للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 8 مايو، 2013

كيري- لافروف: مناورة كبرى لا تسوية كبرى؟



- I -
"هذا ليس اختراقاً استراتيجياً كبيرا، بل هو مناورة دبلوماسية كبرى".


هذه، ببساطة، قد تكون الخلاصة التي يمكن أن يخرج بها المحللون من اتفاق وزيري الخارجية الأميركي كيري والروسي لافروف على عقد مؤتمر دولي لحل الأزمة السورية وفقاً لبيان جنيف.
فهذا الاتفاق لاهو خريطة طريق للتسوية السورية، كما قال كيري، لكنه في الوقت نفسه ليس مجرد كتابة على الماء، بل هو يستهدف خدمة أهداف دبلوماسية محددة.
لكن هنا تكمن المفارقة الكبرى: إذ أن هذه الأهداف برمتها تتعلّق بالمصالح الأميركية والروسية، وليس بمصائر الشعب السوري.
فالرئيس أوباما كان يتعرّض منذ فترة إلى ضغوط هائلة في الداخل الأميركي لحمله على التدخل في سورية، بحجة أن الفشل في مواجهة أسلحة دمار شامل على نحو صغير في ذلك البلد، سيجعل الفشل محتماً في وقت لاحق على النحو النووي الإيراني الكبير. وهذا ماسيضرب كل مصداقية الخطوط الحمر الأميركية في العالم بأسره، بما في ذلك حتى في منطقة آسيا- الباسيفيك بين حلفاء أميركا الآسيويين.
المنقذ الوحيد له من هذا المأزق كان الرئيس الروسي بوتين إن هو تخلى عن بشار الأسد وعقد الخناصر معه لإيجاد حل سياسي يعتمد على "القوة الثالثة" في سورية. وهذا البحث عن "المتقذ" كان واضحاً ليس فقط في المكالمة الهاتفية بين الرجلين قبل أسبوعين التي بدا فيها أن اوباما يستجدي بوتين ليغيّر موقفه، بل أيضاً بما قاله المسؤولون الأميركيون من أن توجّه أوباما لتسليح المعارضة لن يتم، في حال اتخذ قرار نهائي في هذا الشأن، قبل أسابيع.
وهذا عنى أن أوباما يريد استخدام عملية تسليح المعارضة كورقة للضغط على بوتين عشية محادثات كيري- لافروف، وأيضاً عشية قمته مع بوتين في حزيران/يونيو المقبل.
فهل حصل على مايريد عبر زيارة كيري إلى موسكو؟
- II -
يبدو أن الأمر كذلك.
فالدعوة إلى مؤتمر دولي "سريع" حول سورية سيخفف الضغوط إلى حد كبير عن واشنطن، وسيعطي الانطباع بأن سياسة أوباما الحذرة والمتأنية بدأت تؤت أكلها. كما أن تصريح لافروف بأن موسكو "لاتهتم بمصير الأشخاص بل بمصير الشعب السوري"، يعطي هو أيضاً موسكو (وواشنطن) حيزاً أكبر من القدرة على المناورة الدبلوماسية، من دون أن يعني ذلك فعلياً التخلي نهائياً عن الرئيس السوري الأسد (أو بالأحرى عن ورقة الأسد).
أما التسوية السورية نفسها فهي ستجلس على الأرجح في غرفة انتظار طويل. إذ يجب أن يوافق النظام السوري أولاً على الجلوس مع قوى المعارضة في المؤتمر الدولي العتيد، كما يجب أن توافق قوى المعارضة المبعثرة، المسلحة وغير المسلحة، على الجلوس إلى طاولة واحدة مع النظام.
والأهم أنه يجب تذليل العقبة الكبرى المتمثّلة في التفسيرات المتناقضة بين واشنطن وموسكو لبنود اتفاق جنيف المتعلقة بالحكومة الانتقالية في سورية. فواشنطن تقول أن الأسد يجب ألا يكون جزءاً من هذه المرحلة، فيما موسكو ترفض ذلك وتدعو إلى أن يكون الرئيس السوري طرفاً رئيسا فيها.
وفوق هذا وذاك، ليس ثمة تمهيد أمني وسياسي البتة لهذا المؤتمر الدولي. فالحرب واسعة النطاق، ومعها المجازر، مستمرة وإلى تصاعد. والوسيط الدولي- العربي الأخضر الإبراهيمي، الذي كان يمكن أن يلعب دور الجسر بين الأطراف السورية المتناحرة، بات جزءاً من المشكلة بدل أن يكون جزءاً من الحل، وهو يترنح منذ فترة على شفير الاستقالة.
فكيف يمكن، والحالة هذه، أن يكون المؤتمر الدولي مثمرا؟
- III -
كل هذه المعطيات تعني أمراً واحدا: موافقة موسكو على المؤتمر الدولي، كانت مجرد هدية من بوتين إلى أوباما لمساعدته على وقف الضغوط عليه للتدخل في سورية. وعلى رغم أن هذه الهدية قد لاتكون مجانية، إلا أن هدفها الأول هو فرملة انزلاق واشنطن التدريجي نحو العمل العسكري في سورية.
وهذا الهدف الأول ربما يكون هو الحصيلة النهائية للجهد الدبلوماسي الأميركي الراهن، إلا بالطبع إذا ماتوصّلت قمة بوتين- أوباما الشهر المقبل إلى اتفاقات دولية شاملة نسبياً تحصل بموجبها موسكو على بعض الثمار في مجالات أمنية أو جيوسياسية في منطقة الاتحاد السوفيتي السابق أو اقتصادية في منظمة التجارة العالمية. إذ حينها قد يكون بوتين في وارد بيع جلد الأسد، كما باع العام 2009 جلد خامئني حين أبرم مع أوباما اتفاقية "إعادة تنظيم" ( Reset) العلاقات الروسية- الأميركية على أسس جديدة. وحينها، قد تنفتح أبواب التسوية السورية على مصراعيها.
كل الأنظار، إذا، إلى قمة بوتين- أوباما في حزيران/يونيو.

سعد محيو