للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 15 مارس، 2013

هل يُقدِّم المهدي المنتظر استقالته إلى الله؟! (الحلقة الخامسة)



- I -
هل ثمة وسيلة للخروج من هذه المسرحية التاريخية الكارثية التي يُعيد السنّة والشيعة تمثيل مآسيها الآن بحذافيرها تقريباً، بعد أكثر من ألف سنة من أدائها؟

عبد الله وحامنئي: صدام الحصيلة صفر (الصورتان من غوغل

حين يكون السؤال معقَّداً إلى هذه الدرجة، ومشحوناً بالذكريات التاريخية المريرة إلى هذه الدرجة، ومشتبكاً بتوجهات خارجية لإعادة إنتاج الحرب الأهلية الأسلامية، لن يكون الجواب سهلاً بالطبع.
فضلاً عن ذلك، وجود نظامين سياسيين طائفيين كالسعودية وإيران يبشران بإيديولوجيات مذهبية مُغلقة، يوصد الباب أمام أي "حوار ثقافات" حقيقي داخل الحضارة الإسلامية، الأمر الذي يُضفي على أي صراع سياسي على النفوذ في المنطقة بُعداً دينياً ملتهباً ومتفجّرا.
والحال أن الصراع بين البلدين كان مستعراً أصلاً، منذ أن انتقلت إيران من كونها الحليف الأكبر للولايات المتحدة في منطقة الخليج إلى عدوها الأكبر بعد انتصار الثورة الإسلامية فيها العام 1979. ومنذ ذلك الحين، انغمست الرياض وطهران في حمأة مجابهات تراوحت بين الحروب بالواسطة، كما حدث إبان الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988) التي دعمت فيها السعودية بقوة الرئيس صدام حسين، وبين "المجابهات الودية" في عهدي الرئيسين رفسنجاني ونجاد.
بيد أن العلاقات تدهورت مع وصول الرئيس أحمدي نجاد إلى السلطة، بعد ان ارتدت السلطة الإيرانية حلّة إيديولوجية دينية كاملة، فردت مملكة السعوديين على هذه التحية بالمثل. وهكذا تبلورت حرب باردة حقيقية بين الطرفين على النمط الأميركي - السوفييتي، تضمّنت العدة الكاملة لمثل هذه الحرب: الجواسيس ضد الجواسيس؛ حملات التضليل الإعلامي؛ الصدامات بين القوى التابعة لهما (في لبنان والعراق، والآن في سوريا)؛ اتهامات سياسية متبادلة وحادة؛ وتراقص على حافة صدامات لايستبعد البعض ان تصل حتى إلى المستوى العسكري.
وعلى الصعيد الإديولوجي، كانت الحرب الباردة بين السعودية وإيران لاتقل حدّة وعنفاً. فقد لاحقت المخابرات السعودية من وُصفوا بـ"المبشّرين الشيعة" الإيرانيين في المغرب وأبلغت السلطات في الرباط عنهم، فأدى هذا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية المغربية- الإيرانية. كما وصلت المجابهات إلى إندونيسيا حيث يتسابق الطرفان السعودي والإيراني الآن على كسب قلوب وعقول المواطنين الإندونيسيين، عبر ضخ مئات ملايين الدولارات في المجتمع المدني الإندونيسي للترويج للصيغتين السنيّة والشيعية للإسلام.
بيد أن نقطة الصدام التي دفعت الحرب الباردة إلى السطح، كانت الانتفاضة الشعبية في البحرين. إذ كانت الثورة الشعبية في بلاد القرامطة انطلقت مع غياب ملحوظ للشعارات الطائفية ومع تركيز على الإصلاحات الدستورية. لكن، حين أوحت بعض جهات في السلطات البحرينية أنها على وشك الرضوخ إلى بعض مطالب المُنتفضين، على غرار ماحدث في تونس ومصر، تدخلت قوات درع الجزيرة  فتحوّلت الانتفاضة الشعبية بين ليلة وضحاها إلى عراك إقليمي علني وعنيف بين الرياض وطهران.
وقبل البحرين، كانت السعودية ترى أصابع إيرانية واضحة في الثورة الشعبية اليمنية، خاصة في أوساط الحوثيين، فتحرّكت للإمساك بمفاصل الوضع هناك لمنع التمدد الإيراني، عبر توثيق العلاقات المالية مع العديد من القبائل اليمنية ولعب دور الوسيط بين النظام والمعارضة.
ثم هناك بالطبع لبنان، الذي ترتدي فيه المجابهة بين تياري 8 و14 آذار/مارس، طابع الصراع الصريح والمباشر بين السعودية وإيران، منذ أن نجح حزب الله في إطاحة حكومة سعد الحريري الموالية للرياض.
ويبقى الانتظار لمعرفة كيف ستكون خواتيم هذا التنافس السعودي- الإيراني في سوريا، التي  تحوّلت هي الأخرى إلى نقطة صدام كبرى بين الطرفين تستخدم فيها كل أنواع الأسلحة، بسبب الدور المحوري الذي تلعبه بلاد الشام في استراتيجيات الشرق الأوسط.
- II -
في ظل هكذا حروب ساخنة- باردة على هذا النحو من الضراوة والتعبئة الإديولوجية، من الصعب العثور على حلول، إلا بالطبع إذا ما غيّرت السفينة الإيرانية وجهتها الراهنة وعادت إلى المسار الحواري والانفتاحي الذي دشنّه الرئيس خاتمي، وإلا إذا تم إسقاط الصيغة الوهابية الحالية التي ترسم خطاً من نار بين كل المذاهب الأسلامية تقريبا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إلى مَ سيؤدي هذا الصدام المروّع؟
إذا ما كان السلفيون السنّة يعتقدون أنه لايزال في وسعهم إعادة الشيعة إلى وضعية الخضوع بالقوة أو التبعية، فسيكونون واهمين للغاية. هذا لن يحدث لا في العراق ولا في لبنان ولا البحرين، ولاحتى داخل المملكة السعودية نفسها. فهذه مرحلة سقطت تاريخياً ولن تعود.
وإذا كان المتطرفون الشيعة يظنون أن المهدي المنتظر آت لاستئصال شأفة السنّة وتسليم سلطة آخر الزمان إليهم، فالأرجح أنهم سينتظرون ألف سنة أخرى. والحال أنه حتى لو ظهر المهدي المنتظر ورأى مايفعله المسلمون ببعضهم البعض، فالأكيد أن سيرفع "استقالته" إلى الله.
الحصيلة الوحيدة لهذا الصدام هو الدمار. الدمار الشامل على التحديد.
وحين تبدأ أهوال هذه الكارثة الحضارية والإنسانية بالتكشُّف، سيظهر حينذاك  أصحاب الأصوات "العاقلة" الذين سيتساءلون: كيف سمحنا بأن يجري ماجرى، وسيبدأون بالبحث عن حلول خارج أطر الهلالين الشيعي والسنّي، وداخل إطار قيم المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان. لا بل سيفتشون عن حلول داخل إطار العلمنة التي ستكون الرد الوحيد على جنون مايسميه أوليفييه روا "الجهل المقدس".
هذا بالطبع إذا لم تنجح المخططات الإسرائيلية - الغربية، وتنشأ دويلات سنيّة وشيعية في المنطقة ترتسم حدودها بأنهار دائمة من الدماء القانية، وتخوض مع بعضها البعض حروباً دائمة لاتنتهي.

(انتهت حلقات الفتنة الكبرى-2)

سعد محيو