للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الاثنين، 11 مارس 2013

أجل، أنها حرب سنّية- شيعية شاملة في المنطقة (الحلقة الأولى)


- I -
حجب الشمس بأصبع، لم يعد جائزا:
أجل. يجب الاعتراف بأن ثمة حرباً مذهبية سنّية- شيعية شاملة، تدور رحاها بكل أنواع الأسلحة هذه الأيام عل رقعة شاسعة تمتد من الهلال الخصيب إلى منطقة الخليج، مروراً بشبه القارة الهندية.
أجل أيضا: هذه الحرب الأهلية الإسلامية الداخلية تجري داخل سياق صراع دولي، تقف فيه إيران ونظام الأسد ولبنان- حزب الله إلى جانب روسيا (الصين لم تقرر بعد أن تكون لاعباً دولياً أول في الشرق الأوسط)، فيما تصطف السعودية وبقية دول الخليج وتركيا وراء أميركا وأوروبا.
 وهذا ماقد يوحي بأن لهذه الحرب شكلاً إديولوجياً، حيث يبدو أن المعسكر الأول "الممانع والمقاوم" يقف ضد إسرائيل والامبريالية، فيما المعسكر الثاني يدور في فلك هاتين الأخيرتين.
بيد أن هذه الصورة لاهي حقيقية ولاهي واقعية.
صحيح أن إيران في حال اشتباك مع أميركا، إلا أن تاريخ ثورتها حافل بالصفقات المذهلة التي قد لاتخطر على أي بال إديولوجي مع واشنطن: من إيران - غيت إلى الحلف غير المقدس في حرب أفغانستان، ومن تواطؤ إيران مع أميركا في غزو العراق العام 2003 إلى تقاسم الغنائم بينهما لاحقاً في بلاد الرافدين.
وبالمثل، صدام أيران مع إسرائيل لايدور بسبب الاختلاف حول الشكل الإديولوجي للآخرة، بل حول أحوال الدنيا الاستراتيجية في الشرق الاوسط. محور الخلاف: القوة الإقليمية الصاعدة (أو التي كانت صاعدة على الأقل حتى ماقبل الانتفاضة السورية) تريد حصة في نظام الشرق الأوسط، وتل أبيب لاتزال ترفض انطلاقاً من اعتبارات "أنانية" واستراتيجية في آن.

- II -
هذه اللوحة الحقيقية للصراع من فوق تجد صداها من تحت، حيث تختلط صور "المقاومة والعمالة" إلى درجة مذهلة.
فعلى سبيل المثال:  كيف نفسّر كون شيعة العراق( او بالأحرى قادتهم الطائفيين) كانوا على تحالف مع " الشيطان الاكبر " طيلة حقبة الاحتلال الأميركي للبلاد، فيما أشقاؤهم في لبنان شكلّوا رأس الحربة في مقاومة " الهيمنة الاميركية ". هذا على رغم أن  " الشيطان " ( اميركا) كما " المرجعية الملائكية " ( إيران ) هما إياهما في الحالين؟
على سبيل المثال أيضاً: كيف كان سنّة العراق طليعة المجاهدين ضد الأحتلال والعولمة والرأسمالية، فيما أخوانهم في المذهب في لبنان بقيادة الأسرة الحريرية طليعة المتحالفين مع اميركا، والداعين إلى الاندماج بلا قيد أو شرط بالعولمة الرأسمالية، حتى في شقها الليبرالية الجديد المتطرف ؟
أكثر: كيف نبرر كون 80 في المائة من شبان الشيعة في إيران على علاقة غرامية سرّية مع أميركا، كما تدل العديد من الأستطلاعات، فيما 80 في المائة من زملائهم في لبنان والعديد من الدول العربية الأخرى يعتبرونها وسواسة خناّسة ؟
الأمر هنا  أشبه بلعبة " حاول أن تفهم "، أو بسيرك فقد القيّمون عليه السيطرة على برامجه فإختلط المهرجون بالجمهور، والجمهور بالمهرجين، ولم يعد أحد يدري ما يجري.
لكن الصورة ليست كذلك. المسألة، ببساطة، تتعلق بصراعات سياسية، قومية، مصلحية، يتم خلالها إستخدام الانتماء الديني او المذهبي لتبرير الوطنية والخيانة معاً؛ التقليدية والثورية؛ والرجعية والتقدمية. المذهبية الدينية هنا هي ضحك على ذقون من يريدون أن يضحك عليهم، او ان يستخدموا أضاحي على قرابين الانتهازية والمصالح.
المفعول به وفيه  معروف: إنها " الجماهير الطائفية " التي تقبل السير كالأغنام وراء قادتها الذين يقودونها إلى المسالخ الدموية. أما الفاعل فلا يقتصر، كما قد يعتقد البعض، على أميركا والغرب، بل هو يتضمن أيضاً كل او معظم الأطراف المنغسة الان في الصراع الأقليمي- الدولي الحالي في الشرق الاوسط.
وهكذا، يتبيّن الان أن اميركا وإيران معاً دعمتا في السابق غلاة  الأصوليين السنّة في العراق كل لهدفها الخاص: الأولى لأستمكال فرز السنّة عن الشيعة، والثانية لانهاك الاميركيين ودفع الشيعة العراقيين إلى أحضانها.
- III -

هل يعني هذا التسييس الشديد للصراع  أننا ننفي وجود خلافات وإختلافات فقهية تاريخية بين المذهبين الشيعي والسنّي؟
كلا بالطبع. لكننا هنا نطرح سؤالاً غير بريء: كيف أمكن للشيعة والسّنة التوّحد في جبهة واحدة متراصة خلال المجابهة بين الحركة القومية الناصرية مع الغرب خلال الخمسينيات والستينيات،  إلى درجة إعتبار الأزهر الشيعية المذهب الخامس في الأسلام، فيما المجابهات الراهنة تستند، على العكس،  إلى تفجير الصراعات بينهما؟
سيقال لنا أن هذه مستلزمات السياسة في هذه المرحلة. وهذا صحيح. لكن، سيتعيّن على من يقول ذلك اليوم ثم يقرن قوله بفعل التحريض المذهبي- الديني، أن يقبل غداً سقوط مئات آلاف " الشهداء " من كلا الطرفين من اجل  " القضية " السياسية، وأن يسبح في بحيرات الدم القاني التي صنعتها يداه. عليه أيضاً أن يعد من الأن كشوف حساباته الكاملة أمام ربه، حول جريمة تجديد الفتنة الكبرى في الأسلام.
وهي فتنة تجري رحاها الآن بكثافة، كما أسلفنا، من الهلال الخصيب والخليج إلى شبه القارة الهندية، بإشراف أميركي- غربي شامل.
كيف؟
(غداً حلقة ثانية)
سعد محيو