للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 1 مايو، 2013

أوباما لروسيا: إما التسوية أو المجابهة الشاملة


- I -
هل بدأت الأزمة السورية تتجه نحو التدويل الشامل والكامل، على النحو الذي كانت عليه أفغانستان إبان الحقبة السوفييتية، ولبنان خلال حربه الأهلية 1975- 1989؟
قد يقال هنا أن هذا السؤال غير دقيق. فالازمة تدوّلت منذ اللحظة التي تسبب فيها صلف النظام السوري في انتقال الانتفاضة الشعبية من المظاهرات السلمية إلى العمل المسلح، وفي انخراط معظم القوى الإقليمية في الشرق الأوسط فيها  ومعها كل الدول الكبرى.
وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة في العالم، نأت بنفسها عن التورط المباشر، الأمر الذي جعل التدويل يفتقد إلى العنصر الأساسي الذي قد يجعل منه تدويلاً تاماً ومتكاملا.
الأسباب التي دفعت إدارة أوباما إلى ممارسة هذه السياسة إزاء سورية معروفة، وقد خصصنا لها في هذه المدونة العديد من المقالات، إذ هي تبنّت في ولايتها الأولى استراتيجية الإستدارة نحو آسيا- الباسيفيك (Pivot )، والتي قامت على أضلع ثلاثة:
الأول، تحويل جل الموارد الأميركية نحو منطقة الباسيفيك التي أصبحت المركز الجديد للاقتصاد العالمي، والتي تبرز فيها لأول مرة في التاريخ ثلاث قوى آسيوية كبرى في الوقت نفسه: الصين والهند واليابان.
والثاني، التركيز على إعادة بناء الاقتصاد الأميركي، بما في ذلك محاولة إعادة تصنيع البلاد، لأن ماسيحسم الصراع في آسيا- الباسيفيك هو التفوّق الاقتصادي في الدرجة الأولى. وهذا التوجه أطلق عليه أوباما اسم "بناء الأمة".
والضلع الثالث هو إقفال ملف الحروب البوشية في العالم الإسلامي، والعمل على نقل مسؤولية إدارة الشرق الأوسط (ماعدا نفط الخليج) إلى الدول الأقليمية الكبرى الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة.
- II -
لكن يبدو الآن أن هذه الاستراتيجية، التي كانت في صلب سياسة "التهرُب من المسؤولية" الذي مارسه أوباما إزاء سورية وبقية الشرق الأوسط (على حد تعبير مسؤول أوروبي)، بدأت تهتز بقوة.
أهم مؤشر على ذلك كان إعلان مسؤولين أميركيين بارزين أمس أن إدارة أوباما تتجه الآن إلى تسليح المعارضة السورية مباشرة. كما أن البنتاغون أنجز خططاً للتدخل العسكري في سورية تبدأ من قصف مواقع الصواريخ والدفاع الجوي السوري، وتنتهي بامكانية إقامة منطقة حظر جوي في الجنوب على الحدود مع الأردن.
هذا الانقلاب في الموقف الأميركي أملته عوامل عدة على مايبدو:
-  تجاوز النظام السوري الخط الأحمر الأميركي الخاص بحظر استخدام الأسلحة الكيميائية؛ والأهم إبداء إسرائيل تخوّفها على أمنها الخاص من هذا التطور، إذ أن تحويل استخدام هذه الأسلحة إلى "أمر عادي"، قد ينقلب عليها في النهاية إذا ماوقعت هذه الأسلحة في أيدي أعدائها من المنظمات المسلحة.
- الضغوط الهائلة على إدارة أوباما في الداخل الأميركي للتدخل، بذريعة أن الفشل في مواجهة أسلحة دمار شامل على نحو صغير في سورية، سيجعل الفشل محتماً في وقت لاحق على النحو النووي الإيراني الكبير. وهذا ماسيضرب كل مصداقية الخطوط الحمر الأميركية في العالم بأسره، بما في ذلك حتى في منطقة آسيا- الباسيفيك بين حلفاء أميركا الآسيويين.
- عجز بريطانيا وفرنسا، اللتين أناطت بهما إدارة أوباما إدارة الملف السوري، بسبب متاعبهما الاقتصادية والمالية، ولعدم قدرتهما على دفع ألمانيا ومعها الاتحاد الأوروبي إلى القيام بدور أكثر فعالية في بلاد الشام.
- وأخيراً، ثمة عامل قد لايبدو بارزاً كثيراً هذه الأيام، لكنه حاضر وبقوة، وهو الاكتشافات المذهلة للغاز الطبيعي والنفط في شرق المتوسط. وبديهي هنا ألا تكون الولايات المتحدة في وارد ترك هذه الكنوز لقمة سائغة في فم روسيا أو حتى حليفتيها تركيا والاتحاد الأوروبي.
- III -
كل هذه العوامل، إذا، تساهم الآن في جر أوباما إلى إدارة الظهر لاستراتيجية الاستدارة نحو آسيا، وإن بشكل مؤقت. وهو يفعل ذلك مكرهاً وبكل التردد الممكن.
لابل أكثر: الأرجح أن الرئيس الأميركي لايزال يراهن على أن الرئيس الروسي بوتين يمكن أن ينقذه من هذه الورطة، إن هو تخلى عن بشار الأسد وعقد الخناصر معه لإيجاد حل سياسي يعتمد على "القوة الثالثة" في سورية. وهذا التوجّه كان واضحاً ليس فقط في المكالمة الهاتفية بين الرجلين قبل أيام التي بدا فيها أن اوباما يستجدي بوتين ليغيّر موقفه، بل أيضاً بما قاله المسؤولون الأميركيون من أن تسليح المعارضة لن يتم، في حال اتخذ قرار نهائي في هذا الشأن، قبل أسابيع.
وهذا يعني أن أوباما يريد استخدام عملية تسليح المعارضة كورقة للضغط على بوتين عشية القمة بينهما في حزيران/يونيو المقبل.
لكن، وكيفما جرت الأمور خلال القمة وبعدها، يبدو أن السياسة الأميركية إزاء سورية دخلت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها الرئيس الضغط الأميركي على روسيا بقوة لتخييرها بين تسوية تخرج منها رابحة، وبين مجابهة شاملة في بلاد الشام ستمنى فيها بخسائر استراتيجية ومعنوية كبرى.
وفي كلا الحالين، سيتحقق التدويل الكامل والناجز للأزمة السورية.

سعد محيو