للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 2 يناير 2013

ماذا ينتظر العالم في 2013؟









-من سيقرر مصير الرأسمالية (اللوحة من غوغل

- I -
مجلة الأيكونوميست البريطانية الرزينة اعتادت أن تُصدِر مع نهاية كل سنة عدداً خاصاً تحاول التنبؤ فيه بما قد يحدث في العام الجديد، مستندة إلى الأرقام والوقائع.
هذه السنة أصدرت المجلة أيضاً عدداً من هذا النوع كالعادة، لكنه كان يعج بالتكهنات السوداء: من المواجهة مع إيران بسبب برنامجها النووي، إلى الانهيار الكارثي المحتمل لمنطقة اليورو، مروراً بمخاطر اقتراب شهاب من كوكب الأرض في 15 شباط/فبراير المقبل.
لكن الأهم كان مستقبل النظام العالمي، كما كان طيلة السنوات الماضية:أي عالم يمكن أن يولد من تمخضات هذه القضايا الكبرى التي ستشهدها السنة الجديدة؟ وهل بات في الوسع حقاً ترقب ولادة جديدة لنظام عالمي جديد متعدد الرؤوس؟
سنأتي إلى هذين السؤالين بعد قليل. قبل ذلك وقفة أمام كل من هذه القضايا الكبرى ولنبدأ مع أزمة الرأسمالية.
- II -
في 10 كانون الثاني\ يناير العام 2006، نشرت "نيويورك تايمز" رسماً كاريكاتورياً ممّيزاً، يكاد يلخّص كل أزمات  الرأسمالية النيو- ليبرالية الراهنة. في الكاريكاتور، الذي خطّه الرسام المبدع طوني أوث، تم وضع الرئيس بوش في أربعة أوضاع تحملّه مسؤولية أربع أزمات كبرى: إرتفاع حرارة الأرض بشكل خطر؛ إنتشار الحروب الأميركية في العالم؛ تزايد الهوة الأقتصادية والرقمية بين شمال غني وجنوب فقير؛ وأخيراً إعفاء أغنياء أميركا من الضرائب وزيادتها على الفقراء.
كانت هذه نبوءة فنية جميلة. إذ بعدها بعامين، نشرت تقارير دولية عدة أوضحت أن 20 في المائة من سكان العالم يفيدون من العولمة وينعمون بالسلطة والجاه والمعرفة، فيما يقذف بالـ80 في المائة الباقين إلى أشداق التهميش والأزمات النفسية والأجتماعية. وعلى مستوى دول الجنوب الفقيرة، أشارت التقارير إلى أن صندوق النقد الدولي وتوابعه من شركات البذور والزراعة والأطعمة المّعدلة جينياً، يقومون بتدمير كل أسس "السيادة الغذائية" لهذه الدول لوضعها تحت رحمة سوق تنافسي لا يرحم.
وأخيراً على المستوى الجنس البشري كله، أوضحت تقارير تلك السنة أن كل (او معظم) إنجازات الثورة البيوتكنولوجية توضع الان في خدمة السوبر أغنياء القادرين وحدهم على تمويل مشاريع  إقامة "جنس بشري جديد أكثر ذكاء وصحة وقدرات بما لايقاس من الجنس الراهن" ، كما تبشّر الان حركات ما بعد الأنسان" التي يمّولها كبار رجال الأعمال ومديرو الشركات متعددة الجنسيات.
هذه المعطيات لم تثر ضجة كبيرة حين نشرت آنذاك لأن كل شيء كان يبدو لامعاً كالذهب في النظام الرأسمالي الغربي. وهكذا كان في وسع الغرب مواصلة الاحتفالات بانتصاره في الحرب الباردة، فالاقتصاد الجديد وفرص السلام وعدت بنمو اقتصادي متواصل، وأميركا أصبحت الدولة العظمى الوحيدة التي يتوقع ان تنتهج سياسات "خيّرة وحميدة" في امبراطوريتها العالمية الجديدة.
بيد أن كل شيء تغيّر الآن: الأسواق المالية تهاوت خلال أربع سنوات كورق الخريف. والاقتصاد الجديد أظهر كم هو هش. والشركات العملاقة أثبتت أن لها رجلين من طين.
حين أطلت أولى "بشائر" الأزمات الاقتصادية الراهنة برأسها، رد عليها قباطنة الرأسمالية حينذاك بأربعة افتراضات:
الاول يقول أن النمو الاقتصادي هو القاعدة وأن  دورات الركود هي مجرد استثناءات .
والثاني، أن إنتاج الموارد الطبيعية سيستمر. وأي نقص يحدث في مورد ما، سيقود الى استبداله بمورد آخر تبدعه التطورات التكنولوجية. (وهذا ماحدث بالفعل في مجال استخراج الغاز الطبيعي من فحم "الشال")
والثالث، هو أن الشركات التي يملكها حاملو الأسهم ستبقى الشكل المهيمن على التنظيم الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، ستعمل هذه الشركات في سوق عالمي حر وغير مقيّد.
والرابع أن النماذج الغربية لرأسمالية السوق الحرة والانتخابات الديموقراطية ستنتشر بالتدريج في كل أنحاء العالم .

- III -

هذه الافتراضات المتفائلة توّجها، كما أسلفنا، فرانسيس فوكوياما بنظريته حول "نهاية التاريخ والانسان الأخير" (1999). لكن يتبيّن الآن كم كانت رؤى فوكوياما موغلة في الفكر الرغائبي. وقد صدر مؤخراً كتابان يوضحان هذه النقطة.
الكتاب الأول، للمؤلفة الأميركية هرتز (الصمت يسيطر)، يرى سبب المشكلة الراهنة في الحرية المطلقة التي تتمتع بها الشركات الكبرى. وتقول هرتز أن هذه الشركات تسيطر الان على 25 في المائة من أرصدة العالم، وقد هيمنت بصمت على الحكومات التي أصبحت ألعوبة في يدها. فهي (الشركات) باتت ربة عمل السياسيين ومصدر أموالهم؛ وهي متحرّكة جغرافياً في كل العالم ولذا تختار القوانين التي تعجبها أو تلائمها .الاغنياء  مع هذه الشركات يصبحون أكثر غنى، والفقراء أكثر فقراً.
وتحبذ هيرتز تغيير المسار لتجنب خسارة هوية الفرد والهوية القومية على يد ديناصورات الاقتصاد. كما تصف بالتفصيل المشاكل التي تسببت بها إقتصادات السوق غير المقيدة، وتحذّر من أن الأمر الواقع الراهن لا يمكن أن يستمر.( وهذا كان قبل انفجار الفقاعة المالية الأميركية).
الكتاب الثانية لغراي (الفجر الكاذب) يوضح أن الصراع بين الرأسمالية والشيوعية كان في الحقيقة نزاع بن أيديولوجيتين متنافستين لفلسفة أوروبية واحدة: التنوير. وهو يوافق على أن مستقبل العالم سيبقى رأسمالياً على رغم الأزمات الحالية، لكنه يرى بروز العديد من الرأسماليات بدون أن يكون بينها قواسم مشتركة كثيرة. وبالتالي، كان من الخطأ برأيه محاولة فرض الرأسمالية الاميركية في كل مكان .
غراي وهيرتز يتقاطعان عند نقطة واحدة: إنهما غير متفائلين بالمستقبل، ويخشيان ان تنتهي المرحلة الرأسمالية الراهنة بحروب شاملة.
لكن، هل هما الوحيدان في هذا التشاؤم وذاك الخوف؟ ربما بات يتعّين علينا الآن طرح هذا السؤال على فرانسيس فوكوياما!

سعد