للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 9 سبتمبر، 2012

منطقة الخليج على"لائحة الطعام " الدولية؟




عرض لكتاب بريجنسكي الجديد: "رؤية استراتيجية"( الحلقة 4 والأخيرة)

                 منطقة الخليج على "لائحة طعام"

                     الوليمة الدولية الجديدة؟

عرضنا في الحلقة الثالثة رؤية زبغنيو بريجينسكي في كتابه "رؤية استراتيجية" (*)إلى رؤيته لمصير الشرق الأوسط الكبير. في هذه الحلقة الرابعة والأخيرة سنتطرق إلى مستقبل منطقة الخليج العربي في ضوء انقلابات النظام الدولي


- I -
قبل التطرق إلى مستقبل الخليج، قد يكون من المفيد التذكير بأن بريجينسكي يحاول أن يتلمّس تأثيرات أنحدار أميركا وأفول زعامتها العالمية ليس الآن بل في مستقبل قريب ربما لايتجاوز العالم 2025، إلا بالطبع إذا ما حدث انهيار مالي أميركي مفاجيء على غرار الكساد الكبير العام 1929.

 - هنود في" شارع" العروبة في الشارقة - الصورة من غوغل 

بيد أن مثل "فترة السماح" الزمنية هذه ليست كبيرة في الواقع، لابل تكاد تكون رمشة عين بالنسبة إلى تاريخ الشعوب. ولذا، ما لم تبدأ دول الخليج العربي من الآن في التحضير لما يخبئه القرن الحادي والعشرين من مفاجأت ضخمة، ستجد نفسها سريعاً على لائحة طعام على مائدة الوليمة الدولية الكبرى التي توشك أن تبدأ.
بريجينسكي، من جهته، يتوقع أن يزداد الانكشاف الاستراتيجي لدول الخليج التي تدعمها وتحميها مباشرة الولايات المتحدة هذه الأيام، عبر أساطيلها وقواعدها الضخمة في مياه الخليج وأراضيه. يقول: "فيما تتراجع قوة الولايات المتحدة في هذه المنطقة، وفيما تواصل إيران بناء قدراتها العسكرية وتعزيز نفوذها في العراق(الذي كان قبل غزو 2003 الحاجز أمام التوسع الإيراني)، فأن اليد العليا ستكون للشكوك وانعدام مشاعر الأمن في كل من السعودية والكويت وقطر وعُمان ودولة الإمارات والبحرين. وهذه الدول قد تسعى إلى الحصول على حُماة أكثر فعالية لأمنها. الصين قد تكون مرشحاً واضحاً ومحتملاً للقيام بهذا الدور، الأمر الذي سيغيِّر بشكل دراماتيكي التشكيلة الجيو- سياسية للشرق الأوسط".
الأهم من ذلك، الكاتب يعتبر أن نفوذ أميركا مع القوى الإقليمية الأربع التي أقامت على أساسها صرح نظامها الإقليمي الشرق أوسطي قبل 35 سنة، وهي إيران والسعودية وتركيا ومصر (إضافة بالطبع إلى إسرائيل) يتضعضع لأسباب خاصة بكلٍ من هذه الدول. وبالتالي، موقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتدهور بوضوح. ومن شأن الانحدار والأفول الأميركي أن يضع حداً نهائياً لذا النفوذ".

- II -

حصيلة خطيرة؟
بالتأكيد. لكن افتراض بريجينسكي أن الصين قد تكون هي البديل لأميركا في منطقة الخليج، وعلى رغم أنه خيار وارد، إلا أنه ليس خياراً سيتم بسلاسة وسلام.
فالنظام الدولي التعددي العتيد سيكون لانظاماً إلى حد بعيد، بسبب الصراعات العنيفة المتوقعة بين القوى الكبرى الجديدة والقديمة، الصين واليابان والهند وروسيا وبعض دول أوروبا، على وراثة التركة الأميركية. وبالنسبة إلى منطقة الخليج، هذا سيترجم نفسه صدامات قد تكون عنيفة بين الصين والهند، أولاً في جنوب آسيا ووسطها خاصة في أفغانستان وباكستان اللتين تعتبران مدخلاً إلى بوابات الخليج العربي، ثم لاحقاً في الخليج نفسه. وهذا سيجر معه صراعات دولية وإقليمية أخرى تشارك فيها بحماسة روسيا وإيران وإسرائيل وتركيا، فضلاً عن القوة الأميركية المُنحسرة.
بكلمات أوضح: منطقة الخليج، بثرواتها النفطية التي تحتاجها بشكل سيء الصين والهند الظمأيين للطاقة، وربما لاحقاً اليابان في حال تسلَّحت نووياً كما هو مُتوقع، وبموقعها الجغرافي الاستراتيجي في عنق قارة أوراسيا، ستكون أحدى ساحات الحرب الرئيسة لتقرير مصير النظام العالمي الجديد.
المخرج الوحيد من هذه الورطة الاستراتيجية الزاحفة يكمن في إعادة تنظيم البيت الخليجي، وبالسرعة القصوى، من خلال خطوتين متلازمتين:
الأولى، استراتيجية أمن قومي جديدة تستند إلى إعادة الاعتبار إلى مفهوم الأمن القومي العربي، بما يكفل زج الامكانات الديمغرافية لـ400 مليون عربي في خدمة حماية دول الخليج وكل الإقطار العربية، ما سيجعل منطقة الخليج شريكاً وضيفاً في الوليمة الكبرى وليس على لائحة طعامها.
لأول وهلة، قد تبدو هذه الفكرة مجرد تكرار مُمل للإديولوجيا الرومانسية العروبية. لكنها ليست كذلك. فحين يتعلّق الأمر بالأمن، يجب استحضار كل العناصر التي يمكنها توفيره، من الهوية القومية والتاريخ والثقافة والدين المشترك، إلى المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة. وكل هذا يتوافر بحذافيره في حالة التكامل العربي.
كيف؟
تكفي هنا الإشارة إلى نقطة واحدة فقط كمؤشر على ذلك: عدد العمال الهنود في دولة الإمارات وحدها يبلغ نحو مليونين ونصف المليون نسمة، أي 36،46 في المئة من إجمالي السكان. وإذا أضفنا إليهم الباكتسانيين والبنغاليين والنيباليين، فقد تصل النسبة إلى نحو 65 في المئة.
هل يمكن أن يكون هناك أمن قومي حقيقي للإمارات في مثل هذه الظروف؟ وماذا إذا ما قررت الهند في مستقبل قريب استخدام ورقة هذه الجالية الضخمة، مدعومة بسلاح بحريتها المتسارع النمو والقوة، لفرض إرادتها القومية على الإمارات؟
وفي السعودية يبلغ عدد الهنود نحو المليونين. وهؤلاء أيضاً سيكونون في غد غير بعيد مادة دسمة للصراع على النفوذ، من بوابة حقوق الإنسان، والقوانين الدولية، والقانون الإنساني الدولي.
الخطوة الثانية التي يمكن أن تقوم بها دول الخليج، تنطلق من الخطوة الأولى (أي الاستراتيجية العربية الجديدة) وتتطور معها نحو بناء  صرح خليجي جديد، يستند إلى إصلاح الخلل الفادح في التركيبة السكانية عبر ضخ العنصر البشري العربي إلى هذه التركيبة، وفي الوقت نفسه تطوير إطار مايسمى "الديمقراطية القَبَلِية" المطبقة الآن في كل دول الخليج لتكون قادرة على أن تكون "شاملة للجميع" (inclusive ).
- III -
هل هذا تفكير طوباوي، أو حتى حالم؟
ربما.
لكن من يقرأ جيداً الانقلّابات الخطيرة التي تجري الآن على قدم وساق في النظام الدولي، والتي أجاد بريجينسكي في توضيح معالمها وأبعادها، سيدرك سريعاً أن الخيال الخلاّق مطلوب هذه الفترة وبإلحاح لدى كل من يشعر بالقلق على مصير الأرض الخليجية وعلى شعوبها الناطقة بالضاد، والتي تكاد تتحوّل بالكامل إلى جزر غارقة في بحر لجب من الأجانب متعددي المشارب والمصالح والانتماءات.

                                                                                سعد

(*) Zbigniew Brezeninski: Strategic Vision- America and the crisis of global power.Basic books, New York 2012.208 pages