للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

السبت، 1 سبتمبر 2012

هل يكون رومني "آخر رئيس" لأميركا؟





- I -
عنوان هذا المقال سيثير حتماً الكثير من الاستغراب. إذ كيف يمكن أن يكون رومني المورموني آخر رئيس، فيما كل المؤشرات تدل على أن الولايات المتحدة ستبقى، حتى مع انحدارها النسبي الراهن (على حد تعبير بول كينيدي في كتابه الشهير "صعود وسقوط القوى العظمى")، أكبر اقتصاد، وأضخم قوة عسكرية لاتضاهى، وأكثر الأنظمة جاذبية في مجالات الثقافة (والتسلية) الشعبية وشعارات الحرية والديمقراطية السياسية، على الاقل حتى العام 2025؟

السيد المسيح في أميركا!( الصورة من غوغل

حسنا. الأمر يتعلق بما يمكن تسميته بـ"التاريخ الخفي". فالامبراطوريات يمكن أن تُحافظ على هيبتها وحتى سطوتها لفترة غير قصيرة بعد زوال أو تبدد إمكاناتها الفعلية. فالامبراطورية العثمانية بقيت زهاء قرن محتفظة بهذه الهيبة بعد تداعي كل ركائز قوتها الاقتصادية والعسكرية، وإن كان السبب الرئيس يعود إلى خلافات الدول الغربية حول من وكيف سيرث "رجل أوروبا المريض"، كما كانت توصف هذه الامبراطورية منذ القرن التاسع عشر. والأمبراطورية البريطانية (كما أشرنا في مقال الأمس) ظلّت تحتفي بنفسها كأعظم قوة على وجه البسيطة حتى العام 1910، على رغم أن أميركا كانت قد حلّت مكانها فعلياً في هذه المرتبة قبل عقد أو حتى عقدين من الزمن.

- II -
المظهر، إذا، لا يعكس دوماً  الجوهر. وهذا سينطبق حرفياً على ميت رومني في حال فاز باانتخابات الرئاسة المقبلة.
لماذا؟
لأن البرنامج الاقتصادي والسياسي والخارجي لهذا الرجل مع حزبه الجمهوري، منفصل عن الواقع بشكل مريع. وهو لايزال يقارب هذا الواقع الجديد بأدوات التحليل والشعارات القديمة:
أولا، النزعة القومية المتطرفة، في عصر العولمة التي تكاد تقضي على ماتبقى من سلطة الدولة- الأمة للمرة الأولى منذ معاهدة وستفاليا العام 1648 التي أرست دعائم هذه السلطة.
ثانيا، رومني لايزال يعتبر أن الرأسمالية المنفلتة من عقالها، في شكلها القديم، خاصة ذلك الذي حوّل أميركا خلال ولايتي بوش إلى كازينو وأدى إلى الكارثة الاقتصادية عامي 2007 و2008، هي الترياق الوحيد للمرض الاقتصادي الأميركي الراهن.
ثالثا، وأخيراً، هذا المرشح الجمهوري لايبدو مستعداً لقبول الأمر الواقع الدولي الجديد، الذي يشهد بشكل حثيث إعادة توزيع السلطة العالمية لغير صالح الولايات المتحدة ولصالح الصين وآسيا بالدرجة الأولى. كما أنه ينوي استعداء روسيا، في وقت تحتاج فيه أميركا بشدة إلى دور هذه الدولة، ليس فقط في إيران وأفغانستان وبقية أنحاء الشرق الأوسط الكبير، بل أيضاً كقوة موازنة للصين.
لقد وعد رومني الأميركيين باستعادة قوة الاقتصاد الأميركي، وتوفير 12 مليون فرصة عمل، وإحياء الدور القيادي الأميركي في العالم. لكنه لم يقل كيف. الطريقة الوحيدة لفعل كل ذلك هي فرض ضريبة كبيرة، خاصة على الأغنياء، واتباع سياسة تقشف لوقف تضخم الديون الأسطورية التي قد تقوَّض في نهاية المطاف وضعية الدولار الأميركي كعملة الاحتياط الأولى في العالم، وتنسف دور أميركا كافضل نموذج للنمو الاقتصادي. هذا فضلاً عن ضرورة سد الفجوة الهائلة في المجتمع الأميركي، والتي لاتني تتفاقم، بين الأغنياء (1 في المئة يسيطرون على معظم الثروة القومية) وبين الفقراء.

- III -
رومني، وحزبه الجمهوري، غير مستعدين بالمطلق للقيام بأي من هذه الإجراءات الإصلاحية. فهما، كما لايجب أن ننسى، حزب الطبقة الرأسمالية العليا لا الطبقات المتوسطة والفقيرة. ولذلك ستكون النتيجة الوحيدة المرجَّحة لاحتمال عودة الفيل (شعار الحزب الجمهوري) إلى البيت الأبيض، أشبه بدخول فيل آخر إلى محل خزف صيني. أي: دمار شامل، خاصة إذا ما استكمل رومني "إنجازات" صديقه بوش في تمويل الحروب والسياسات الخارجية من الديون.
إن السفينة الأميركية مهددة بالغرق بالفعل، كما يعتقد عن حق العديد من المحللين الأميركيين. وآخر ماتحتاجه مثل هذه السفينة هو قبطان لايزال يعيش على الأوهام، بما في ذلك حتى وهم كنيسته المارمونية التي تؤمن (في إنجيلها الخاص) أن السيد المسيح زار أميركا.
ومن يدري؟ ربما يؤمن رومني وصحبه بالفعل أن المسيح سيعاود الظهور مجدداً في أميركا، لانقاذ اقتصادها وتوفير 12 مليون فرصة عمل!

                                                                             سعد