للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 15 فبراير، 2013

من "مبادرة معاذ" إلى.. معاذ الله!


- I -
"معاذ الخطيب هو أبرع التكتيكيين الذين أفرزتهم المعارضة السورية. فاقتراحات جس النبض التي قدّمها لبشار الأسد كانت ذكية وبدا أنها يمكن أن تخلخل وحدة الطائفة العلوية، كما أنها دفعت وزيري خارجية إيران وروسيا إلى طلب الاجتماع به".
هكذا أطل الكاتب البريطاني في "فايننشال تايمز" ديفيد غاردنر (6-2-2013)على المفاجأة التي أطلقها رئيس الإئتلاف الوطني السوري، حين اقترح بدء الحوار مع نظام الأسد من زاوية إنسانية (إطلاق سراح 160 ألف معتقل في مقدمهم المعتقلات من النسوة).
وهذا كان تقييماً في محله.
فالمبادرة أحدثت ردود فعل سريعة داخل الطائفة العلوية التي كانت حتى الآن لاتزال متماسكة وراء آل الأسد- مخلوف، والتي وجدت فيها مخرجاً من حرب أهلية زاحفة لن يخرج منها العلويون بسلام، بسبب الخلل الديمغرافي الكاسح مع الأغلبية السنّية.
وهكذا نسب صحافيون غربيون إلى رئيس عشيرة علوية (ومعظم العلويين من العشائر) قوله: "لقد بتنا في حاجة إلى معطف جديد، لأن المعطف الحالي (أي آل الأسد- مخلوف) لم يعد قادراً على حمايتنا".
- II -

بيد أن التأثير الأهم لمبادرة الخطيب، في حال لم تؤد إلى تقسيم المعارضة بدل قسمة الموالاة بسبب معارضة جماعة الإخوان المسلمين السورية لها، كانت على الصعيد الدولي.
فإضافة إلى الشرخ الأولي الذي أحدثته في الصف الروسي- الإيراني، كان المبادرة تدعم عملياً العديد من الأطراف في الإدارة الأميركية التي كانت تضغط لتغيير الموقف الاستنكافي الأميركي حيال الأزمة السورية. وهو ضغط كان واضحاً في شهادة وزير الدفاع السابق بانيتا أمام الكونغرس، والتي كشف النقاب خلالها عن أن كلاً من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي.أي آي) ووزارة الخارجية، أجمعوا كلهم على ضرورة تسليح بعض فصائل المعارضة السورية بهدف حسم الموقف هناك.
بيد أن الرئيس أوباما، ولاعتبارات انتخابية بحتة، علاوة على رغبته في عدم إغضاب إسرائيل التي كانت لاتزال تعتبر نظام الأسد ضمانة أمنية لها ولاستمرار سيطرتها على مرتفعات الجولان الاستراتيجية، رفض كل هذه المطالب واكتفى بالتلطي وراء الفيتو الروسي في مجلس الأمن لينأى بنفسه عن الأزمة السورية.
بيد أن الانتخابات الرئاسية انتهت، وسيكون على أوباما من الآن فصاعداً أن يكون واضحاً في الاختيار بين أحد أمرين: إما إدارة الظهر نهائياً لسورية، أو الدخول بقوة على خط أزمتها لحسم الأمور هناك لغير صالح طرفين متناقضين معا: إيران والجهاديين معا.
صحيفة "واشنطن بوست"، التي تعبّر عادة عن آراء أو توجهات البنتاغون الأميركي، نشرت قبل أيام تقريراً مثيراً يعبّر عن القلق الذي يعتري المؤسسة العسكرية الأميركية من احتمال تعزيز النفوذ الأمني- العسكري الإيراني في سورية،على رغم حالة الاستنزاف المالي-  الاقتصادي الكبير التي تعاني منها طهران بسبب دعمها للنظام السوري.
فقد تحدث التقرير عن قيام إيران بتشكيل وتدريب وتسليح ميليشيا علوية- شيعية في سورية تضم 50 ألف عنصر، كوسيلة لضمان الحفاظ على وجودها في المناطق العلوية على ضفاف البحر المتوسط في حال سقط نظام الأسد. والأخطر ان التقرير أشار إلى احتمال إقامة تواصل جغرافي بين هذا الكيان العلوي وبين الشيعة شرقي لبنان.
هذا التطور، لن يكون بالطبع مقبولاً لا لدى البنتاغون ولا لدى تل أبيب، لاعتبارات استراتيجية واضحة تتعلق بالصراع العام مع إيران على كل الرقعة الشرق أوسطية. وبالتالي، كان نشر هذا التقرير على هذا النحو المثير، رسالة واضحة من فوق الماء إلى الرئيس أوباما نفسه الذي يتعيّن عليه الآن أن يستبدل اعتباراته الانتخابية بالاعتبارات الاستراتيجية التي تمس الأمنين القوميين الأميركي والإسرائيلي معا.
لقد أعلن أوباما، في خطابه أمام الكونغرس قبل يومين عن حالة الاتحاد، أنه "سيواصل الضغط على النظام السوري الذي يقتل شعبه، وسندعم قادة المعارضة الذين يحترمون حقوق كل سوري".
فهل كانت هذه إشارة إلى بدء تغيّر ما في موقفه؟
نعتقد ذلك، على رغم أن العديد من المحللين لم يروا في ذلك جديداً، لأن أوباما كان يدعو منذ آب/أغسطس 2011 إلى رحيل الأسد عن السلطة ولم يفعل شيئاً لوضع ذلك موضع التنفيذ.
سبب هذا الاعتقاد هو أن هذا الموقف يعني أن المفاوضات الأميركية - الروسية لأيجاد تسوية سياسية للأزمة السورية لم تفض بعد إلى أي اتفاق، وأن واشنطن ستكون مدفوعة في قادم الأيام إلى "التفاوض بالرصاص" مع الروس على الأرض السورية نفسها.
كيف؟
عبر الانضمام المباشر إلى الحرب بالواسطة ( Proxy war) التي تنغمس فيها الآن السعودية وقطر وتركيا، من جهة، وإيران وروسيا (وإلى حد ما الصين مالياً) من جهة أخرى.
وإذا ماحدث ذلك، والأرجح أنه سيحدث خاصة بعد الغارة الجوية الإسرائيلية على قافلة صواريخ سام-17 التي كانت متجهة من سورية إلى لبنان والتي أشّرت على دخول تل ابيب على خط الازمة ضد إيران وحليفها اللبناني حزب الله، فإن الحرب السورية ستدخل مرحلة صاخبة جديدة ستزج فيها الأطراف الإقليمية- الدولية بكل اسلحتها لمحاولة تغيير الجمود الراهن في موازين القوى لصالحها.
- III -

هل ثمة مخرج ما من هذه الورطة الكارثية في بلاد الشام؟
التكتيكي البارع معاذ الخطيب قدّم للطائفة العلوية، وأيضاً للأطراف الخارجية المتوجسة من انفجار كل المشرق العربي على يد الصاعق السوري، مثل هذا المخرج.
وإذا ما التقط حكماء هذه الطائفة طرف خيط "مبادرة معاذ"، التي أشارت ضمناً إلى ضرورة رحيل الأسد عبر دعوتها إلى الحوار مع فاروق الشرع (وبالتالي "معاذ الله" أن يقبلها نظام الأسد)، ومضوا قدماً فيها ، فسيكون ثمة بصيص نور في آخر هذا النفق المظلم.
لكن هذا بالطبع إذا ما كان لايزال بالمستطاع بعد لم شعث الوطن السوري المبعثر، في إطار كيان سياسي موحّد أو حتى فيدرالي!.

سعد محيو