للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 23 يناير، 2013

أوباما-2: استراتيجية "تراجع هجومي "!

أوباما-2-: استراتيجية قديمة- جديدة (الصورة من غوغل)


- I -
لم يتضمن خطاب الرئيس أوباما، بمناسبة بدء ولايته الثانية، أي إشارة إلى السياسة الخارجية، بل كرّسه بكليته لـ"الأجندة الليبرالية" وللدفاع عن دور الحكومة القوية في الداخل.
فهل يعني هذا أن الولايات المتحدة ستعود إلى العزلة وستنغلق على نفسها تحت وطأة أزماتها الداخلية، من جبل الديون الهائل الذي تعاني منه ومعه الهاوية المالية المتواصلة، إلى الأكلاف الداخلية الضخمة للمغامرات الخارجية التي خاضتها في العقد الماضي (حربا أفغانستان والعراق وحدهما بلغتا رقماً فلكياً يفوق التريليوني دولار)؟
البعض يعتقدون ذلك، وهم يوردون المعطيات التالية التي يفترض أن تؤكد وجهة نظرهم:
- أميركا تسرّع عملية الانسحاب العسكري من أفغانستان، وفرنسا تسرّع من تدخلها العسكري في جمهورية مالي وتحاول إعادة بسط نفوذها في منطقة الساحل والشمال الإفريقيين.
- روسيا وإيران تضعان كل ثقلهما وراء نظام الرئيس بشار الأسد، والولايات المتحدة لاتفعل شيئاً سوى دعوة حلفائها الأوروبيين والاتراك والخليجيين إلى التصدي لهما، فيما هي تمارس سياسة الأيدي المرفوعة في سوريا.
- وقبل ذلك، فرنسا وبريطانيا تخوضان حرباً في ليبيا لاسقاط نظام العقيد معمر القذافي، فلا تفعل واشنطن شيئاً سوى مد يد العون اللوجستي لهما حين تبيّن أنهما قد تتعثران عسكريا.
- وفضلاً عن هذا وذاك، تتحرك إدارة أوباما-2 لفتح مفاوضات مباشرة مع إيران، وتعيّن ثلاثة "حمائم" في وزارتي الدفاع والخارجية والسي. أي . آي ( هاغل وكيري وبرينان على التوالي) ، فيما طهران تمارس المزيد من سياسة التصلُّب والتصعيد في كل أرجاء المنطقة، من مضائق دمشق وحلب إلى مضيق هرمز.
هذه المعطيات تعني، خاصة من منظور قوى "المقاومة والممانعة" في إيران وسورية ولبنان، أن الامبراطورية الأميركية دخلت مرحلة الانحدار التاريخي التي عرفتها قبلها كل الامبراطوريات الغابرة في التاريخ، ولم تعد قادرة على مواصلة سياسة التمدد الاستراتيجي بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم.
ويدعم أصحاب هذا الفرضية منطقهم بالاستشهاد بالتقرير المشترك الذي أصدرته قبل أيام 16 وكالة مخابرات أميركية بعنوان "الاتجاهات العالمية 2030"  ( Global Trends 2030)، والذي أشار إلى أنه" مع الصعود السريع لدول أخرى، انتهت لحظة الأحادية القطبية، وبدأ الباكس اميركانا (السلام الأميركي) الذي ساد منذ العام 1945 ينحسر بسرعة".
- II -

A la cart
حسناً. أميركا بالفعل في حالة انحدار نسبي، وآسيا في حالة صعود مطلق. لكن هذا لايعني أن تحليل أصحاب الممانعة صحيح. فأميركا، كما أشار تقرير أجهزة المخابرات نفسه، ستبقى حتى عقدين أو ثلاثة الأولى بين متساوين في العالم.
والأهم أن هذا التحليل يسيء قراءة التطورات الراهنة في السياسة الخارجية الأميركية. فإدارة أوباما-2 لن تنشط للانسحاب من العالم، بل هي ستحذو حذو كل الإدارات الأميركية قبل حقبة الحرب الباردة التي لم تكن تتدخل في الحروب والصراعات، إلا بعد أن تستنزف الدول الأخرى نفسها فيها، وإلا بعد أن تجد أميركا مصلحة لها في التدخل" A la cart"، أي وفق مزاجها وتفضيلاتها. حدث هذا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحتى في حرب فيتنام التي لم تخض أميركا غمارها إلا بعد أن انهزمت فرنسا أمام الحركة الشيوعية العالمية.
إدارة أوباما تكرر الآن تاريخ ماقبل الحرب الباردة هذا. فهي، ولأهداف أخرى تتعلق بتسوية أوضاعها الاقتصادية الداخلية والتركيز على منطقة آسيا- الباسيفيك، تريد وقف حربها المنفردة على الإرهاب أو الإسلام المتطرف كما تريد وقف حلولها المنفردة للأزمات المحلية والإقليمية الأخرى، وإلقاء مسؤولية ذلك على الأطراف الإقليمية والدولية المعنية أو التي لها مصلحة في هذه الحرب. وهذا ينطبق الآن على فرنسا التي لها مصالح اقتصادية ضخمة في مالي والجزائر وباقي أجزاء امبراطوريتها السابقة في إفريقيا، وعلى الهند واليابان لمواجهة القوة الصينية الصاعدة، وعلى الحركات الإسلامية التي تستلم السلطة الآن في المنطقة العربية بشرط أميركي هو ضرب الإسلام الجهادي أو المتطرف.
كما أنه ينطبق بالدرجة الأولى على حليفها الأوروبي. فهي تقول الآن للاتحاد الأوروبي أنها مستعدة لأخذه معها في رحلتها الباسيفيكية وفي تشكيل سوق مشتركة أوروبية- أميركية تكون نواة لـ"غرب كبير" جديد (وفق تعبير زبغنيو بريجنسكي)  قد يضم لاحقاً إليه روسيا وتركيا، شريطة أن يبدأ الاتحاد بدفع الأعباء المالية لحلف شمال الأطلسي (أميركا تتحمل الآن 75% من أكلافه).
أميركا، بكلمات أخرى، قررت العودة إلى ممارسة دور "المايسترو" في السياسات الدولية، على أن تترك للقوى الأخرى خيار المشاركة في الأوركسترا بإشرافها.
- III -

.. وفي الشرق الأوسط
مثل هذا التوجه لن يكون انحساراً استراتيجيا اميركا، ولا ولادة لتعددية قطبية جديدة، بل حربا أميركية أخرى، بوسائل أخرى.
وهذا ينطبق، أكثر ما ينطبق على الشرق الأوسط.
فعلى رغم أن الانسحاب الأميركي من العراق وتوقُّع انسحاب سريع آخر للقوات الأميركية من أفغانستان حتى قبل الموعد المقرر بكثير وهو العام 2014، وقرب وصول أميركا إلى الاكتفاء الذاتي من النفط والغاز بفضل تكنولوجيا الاستخراج من فحم الشال  shale))، قد يعني تقلُّص الاهتمام الاستراتيجي لأميركا بالشرق الأوسط، إلا أنه لن يلغي الحقيقة بأن أميركا ستبقى اللاعب الدولي الأول في المنطقة.
فكما لاحظت "فايننشال تايمز" (21-1-2013) "الولايات المتحدة وحدها القادرة على انقاذ حل الدولتين في فلسطين من الانهيار، ووحدها في وسعها، عبر المفاوضات المباشرة مع إيران، إيجاد حل سلمي لأزمة البرنامج النووي الإيراني، كما أنها وحدها في مقدورها إنهاء الحرب الأهلية في سورية، إما من خلال اتفاق مع روسيا أو عبر تسليح بعض قطاعات المعارضة المسلحة السورية بصواريخ مضادة للطائرات".
كل ما هنالك أن واشنطن لن تخوض بعد الآن الحروب المباشرة، كما في عهدي الرئيس بوش، (إلا في حالة الضرورة القصوى المتصلة مباشرة بالأمن القومي الأميركي أو بأمن إسرائيل)، بل ستعمد إما إلى دفع القوى الإقليمية والدولية إلى "القيام بالمهمة"، أو إلى ترك الأطراف المتصارعة ومعها داعموها الدوليين والإقليمين كي يستنزفوا بعضهم البعض قبل أن تتدخل هي ، تماماً كما حدث حين انضمت إلى الحرب العالمية الأولى بعد سنتين ونصف السنة من بدئها، أو بعد نحو سنتين من اندلاع الحرب العالمية الثانية.
وهذه نقطة يمكنها أن توضّح سلوكيات واشنطن الأخيرة، من منح فرنسا وبريطانيا مسؤولية قيادة التدخل العسكري في ليبيا، إلى موقف "الانتظار" الذي تمارسه منذ سنتين في سورية، وصولاً الآن إلى دفعها فرنسا وبريطانيا والجزائر الآن إلى حسم الأمور ضد الجهاديين في مالي وبقية منطقة الساحل الإفريقي.
كما أنها (النقطة) يجب أن تكون حاضرة لدى أصحاب القرار في الشرق الأوسط، خاصة في سورية وإيران، وهم يخططون للمرحلة المقبلة من الحروب والصراعات في المنطقة. فالخطأ في الحسابات هنا قد يكون قاتلا.

سعد محيو