للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الاثنين، 14 يناير 2013

هل ترقص السعودية على إيقاع روح القصيبي؟





- I -
هل تكون سيرة حياة المفكر والشاعر  الراحل القصيبي نموذجاً لـ"تطور وارتقاء" المجتمع السعودي؟

الملك عبد العزيز: مابعد التأسيس

لوهلة، قد يبدو أن هذا التساؤل يذهب بعيداً في محاولة حشر مجتمع برمته تغلب عليه أصلاً نزعة المحافظة الدينية في تجربة شخص ليبرالي واحد. لكن الأمر لايكون كذلك حين نتذكّر أن الأمم تشبه كثيراً الأفراد في مجال المراحل الانتقالية التي تمر بها: من الإيمان المطلق في الطفولة، إلى القلق والشك في المراهقة وربما مابعدها، ثم إما إلى مرحلة يقين إيماني جديد أو إلى قناعات عقلية وعلمية جديدة أو كليهما.
القصيبي: 3 مراحل تطور
وبهذا المعنى العديد من المواطنين السعودي (وفي الواقع كل عربي ومسلم) يحتمل أن يمر في الاطوار الثلاثة التي مرّ بها القصيبي: من السلفية المطلقة، إلى نقد هذه السلفية، وأخيراً إلى مرحلة التفكّر العقلاني والبحث عن أدلة يقينية إضافية في خزائن العلم الحديث.
لماذا هذا المرور الانتقالي؟
بسبب الحداثة المادية في المملكة (وأيضاً الحداثة الفكرية لدى الطلاب والمثقفين السعوديين في الخارج) التي جعلت الوصفات السلفية والقبيلية السابقة التي كانت ناجحة لدى تأسيس الدولة السعودية الثالثة، غير قادرة على تلبية حاجات فئات مجتمعية عدة انفتحت على العالم والثقافة والفكر، وعلى سماوات افتراضية (التويتر والفيس بوك واليوتيوب والفضائيات والحواسيب) تطلق كل الحريات من عقالها، في مقابل السماء السلفية المُغلقة التي تنسف كل الحريات ومعها الأمل بالحاضر والمستقبل باسم ماضٍ مات وانقضى.
كتب تركي السديري رئيس تحرير صحيفة "الرياض": "نحن مجتمع غني القدرات، وفي وسعه أن يصعد إلى أعلى مكانات التفوق الاقتصادي والعلمي شرط ألا تشغلنا اهتمامات قبيلية أو عرقية أو عنصرية أو انغلاق معرفي".
وقبل بيان السديري الحداثي "التأسيسي" هذا، كان العام 2003 ومابعده يشهد انفجاراً مجتمعياً معرفياً حقيقياً، ترجم نفسه في صيغة مطالبات واسعة النطاق بمنح المجتمع المدني السعودي حقوقه وحرياته في مواجهة السلطة السلفية القديمة.
كما ترجم نفسه أيضاً في مواجهة دولة سعودية يفترض أنها الطرف الذي يجب ان يقود معركة الحداثة والتحديث بحكم مصلحتها في الحصول على ولاء كل مواطنيها متبايني الانتماءات المذهبية والقبيلية والعقيدية، لكنها بدلاً من ذلك تستخدم الفزاعة السلفية لإدخال إصلاحات التحديث بالقطارة.
- II -

أجل. المجتمع السعودي تغيّر، خاصة في العقود الخمسة الأخيرة على كل الصعد التعليمية، والأكاديمية، والاقتصادية، والاجتماعية (تركُّز معظم السكان  بنسبة 70 في المئة في مدن الرياض، والساحل الشرقي (القطيف، الدمام، الاحساء، الخبر والجبيل) والساحل الغربي ( جدة ومكة والطائف)، وبروز الطبقة الوسطى، وانقلاب الديمغرافيا (غلبة معدلات الشباب واليافعين)، وتبلور "المجتمع الثاني" على شبكات الانترنت.
بيد أن هذا التغيرات الكاسحة لاتزال تقام في وجهها سدود عقيدية- مذهبية تمنع تبلورها في شكل هوية وطنية سعودية جديدة، تطوي صفحة الانقسامات المذهبية والقبيلية ماقبل الوطنية، وتدشّن مسيرة جديدة نحو دولة المواطنة والقانون الحديثة.
بالطبع، لا أحد ينفي وجود "خصوصيات" معينة للمجتمع السعودي، كاستمرار شيوع النظام الأبوي والتراتب الطبقي، كما تبيّن من الانتخابات البلدية الأولى العام 2006، وحقيقة الانقطاع الحضاري الذي ضرب هذه البلاد، (التي تشكّل 80 في المئة من مساحة شبه الجزيرة)، طيلة نيف و1350 سنة، وسيادة التشكيل القبيلي والمذهبي الذي ساعدت على ترسيخه الجغرافية الصحراوية وتاريخ الصراعات داخل الأسلام.
لكن ماحدث طيلة المائة سنة المنصرمة أن المجتمع السعودي ، وبعد تأسيس أول دولة وحدوية منذ عصر النبي والخلفاء الراشدين ثم انضمامه لاحقاً إلى النظام العالمي، كان ينشط في الواقع لتكثيف مئات السنين الضائعة هذه في حفنة سنوات قليلة. وهو نجح في ذلك إلى حد بعيد، كما يتبدى من الأسماء اللامعة التي أطلقها في سماء المنطقة العربية في مجالات الفكر والثقافة والأدب وحتى في بعض الأحيان العلوم.
لا بل أكثر: يبدو أن المجتمع السعودي يستبطن "هدفاً سرياً" كان يعشش في ذاكرته طيلة قرون طويلة، وهو إعادة صياغة الجنّة الغناء التي كانت تشكّل أرض شبه الجزيرة قبل أن يقضي عليها تغيُّر المناخ والتصحر. وهذه الجنة ليست مكاناً وحسب بل هي في الدرجة الأولى فكرة وحلم.
فهل يتحوّل هذا الحلم في وقت قريب إلى حقيقة، عبر تزويج الحداثة المادية إلى حداثة ثقافية ودينية وسياسية تطلق الطاقات السعودية من عقالها، على أساس الخصوصية السعودية نفسها ولكن بصيغة أخرى: بدلاً من استقاء "أمير" شرعيته الدينية من تيار  "شيخ" سلفي قروسطي ومُغلق، يتم الاعتماد على إسلام معتدل ومنفتح وقابل للتعددية المذهبية التي اعتبر بعض الفقهاء وجودها نعمة وغيابها نقمة. إسلام (وهنا الأهم) يسهّل بلورة هوية وطنية سعودية، بدل تفتيت هذه الهوية إلى هويات قاتلة ومتقاتلة كما يحدث الآن؟
- III -

الأمر ممكن، خاصة وأن تطور وعي الراحل القصيبي، بات يصبح بالفعل مرآة (ولو محدودة في هذه المرحلة) لتطور المجتمع السعودي نفسه.
 لكن مع ذلك، القرار هذه المرة ليس في يد هذا المجتمع، بل هو أولاً وأساساً في كنف الدولة السعودية.
كيف؟ لماذا؟

(غدا نتابع).

سعد