للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 6 يونيو، 2014

العالم ينفجر(الحلقة-4): ولادة "العنقاء البيضاء"



- I -
قلنا بالأمس أنه لايزال ثمة أمل في إنقاذ الجنس البشري، ومعه الحياة برمتها على كوكب الأرض، من الانقراض والدمار. وهذا يعتمد أولاً وأخيراً على ولادة وعي جديد بدأت تتبلور معالمه الرئيسة في أجزاء عديدة من العالم.
يمكن تشبيه الوعي الجديد الناشيء بطائر العنقاء أو الفينيق. وهو تشبيه له معانٍ وأبعاد عميقة. الوعي القديم (السائد حاليا) المستند إلى الأنا الأنانية (Ego )، والمآسي والحروب، والانفصال الكارثي عن والكون والطبيعة، يجب أن يحترق قبل أن يولد الوعي الجديد. الديالكتيك هنا واضح للغاية، لأن الوعي الجديد يشكِّل بالفعل نقيض أو نفي الوعي القديم.
 كل ألف عام، كما ورد في الأساطير،  تريد العنقاء أن تولد ثانية، فتترك موطنها وتسعى صوب فينيقيا وتختار نخلة شاهقة العلو لها قمة تصل إلى عنان السماء، فتبتني لها عشاً هناك. بعد ذلك تموت في النار، ومن رمادها يخرج مخلوق جديد: دودة لها لون كاللبن تتحول إلى شرنقة، وتخرج من هذه الشرنقة عنقاء جديدة تطير عائدة إلى موطنها الأصلي، وتحمل كل بقايا جسدها القديم إلى مذبح الشمس في هليوبوليس بمصر. ويُحيي شعب مصر هذا الطائر العجيب، قبل أن يعود إلى بلده في الشرق.
هذه هي أسطورة العنقاء كما ذكرها المؤرخ هيرودوت، واختلفت الروايات التي تسرد هذه الأسطورة. العنقاء أو الفينكس، هو طائر طويل العنق لذا سماه العرب "عنقاء". أما كلمة الفينيق (الفينكس) فهي يونانية الأصل وتعني نوعا معينا من النخيل. وبعض الروايات ترجع تسمية الطائر الأسطوري إلى مدينة فينيقية، حيث أن المصريين القدماء اخذوا الأسطورة عنهم فسموا الطائر باسم المدينة.
نشيد الإله رع التالي (حسب معتقدات المصريين القدماء) يدعم هذه الفكرة، حيث يقول: "المجد له في الهيكل عندما ينهض من بيت النار. الآلهة كلُّها تحبُّ أريجه عندما يقترب من بلاد العرب. هو ربُّ الندى عندما يأتي من ماتان. هاهو يدنو بجماله اللامع من فينيقية محفوفًا بالآلهة". والقدماء، مع محافظتهم على الفينكس كطائر يحيا فردًا ويجدِّد ذاته بذاته، ابتدعوا أساطير مختلفة لموته وللمدَّة التي يحياها بين التجدُّيد والتجدُّد.
بعض الروايات أشار إلى البلد السعيد في الشرق على أنه في الجزيرة العربية وبالتحديد اليمن، وأن عمر الطائر خمسمائة عام، حيث يعيش سعيدا إلى أن يحين وقت التغيير والتجديد، حينها وبدون تردد يتجه الطائر مباشرة إلى معبد إله الشمس (رع) في مدينة هليوبوليس، وفي هيكل رَعْ، ينتصب الفينكس أو العنقاء رافعًا جناحيه إلى أعلى ثم يصفِّق بهما تصفيقًا حادًّا. وما هي إلاَّ لمحة حتى يلتهب الجناحان فيبدوان وكأنهما مروحة من نار. ومن وسط الرماد الذي يتخلف يخرج طائر جديد فائق الشبه بالقديم يعود من فوره لمكانه الأصلي في بلد الشرق البعيد.
- II -
لقد ضاعت مصادر الرواية الأصلية في زمن لا يأبه سوى بالحقائق والثوابت، ولكن الثابت في القصة هو وجود هذا الطائر العجيب الذي يجدد نفسه ذاتياً.
عنقاء وعينا الجديد تحمل كل مواصفات الخلق الجديد. فهي بيضاء اللون لأنها تحمل إلى كوكب الأرض أخيراً معاني السلام الداخلي لكل إنسان والسلام الخارجي لكل البشر والمخلوقات. وهي بتجددها يتجدد الوعي الكوني الذي يجب أن ينشر الحِكمة، حتى قبل المعرفة، والذكاء الخلاق قبل الذكاء النفعي، والحياة التي تتفتح فيها كل أنواع الورود في كل الكون.
رأس العنقاء البيضاء هو الأنا الجديدة، الحقيقية، الحاملة للوعي الصافي. أحد جناحي العنقاء هو بُعْدُ الانتفاضة البيئية التي ستوقف حرب البشر الانتحارية ضد الأم غايا، والجناح الآخر هو الانتفاضة الاجتماعية- الاقتصادية التي ستعمل على بناء مجتمع متحرر من الجنون الرأسمالي الجامح ومستند إلى التعاون الخلاق. أما جسم العنقاء فهي جماعات الوعي الكوني الجديد التي بدأت تولد في كل أصقاع الأرض.
رأس العنقاء، أي وعي الأنا الصافية سيعيد هرم الذكاء الإنساني المقلوب على رأسه إلى وضعه الطبيعي بعد أن يحرره من هيمنة الوعي الأناني. حتى الآن هذا الذكاء، الذي ليس أكثر من كونه نقطة صغيرة في بحر الذكاء الكلي، كان عُرضة إلى التشويه على يد الأنا الأنانية. إيكهارت تول يدعو ذلك "الذكاء في خدمة الجنون"، ويعطي مثلاً على ذلك عملية فلق الذرة. هذه العملية تتطلب ذكاء فائقاً، لكن استخدام هذا الذكاء لبناء وتخزين القنابل النووية هو عمل جنوني لايمت للذكاء بصلة. وهذا يدل على أن الذكاء يمكن أن يبني حضارات معقدة ومتطورة، لكنه غير قادر وحده على الحفاظ على هذه الحضارات من التدمير الذاتي والاندثار. الأمر في حاجة إلى حكمة ورحمة ورعاية الوعي الصافي. الذكاء يمكن أن تقوم به مخلوقات غير واعية أو شبه واعية، كما هو واضح في ذكاء الغرائز لدى الحيوانات والتفاعلات الكيميائية- المعلوماتية لدى النباتات. لكن الوعي وحده هو القادر على جعل الذكاء يعي ذاته، فيعطيه بالتالي معنى وهدفاً، ويجعله أكثر اهتماماً بما لايقاس بمعرفة الحقيقة الكلية لا الحقائق الجزئية المتبدلة المادية، وحتى النظرية.
كثيرة هي الكتب التي تطرقت إلى كيفية تحرير الوعي الصافي من الوعي الأناني، لكنها كلها تتقاطع حول الأفكار الرئيسة التالية:
- الإدراك بأن الوضعية الراهنة للعقل البشري تتضمن مايمكن أن يوصف بأنه "خلل" أو حتى "جنون" أو بالأحرى مرض عقلي جماعي. الفلسفة الهندية تطلق على هذا المرض اسم "مايا" أي قناع الوهم، والبوذية "دوكا" أي الشقاء والمعاناة، والمسيحية "الخطيئة الأولى"، أي عدم فهم طبيعة الوجود الإنساني، والاسلام... وكل هذا سبَّب الحروب والدمار طيلة جل التاريخ البشري. وبالتالي، الخطوة الأولى للخلاص من هذا المرض هو التخلص من سببه الرئيس: الأنا الانانية (التي سماها اينشتاين "الوهم البصري للوعي") والتي تتغذى من الحقد والكراهية والقلق والتوتر والتعلّق بالأشكال المادية المتغيرة باستمرار، من عبادة جسد لايلبث أن تتدهور وضعته وقدراته إلى التمسك بوهم ملكية خاصة أو عمليات استهلاك لا ديمومة لها ولن توفّر لا الخلود بالطبع ولا السعادة للإنسان.
- السبيل إلى تدمير هذه الأنا الأنانية يكمن أولاً وأساساً  في وعيها وإدراك الاشكال المختلفة التي تتخذ، من التعلّق بذكريات الماضي المؤلمة إلى القلق المرضي من المستقبل؛  واستبدال هذا النمط من التفكير الأنوي  والانفعالات الصاخبة بيقظة "مباركة" (عبر ممارسة التأمل بكل أنواعه، خاصة يوغا التنفس- هامش) تؤدي إلى تهدئة العقل وسلامه الداخلي.
- ثمة تطور موضوعي سيحدث آجلاً أو عاجلاً، ولن يحتاج إلى تدخل عامل إنساني لتحقيقه، وهو أن كل بنى وهياكل الأنا الأنانية المتكلسة، من المؤسسات والحركات الدينية المغلقة، والشركات الكبرى متعددة الجنسيات، والحكومات، ستتحلل بالتدريج من داخلها مهما كانت تبدو الآن متجذرة وقوية. وهذا سيحدث لها كما حدث من كل لكل المؤسسات التوتاليتارية المتمحورة حول الأنا الأنانية الفردية والجماعية في التاريخ. لماذا؟ لأن هذه البنى والهياكل لم تعد قادرة على معالجة أو حتى التعايش مع الأزمات الوجودية الكبرى الراهنة التي يواجهها العالم، والتي تهدد الآن بدفع كلٍ من الجنس البشري إلى الانقراض والحياة برمتهاعلى الأرض إلى الاندثار. أحد القوانين الذهبية للتطور تثبت ذلك. فحين يكون البقاء على قيد الحياة مهددا، سيكون على الفرد أو الجنس إما التطور وتجاوز حدود ظروفه الراهنة، أو الفناء والانقراض.
- الوعي الجديد لن يكون ديناً جديداً، أو إيديولوجيا أو أسطورة جديدتين، بل هو تبلور لعقل جماعي وثقافة جماعية ستخلقها كل الهيئات والتيارات التي تعمل الآن في كل أنحاء العالم للانتقال بالتطور البشري إلى مرحلة جديدة. هذا العقل وتلك الثقافة ستكونا متحررتين من كل موبقات الوعي القديم من اندفاع الأنا الأنانية إلى احتكار الحقيقة المطلقة وبالتالي تكفير أو تهميش الآخرين عبر الصراعات والحروب، إلى الانفصال عن الكل والكون والطبيعة. وبالتالي، لن يكون ممكناً تحوُّل تيار الوعي الجديد إلى دين مغلق آخر، أو إيديولوجيا تدميرية أخرى، أو انظمة اعتقاد إقصائية أخرى. العكس سيكون صحيحاً، حيث سيؤدي التحرر من الأنا الأنانية إلى تفتح ملايين ورود وأزهار الحب الجماعي، والحكمة، والتعاون الجماعي في مجال البحث المتجرد عن الحقيقة وحل ألغاز الوجود.
- III -

هذا إذاً عن رأس العنقاء البيضاء. ماذا الآن عن جناحيها: البيئة والنظام الاجتماعي- الاقتصادي الجديد.
(غدا الحلقة الأخيرة).

سعد محيو