للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

السبت، 29 سبتمبر، 2012

من تونس إلى السعودية: النصر سيكون لـ"الإسلام الليبرالي"

من تونس إلى السعودية:
النصر سيكون لـ"الإسلام الليبرالي"


- I -
خطوط المعركة الجديدة في المنطقة العربية ارتسمت وانقضى الأمر: إسلام سياسي ليبرالي، ديمقراطي، منفتح على الحريات والتعددية، في مقابل إسلام سياسي استبدادي (في الدولة والمجتمع)، وديكتاتوري، ومنغلق على كل ما له علاقة ليس فقط بالحرية والتعددية بل أيضاً بالابداع العلمي والتكنولوجي والتجدد الفكري والثقافي.

دور المرأة كبير في المعركة بين "الاسلامين السياسيين".- الصورة من غوغل

هذان الإسلامان السياسيان لهما في آن خلفية تاريخية وحديثة تدعمهما:
فالإسلام الليبرالي يجد مرجعيته في الحقبتين الذهبيتين الأولى (الخلفاء الراشدون) والعباسية، اللتين شهدتا ذروة الصعود الإسلامي المنفتح على العالم والفاتح له استناداً إلى مبدأي " لا إكراه في الدين"، و"لكم دينكم ولي دين"؛ والإسلام المنغلق يجد أساسه في فكر إبن تيمية في القرن الثالث عشر الميلادي ومحمد بن عبد الوهاب اللذين بدءا إصلاحين وانتهيا إلى العنف التكفيري والتكسيري، وإلى ضرب كل مظاهر التفتح العلمي والثقافي والاجتماعي (خاصة في ما يتعلق بالحقوق الإنسانية للمرأة التي اعتبرها هذا الفكر عدواً شيطانيا) وحتى التفتح الروحي.
أما الخلفية الحديثة، فقد توزعت أطيافاً ومشاربَ: فالرئيس الروسي بوتين، الخائف أبداً من تأثيرات الإسلام الإنغلاقي السعودي على خاصرته الطرية في شمال القوقاز وآسيا الوسطى، يتشاطر مع المحافظين الجدد الأميركيين والليكوديين الإسرائيليين الدعوة إلى حرب حضارات شاملة مع كل الإسلام؛ فيما الديمقراطيون الأميركيون يرون التلاوين في العالم الأسلامي بين المعتدلين والمتطرفين ويراهنون على الأوائل.
وعلى الصعيد الإقليمي، تشكِّل مملكة السعوديين، بقيادة شكلية من شبكة رجال الدين الوهابيين من ذوي المصالح المادية الخاصة، رأس حربة الثورة المضادة على الإسلام الليبرالي والربيع العربي في المنطقة، فيما تعتبر تركيا نفسها، ويعتبرها الكثيرون، نموذجاً للإسلام الديمقراطي المنفتح والتعددي.
الأضواء هذه الأيام، خاصة بعد الفيلم المسيء للإسلام، مصلتة على الإسلام الإنغلاقي والمتطرف بسبب أعمال العنف التي يقوم بها من تونس وليبيا إلى باكستان وإندونيسيا، ما عزز وجهة نظر البوتينيين والمحافظين الجدد والوهابيين بأن اليد العليا ستكون للإسلام السياسي المتطرف.
بيد أن هذا، موضوعيا، أبعد مايكون عن الحقيقة. فالإسلام الانغلاقي مجرد أقلية تحمل أبواقاً صداحة لتوحي بأنها كثرة. والإسلام الليبرالي يتقدم الصفوف في كل مكان تقريبا. وهذا لم يبدأ مع ثورات الربيع العربي بل قبل ذلك بكثير. وهنا اهميته الفائقة.
كيف؟
- II -

ثمة  في الواقع حدث ضخم كان يجري تحت سطح الشرق الاوسط الاسلامي منذ عقود عدة : الفكر الليبرالي ( إضافة الى النظرية الديموقراطية ) ، تخترقان الان معظم البنى الفكرية لمعظم الاتجاهات الايديولوجية في العالم الإسلامي.
هذا التطور لايبدو جليا تماما  للعيان لسببين :
 الاول ، أنه بدأ للتو يتطور من  فكر نظري الى تيارات سياسية عملية. إنه يسير نحو هذا الهدف ، لكنه لم يصله بعد. (المراحل الانتقالية إلى الديمقراطية في مصر وتونس وليبيا).
والثاني ، أن بعض القوى والشخصيات الفكرية والسياسية العربية  " تعتم " على هذا المناخ أو تشّوهه ، حين تصّور المتغيرات الليبرالية العربية على انها  " إمتداد ضروري " للهيمنة الغربية على المنطقة. وهؤلاء يضمون في بوتقة واحدة: المفكرون العرب الاميركيون ( كفؤاد عجمي والفندي وغيرهما )؛ بعض الاحزاب الهامشية ( الحزب الفرعوني وشخصيات ليبرالية مصرية ولبنانية وخليجية تجاهر بتحالفها مع اميركا) والتكفيريون السعوديون ؛ واخيرا العديد من السياسيين العرب المرتبطين علنا بأجهزة الاستخبارات الاميركية ، كما يحدث الآن في العراق.
بيد أن هذين السببين لا يحجبان الحقيقة بان ثمة تحولّات ضخمة في المجتمعات العربية ، تدفع في إتجاه جعل الليبرالية، أو على  الاقل بعض تجلياتها،  المناخ الثقافي – الفكري السائد والمهيمن في الشرق الاوسط الاسلامي.
 ففي إيران ، المسألة الشعبية  الكبرى الان هي في كيفية تطوير النظام  الثيوقراطي – الليبرالي المزدوج ، ليصبح  نظاما ليبراليا اولا ثم دينيا ثانيا او ثالثا.
وفي تركيا وصل الليبراليون الاسلاميون الى السلطة مع رجب أوردوغان.
وفي كل أرجاء المنطقة العربية، ليس ثمة حركة او تيار او تنظيم لايعلي الآن  من شأن الحريات،  ولايطرح الهدف الديموقراطي كأولوية من أولوياته.

- III -
للوهلة الاولى ، قد تبدو هذه التطورات حدثا جديدا في المنطقة، خاصة بالنسبة إلى بروز التيارات الليبرالية الاسلامية. لكن الصورة ليست على هذا النحو. ليست كذلك البتة .  فالاسلام الليبرالي كان ، ولايزال،  متجذرا في التربة الشرقية الاسلامية. ونحن هنا لانتحدث فقط عن تجربة النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، بل أيضا  حتى عن  المراحل التي شهدت صعود الاسلام السياسي الاصولي المتطرف في أواخر القرن العشرين.
فعلى رغم أن جل الدراسات والمفاهيم في الغرب تتركز على الاسلام الراديكالي والحركات الاصولية، الا أن كثرة المسلمين يتبنّون مبادىء يمكن وصفها بشكل عام بانها "اسلام ليبرالي". وهذا الاخير يشير الى تفسيرات واجتهادات خاصة تتعلق بقضايا مثل الديمقراطية، وفصل الدين عن التعقيدات السياسية، وحقوق المرأة، وحرية الفكر، وتعزيز التقدم البشري. في كل قضية من هذه القضايا، ثمة اجماع بأن كلا من المسلمين والايمان الديني يفيدون من الاصلاحات ومن وجود مجتمع متفتح. وهذه المواقف تسير بشكل مواز مع الليبرالية في ثقافات اخرى، وكذلك مع الحركات الليبرالية في العديد من الاديان الاخرى.
ووالأرجح ان تنمو هذه التوجهات لتصبح هي القائدة والمنتصرة في مقبل الأيام، وذلك بسبب جملة من العوامل مثل الظروف المحلية، والتحديث، والتطور في المجتمعات الاسلامية، أي الاسباب نفسها التي ادت الى بروز الليبرالية في الغرب.
لكن، ما هو هذا الإسلام السياسي الليبرالي؟
(غدا نتابع)

سعد