للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 13 فبراير، 2013

هل يخسر المُقامر القَطَري كل شيء؟


- I -
قطر في لعبة الأمم (كاريكاتور فرنسي - غوغل
تساءلنا في مقال الأمس (راجع "اليوم، غدا"- 12-2-2013): علامَ تستند القيادة القطرية في مغامرتها الكبرى للتحوّل إلى قوة إقليمية كبرى؟ وماطبيعة المخاطر التي ستتعرض إليها وهي تخوض غمار هذه اللعبة الخطرة؟
حتماً هي لا تستند إلى تعداد شعبها، الذي بات على نحو خطر أقلية مهددة بـ"الانقراض" بفعل الخلل الهائل في التركيبة السكانية (سكان قطر 1،7 مليون جلّهم  الأعظم من الأجانب)؛ ولا إلى طبيعة نظامها السياسي الذي لايختلف بشىء عن باقي مشيخات الخليج (عدا الكويت) من حيث غياب الديمقراطية، وسيادة القانون، والمشاركة الشعبية في صنع القرار.
الشيخان، حمد بن خليفة آل ثاني وحمد بن جاسم بن جبر، ينطلقان في هذه المغامرة من عاملين إثنين:
الأول، وهو الذي وصفناها أمس بأنه البراغماتية الماكيافيلية المطلقة، التي دفعت الدوحة إلى دعم ثورات الربيع العربي، ليس بالطبع حباً بالثورات والنزعة الثورية، بل لأنها اشتمت رائحة الدم الدولية (الأميركية أساساً) الداعمة لهذه الانتفاضات، فقررت ببساطة الوقوف إلى جانب المنتصرين والابتعاد عن المهزومين.
والسبب الثاني، الأخطر، قد يكمن في رهان الدوحة الضمني على أن الخريطة الشرق أوسطية الجديدة، التي بدأت معالمها تتضح رويداً رويداً بعد تقسيم السودان والتفتيت الواقعي للعراق (وقريباً لسورية وغيرها)، ستتكوّن من دول صغيرة أو دويلات أصغر. وهذا ما سيقلب السلبية المطلقة لصغر حجم الدولة القطرية إلى إيجابية مطلقة، حيث أنها ستتحوّل (بفضل ثروتها الأسطورية والدعم الأميركي لها) إلى درجة تاج هذه الدويلات والطرف الأقوى والأكثر جاذبية وتأثيراً بينها.
تخيّلوا، مثلاً، كيف سيكون موقع قطر ودورها إذا ماتحققت نبوءات المتنبئين بأن السعودية قد تنقسم قريباً إلى ثلاث أو أربع أو حتى خمس دول صغيرة. ألن يكون ذلك انتصاراً مجلجلاً للشعار "الصغير هو الجميل"؟
- II -
المغامرة القطرية، إذا، لاتنطلق من فراغ أو من رهانات فارغة. لكن، هل هذا يعني أن مشروعها سائر حتماً نحو النجاح؟
كلا.
فالعقبات كبيرة، والمخاطر أكبر.
أولى هذه العقبات والمخاطر هي احتمال تحوّل هذا البلد إلى هدف مفضل للأرهاب. وهذا ليس  احتمالاً افتراضيا. فلو أن معمر القذافي نجا بجلده من المقصلة الأطلسية بفعل صفقة في اللحظة الأخيرة، لكان الآن يعيث فساداً وتخريباً داخل الدولة القطرية.
وبالمثل، في حال توصل نظام بشار الأسد، ومعه داعموه الإيرانيون، إلى أن الحل الوحيد لوقف الدعم اللوجستي المالي والعسكري القطري للمعارضة السورية، فهم قد يفتحون النار في كل مكان، ومن أي مكان، على الحكم القطري.
لا بل أكثر: في لحظة ما، قد تتقاطع مصالح السعودية مع مصالح إيران على ضرورة رحيل هذا النظام. وحينها، ستكون الدوحة هي ساحة الصراع الإقليمي بدل أن تكون بطلته.
علاوة على ذلك، لايجب أن نسقط من الاعتبار أن الصراع السياسي في قطر لايجري بين الحاكم والمحكومين، ولابين  السلطة والشعب، بل داخل الأسر الحاكمة، حيث التنافس على أشده على الثروة والسلطة. وبالتالي، أي نكسة في السياسة الخارجية، قد تعكس نفسها مباشرة أزمة في الداخل القّطّري بين كتل الأسر المتنافسة.
رب قائل هنا أن الثروة الأسطورية، الناجمة عن كون قطر أكبر مصدِّر للغاز الطبيعي في العالم (تنتج 77 مليون طن سنويا، أي 30 في المئة من الطلب العالمي) وعن توافر صندوق ثروة سيادية يبلغ 80 مليار دولار وأسهم في كبريات الشركات العالمية، ستحصّن الحمدين ضد أي هزات سياسية أو أمنية.
لكن حتى هنا الأمر غير مؤكد. وهذا ليس فقط لأن نمو الناتج المحلي الإجمالي القطري انخفض على نحو كبير العام 2012، كما انخفض معه النشاط الاقتصادي بنحو 40 في المئة، بل لأن الانقلاب الذي أحدثه التطور التكنولوجي الأميركي في مجال استخراج الغاز الطبيعي والنفطي الحجري ( Shale) بدأ يغيّر موازين قوى الغاز في العالم.
فقد قفز انتاج الغاز الحجري في أميركا من 15 مليار قدم مكعب يومياً العام 2010 إلى 25 مليار قدم مكعب الآن.  ويتوقع أن تصبح الولايات المتحدة مكتفية ذاتياً من الغاز الطبيعي العام 2015 ومصدّرة أولى له العام 2020.
المسؤولون القطريون، وعلى رغم اعترافهم بأنهم فوجئوا بهذا التطور، إلا أنهم قالوا أن هذا لن يشكل خطراً على ثروة الغاز القطرية. لماذا؟ لأن الدول الأخرى المرشحة لأن تحذو حذو الولايات المتحدة في مجال الغاز الحجري، وهي الصين والأرجنتين وبولندا، ستواجه عقبات كأداء منها نقص المياه (التي تستخدم بكثافة لتفتيت الغاز الحجري)، ونقص البنى التحتية اللازمة لذلك خاصة المواصلات، وتركُّز السكان في أماكن الانتاج، ونقص العمالة المتخصصة.
كل هذا قد يكون صحيحا. لكن الصحيح أيضاً أن التكنولوجيا الأميركية فتحت باباً لن يغلق، في عالم يتخوّف من وصول وقود القرنين العشرين والحادي والعشرين (النفط والغاز) إلى ذورة انتاجه فيبدأ بالتالي رحلته الانحدارية نحو النضوب. وهذا ماسيدفع الدول الصناعية الظمئى إلى الطاقة إلى العمل على تخطي كل العقبات للإفادة من هذا المورد الجديد.
وهذا سيعني ماسيعنيه على مستوى أسعار الغاز وامداداته في العالم، الأمر الذي سيضع الانفاق القطري الراهن على السياسة الخارجية في موقف حرج.
- III -

ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
أمراً واحدا: في لحظة ما، أو بعد تطور ما، سيكون على القيادة القطرية الحالية أن تعيد تقنين طموحاتها الشخصية والاستراتيجية كي تتواءم مع إمكاناتها الحقيقية أو الثابتة.
وما لم تفعل ذلك، ستتحوّل المغامرة القطرية المثيرة الراهنة إلى مقامرة خطرة.
وكما هو معروف، المقامر قد يربح كل شيء، لكنه قد يخسر كل شيء أيضا.
سعد محيو