للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 27 يناير 2013

ما سر صعود" جبهة النصرة"؟
 حروب الأيديولوجيا والإستخبارات في الشرق الأوسط


- جبهة النصرة: إديولوجيا ومخابرات؟الصورة من غوغل 
- I -
ما سر تنظيم  "جبهة النصرة" في سورية ؟ من يقف وراءه، أو امامه؟ وكيف يمكن لحركة عنفية سياسية حديثة العهد ان تولد قوية على هذا النحو، فيقفز عددها خلال أشهر قليلة من 50 عنصراً إلى مابين 5000 إلى  10000؟
الإجتهادات هنا تعدد بتعدد المصادر.
فخصوم أميركا من الإيرانييين إلى السوريين في المنطقة، أضفوا على هذه الحركة من البداية سمة إيديولوجية جهادية بحتة. ثم أنهم بعد ان تبرأوا من أي علاقة بها بعد ظهورها، أنحوا باللائمة على السياسة الغربية في سورية والعراق وأفغانستان وفلسطين، وأيضاً على الدعم السعودي والقطري للأصوليين الإسلاميين،  لنشأة مثل هذه التنظيمات.
هذا الرأي إستند إلى تبرير مفاده أن " جبهة النصرة " وغيرها من الحركات العنفية المتطرفة، تكفِّر كل من كان من غير أهل السَنة وأيضاً من كان من غير تيارها حتى بين السنّة، وهي تجهر بأنها تنوي أعمال السيف في رقابهم تمهيداً لإقامة إمارات وممالك إسلامية جديدة. وبالتالي، من غير المنطقي أن تعمد دمشق او طهران إلى تزويد من ينوي حفر قبرهما، بالمعاول اللازمة لذلك.
في المقابل،  خصوم سوريا وإيران أكدوا ان " جبهة النصرة " وأشباهها من التنظميات، من إختراع هاتين الأخيرتين من الألف إلى الياء. الدلائل؟ إنها( برأي الخصوم) ، كثيرة:
1-   ولادة التنظيم قبل نحو أشهر في سوريا تحت تسميات مختلفة بما في ذلك " جند الشام " وفتح الاسلام وغيرهما.
2-   وجود سوابق على دعم كل من دمشق وطهران للتنظيمات السنَية العنفية، خاصة غداة الغزو الاميركي للعراق العام 2003. وهكذا يقال الأن أن الثانية كانت تمَول وترعى وتستقبل على أراضيها عناصر عدة من تنظيم " القاعدة " العاملة في العراق التي قاتلت ضد الأميركيين، إضافة إلى تنظيمات سنَية عدة أخرى. وكذا كانت فعل دمشق. وتبعاً لذلك، لا يستغرب أن يكون الطرفان متورطين في هذه الظاهرة الجديدة.
3-    رغبة النظام السوري منذ بداية الانتفاضة في تحويل الثورة الشعبية إلى مجابهة طائفية- مذهبية. ولذا، عمل منذ البداية أيضاَ على منح التكفيريين حرية الدخول والخروج والعمل في البلاد بهدف تعزيز وجودهم وتقوية شوكتهم.

- II -


أي الطرفين الأقرب إلى الصحة؟
كلاهما!
لكن ، كيف يمكن لوجهتي نظر متناقضتين لبعضهما البعض ان تكونا على حق آن ؟
السبب بسيط: الجميع في الشرق الأوسط بلا إستثناء يلعب هذه الأيام ورقة التنظيمات الأرهابية أو المتطرفة.
وهذه ليست لعبة جديدة. وللتذكير: الإستخبارات الاميركية كانت وراء نشأة عشرات التنظيمات اليسارية المتطرفة في حقبة الستينيات والسبعينيات، والتي كانت شعارتها المعلنة تدعو إلى " ثورة اممية عالمية ضد الأمبرياليتين الاميركية والسوفييتية". وقد تكشف لاحقاً انها كانت أداة في يد واشنطن لتشويه سمعة اليسار وزعزعة الإتحاد السوفييتي. وكذا الامر في الثمانينيات حين رعت الولايات المتحدة، بدعم عربي، قيام النواة الاولى لتنظيم " القاعدة " في أفغانستان.
وبالمثل، يؤكد جون كولي في كتابه الشهير " الحرب غير المقدسة "، وبالوثائق، أن إيران تدعم الكثير من التنظيمات المتطرفة في شتى انحاء العالم، بغض النظر عن إيديولوجية هذه التنظيمات وتوجهاتها. وعلى أي حال، حرب الرهائن التي شنتها طهران على واشنطن منذ اللحظة الاولى لإنتصار الثورة الإسلامية في أواخر السبيعنيات، كانت تستلزم في الدرجة الاولى إقامة تنظيمات سرية متطرفة للقيام بمثل هذه العمليات.
ماذا يعني كل ذلك؟
أنه يعني، بوضوح، أن ما ما جري الان في سورية ليس في محصلته النهائية سوى حرب إستخبارية بوسائل أخرى. هذا لا يعني ان عناصر " جبهة النصرة " ربما يكونون مشبعين بالفعل بالإيديولوجيات المغلقة التي تحفزهم على الإنتحار. قد يكونون كذلك. لكنهم حتماً لا يدرون أنهم مجرد اداة لتحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها البتة بإيديولوجيتهم الخاصة.
المناخ العام في الشرق الاوسط يشجع على تفريخ مثل هذه التنظيمات. واجهزة الأستخبار الدولية والأقليمية جاهزة اكثر من أي طرف آخر ل " إستثمار"  الظاهرة حتى الثمالة. وهي ، بالمناسبة، ثمالة طويلة الامد.
فأغلب الظن ان ظاهرة العنف الإنتحاري ستبقى معنا طويلاً.  وهذا بالطبع، على عكس رأي العديد من المستشرقين والخبراء الغربيين، الذين " تنبأوا " قبل فترة بقرب إنحسار هذه الظاهرة.
الأسباب باتت معروفة: حالة الإكتئاب العامة التي تسود المنطقة العربية، والتي تدفع أمة بأسرها إلى " الحلول الإنتحارية"، على حد تعبير محمد حسنين هيكل؛ الإجتياحات العسكرية والامنية الغربية التي أعادت إلى الأذهان صورة الإستعمار القديم؛ وأخيراً، الكساد الإقتصادي- الإجتماعي الكبير في كل الشرق الأوسط العربي تقريباً، والذي يدفع الشباب إما  إلى المنافي أو إلى التكفير والهجرة.
هذه العوامل غير مرشحة لان تزول قريباً، بفعل غياب التخطيط وسيادة التخبط في معظم الدول العربية. وهذا يعني ان محصلاتها ونتائجها لن تزول قريباً أيضاً، وفي مقدمها العنف الإنتحاري.
الأمر شبيه إلى حد كبير بحقبة الحروب الصليبية التي شهدت ولادة ظاهرة الحشاشين. هذه الفرقة الإسماعيلية إستندت، كما هو معروف، إلى اليأس الذي ساد شباب ذلك العصر من تدهور الأوضاع في الشرق الاوسط الإسلامي، وطوَرت عقيدة  دينية ممزوجة بالحشيش كانت تعد مريديها بالجنة الفورية إذا ما نفذوا عمليات إنتحارية.
ظاهرة الحشاشين إستمرت زهاء قرنين، ولم تنحسر إلا بعد أن برزت في قلب الشرق قوة إمبراطورية إسلامية جديدة( الدولة العثمانية) أعادت الإستقرار إلى البلاد والعباد.
العنف الإنتحاري الراهن له متشابهات حديثة أيضاً. ففي اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، برزت الحركة الفوضوية الماركسية الأوروبية التي رفضت كل انواع السلطة،  ودفعت عناصرها إلى تنفيذ اعمال إرهاب إنتحارية واسعة النطاق ضد رموز الدولة( السلطة السياسية)  والمجتمع( السلطة الأبوية) كافة .
كذلك، في ستينيات القرن العشرين شهد العالم موجة من التطرف الإنتحاري اليساري  جسَدته منظمات مثل " الألوية الحمراء" ، و " الدرب المضيء "، و " التوباماروس "، التي دفعها اليأس من قدرة الأنظمة الإشتراكية آنذاك على تحقيق الجنة الشيوعية على الأرض إلى محاولة إستيلادها بقوة الأرهاب.
ظاهرة التطرف الإنتحاري الإسلاموي، إذاً، ليست جديدة لا في التاريخ الإسلامي ولا غير الإسلامي. إنها، إذا ما جاز التعبير ، حركة " طبيعية " تنتجها ظروف"  طبيعية" ، وإن إستثنائية. وهي ستبقى طالما بقيت هذه الظروف.
- III -

الأسئلة حول تنظيم " جبهة النصرة " ونشأته ومن يقف وراءه، لا تزال معلقة في الهواء من دون إجابات شافية. وطالما استمر هذا الوضع، فهذا سيعني أن القوى والظروف المحلية والأقليمية والدولية التي أنجبت هذا التنظيم، ستنجب العديد مثله خدمة لمصالحها المتضاربة في الشرق الاوسط. وكل ذلك تحت لواء الشعارات الأيديولوجية في العلن، والإستخبارية في السر.

سعد محيو