للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 8 مارس، 2013

قصتي الغريبة كـ"عميل وجاسوس ومرتزق"


- I -
لم يعتد كاتب هذه السطور الكتابة عن نفسه طيلة حياته المهنية الصحافية المديدة.
فتجاوز الأنا( The ego)، (والأنا هي أساس وجذر كل مصائب البشرية وحروبها وكوارثها على مدى التاريخ)، هو الانجاز الأهم التي يمكن لأي إنسان يقرر خوض مثل هذه المعركة أن يعتز به.
بعد هذه المقدمة "الأنوية" الضرورية، هاكم ماحدث لي خلال الأسابيع القليلة الماضية:
كلما كتبت تحليلاً عن الشأن السعودي، كانت تتراكم على رأسي الردود على موقع "اليوم، غداً"، وعلى وساط التواصل الاجتماعي بأني عميل لقطر. وحين كتبت عن قطر، جاءتني سريعاً ليس فقط التهمة بأني عميل للسعودية، بل أيضاً للنظام السوري الذي يحاربه الآن  النظام القطري بكل امكاناته بعد أن انقلب الحب الشهير بينهما إلى كراهية.
وحين جاء دور كتاباتي عن كارثية سلوك النظام السوري مع انتفاضة شعبه، اتهمني الكثيرون بالتنكّر لمبادئي القومية والاستقلالية وأيضاً بالعمالة لإسرائيل. أما حين قلت أن النظام الإيراني دمّر نفوذه في المنطقة العربية بسبب دعمه لنظام سوري فقد عقله، وأن إيران نفسها تنحدر إلى انفجار داخلي بسبب قرارها الاستراتيجي الكارثي في الدخول في سباق على النفوذ الإقليمي والتسلح مع الغرب، جاءتني التهمة بأن عميل لأميركا.
- II -
ماتفسير هذه التهم الجاهزة، التي يبدو واضحاً فيها أن اللغة تسبق العقل، والإدانة تبرز بلا تدقيق، ويصدر الحكم قبل المحاكمة؟
ثمة تفسيرات عدة لاتفسير واحد.
- أن سكان المنطقة، وبسبب كوارث التدخل التي أنزلها الغرب بهم على مدى قرنين، باتوا واثقين بأن العمالة والتجسس والارتزاق هي نمط الحياة السائد، خاصة في المجالين الإعلامي والسياسي. وفي هذا شيء من الصحة. لكن ليس كل الصحة، إذ لايزال في مجتمعاتنا العديديون ممن يحافظون على تماسكهم الأخلاقي والقومي والإنساني.
- الضعف الشديد في الثقافة الديمقراطية الليبرالية والقانونية، وبالتالي في قبول أي رأي مخالف على أنه رأي مخالف وليس عمالة أو ارتزاق.
- الدور المدمّر الذي لعبته الأنظمة العربية في ضرب ثقافة المواطنة والكرامة الشخصية، إما عبر إخضاع المواطنين بالقوة عبر قمع أجهزة الاستخبارات (كما في الأنظمة الجمهورية الديكتاتورية)، أو عبر إستلحاقهم من خلال "شراء " طبقات بكاملها (كما في الأنظمة الخليجية). وكل ذلك خلق قدراً كبيراً من الشك لدى كل المواطنين حتى في وجود قيم أخلاقية أو مباديء حقيقية في مجتمعاتهم.
- وفوق هذا وذاك، كانت الوفرة في السياسيين والصحافيين في العالم العربي الذي انغمسوا في لعبة فساد الأنظمة والمجتمعات، مادة دسمة لبروز هذا الانهيار الشامل لمنظومة القيم والأخلاق في كل المنطقة العربية.
- III-
كيف السبيل للخروج من هذه الحلقة المفرغة؟
الأمر يعتمد كله تقريباً على النخب المثقفة من مفكرين وإعلاميين وسياسيين طاهري الكف، الذين يتعيّن عليهم وضع اليد على هذه المشكلة الكبرى، والعمل على إعادة الاعتبار لمنظمومة القيم والأخلاق والمباديء والطهارة الاجتماعية.
وهذه ليست بالمهمة المستحيلة ولا الصعبة. فالناس رادارات يلتقطون في لحظة رجل الشأن العام المخلص الذي يكرّس نفسه للآخرين ضارباً عرض الحائط بأناه وأنانيته، ويضعونهم في مراتب الخالدين.
لكن، وحتى ذلك الحين، سيبقى كاتب هذه السطور، وبقية سرب الإعلاميين والسياسيين المفكرين غير الملوثين، مادة دسمة لسهام الاتهامات بالعمالة والتبعية والارتزاق.
كان الله في العون !
سعد محيو