اليهودية عبر دعمه العلني لطلب إسرائيل توجيه ضربة عسكريةإلى إيران؟
- II -
هنا، مع هذا السؤال، نجد أنفسنا أمام اللوحة الكاملة للمصالح القومية والاستراتيجية المتضاربة هذه الأيام بين هذين الحليفين التاريخيين .
فالدولة العبرية تُطل على مسألة امتلاك إيران للقنبلة ليس على أنها "تهديد وجودي" لأمنها، كما تقول، (فهي تعلم أن طهران لن تستخدمها، إلا إذا قررت الانتحار والعودة إلى العصر الحجري)، بل لأنها تعتبرها بداية النهاية لهيمنتها الإقليمية والاستراتيجية على منطقة الشرق الأوسط.
حسابات تل أبيب كالتالي: إيران النووية ستنضم إلى تركيا العثمانية الجديدة ومصر الإخوانية في المطالبة بحصص ضخمة في النظام الإقليمي الشرق أوسطي الجديد، الذي سيولد حتماً حيت يهدأ غبار الربيع العربي والصراعات الراهنة في المنطقة. ومع تراجع النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط بسبب كلٍ من حربي العراق وأفغانستان والأزمة الاقتصادية الاميركية الحادة، سيكون الوضع الاستراتيجي للدولة العبرية صعباً للغاية في هذا النظام الجديد، إلى درجة أنه قد يدفع الكثير من يهود إسرائيل إلى الهجرة والانضمام إلى أخوانهم يهود أميركا وأوروبا.
بيد أن حسابات الحقل الأميركي لاتتطابق مع حسابات البيدر الإسرائيلي. فإدارة أوباما ليست قلقة لا من القنبلة النووية الإيرانية (ولاحتى من مائة قنبلة) لأنها قادرة على مسح إيران برمتها من الوجود خلال عشرين دقيقة. ثم أنها واثقة كل الثقة (وهي على حق في ذلك) أن عملية الخنق الاقتصادي والسياسي التي تنفذها ضد إيران، ستعطي النتائج نفسها التي أفرزتها عملية الخنق المماثلة التي مارستها ضد موسكو السوفييتية وأدّت في خاتمة المطاف إلى انهيار الامبراطورية السوفيتية برمتها. ثم أن وجود إيران المشاغبة في حد ذاته، يمنح واشنطن كل الفرص لإحكام سيطرتها على الخليج العربي، ولمواصلة بيع صفقات أسلحة أميركية ضخمة لاتُستخدم، خاصة للسعودية والإمارات.
والأهم من هذا وذاك أن إدارة أوباما غير قادرة في هذه المرحلة على تمويل حرب إقليمية ستكون طاحنة حقاً ضد إيران. وهي تخشى على أي حال أن تصب مثل هذه الحرب في خانة دول البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب إفريقيا) التي تسعى من الآن إلى وراثة الامبراطورية الأميركية عبر خلق نظام عالمي جديد.
- III -
هذان الموقفان المتضاربان، يجعلان السياستين الأميركية والإسرائيلية تبدوان في هذه المرحلة وكأنهما قطاران يسيران في اتجاهات متعاكسة، ربما للمرة الأولى منذ حرب السويس ضد مصر العام 1956.
وهذا لايتعلّق بالإدارة الديمقراطية الراهنة وحدها، بل قد يشمل أيضاً حتى إدارة الجمهوري ميت رومني في حال فوزه في الانتخابات. إذ أن هذا الأخير سيتنصّل سريعا على الأرجح، وإن بالتدريج، من تعهداته لنتيناهو، لأن أميركا تحكمها المؤسسات (والمنظمات السرية العملاقة) ذات الحسابات الباردة، لا الأفراد من ذوي الرؤوس الحامية، على رغم كل الظواهر التي تشي بعكس ذلك.
وهذا سيترك نتنياهو أمام خيارين أحلاهما مرٌّ: إما المغامرة بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، سواء قبل الانتخابات أو بعدها، بأمل جر الولايات المتحدة إلى مشروعه لتغيير موازين القوى وشيكة الولادة في الشرق الأوسط لصالحه، أو قبول الأمر الواقع الإقليمي الزاحف، والذي قد يحوّل إسرائيل إلى "دولة عادية" و"مسالمة" في الشرق الأوسط، الأمر الذي سيفقد الصهيونية أهم ورقة للحفاظ على تماسك لُحمة المجتمع اليهودي الإسرائيلي: حالة الحرب الدائمة.
* * *
لقد شدّت إدارة أوباما بالفعل طفلها المدلل من أذنه. بقي أن ننتظر الطريقة التي سيرد بها هذا الطفل الذي أفسدته عقود من الدلال الأميركي المُطلق. فالدلال بحد ذاته يُفسد. لكن الدلال المطلق فساد مطلق، وقد يجر أحياناً إلى سلوك جنوني مُطبق.

                                                                        سعد