للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 16 ديسمبر، 2012

كتابان أميركيان يحذّران من مخاطر إستبداد الأقلية الغنية بالعالم

مطالعات

 


هل ضلت الولايات المتحدة طريقها؟

لماذا أضاعت اميركا المتفوقة البوصلة؟- الرسمة من غوغل- 



- I -



طيلة السنوات الأربع التي تلت أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، كان السؤال الذي ركز عليه كبار الأكاديميين الاميركيين ( وفي مقدمهم المؤرخ برنارد لويس ) هو : ماذا حدث خطأ في الحضارة والعالم الأسلاميين.

بالطبع، السؤال لم يكن بريئاً. وهو إستهدف القول أن مشكلة تفجر العالم الأسلامي،  سببها هذا العالم نفسه وليس السياسات الاميركية  حياله. المشكلة، بكلمات اوضح،  في الداخل الأسلامي وليس في الخارج الغربي.

لكن يبدو أن التاريخ أراد ان يلعب لعبته الساخرة مجدداً. فما هي إلا أشهر قليلة على شعار " ماذا حدث خطأ في   العالم الأسلامي" ، حتى برز شعار مماثل : ما حدث ويحدث خطأ في اميركا نفسها‍. وهذا على كل  الصعد الأقتصادية والأيديولوجية والسياسية والأخلاقية‍ ‍!

لكن، لماذا وكيف؟

بين أيدينا كتابين يقدمان خريطة طريق تقود إلى بعض الأجابات.

الكتاب الاول لبول كروغمان ( 1 ). وهو يعالج مسألة أساسية هي أنّ التفاؤل المفرط الذي ساد الولايات المتحدة في أواخر التسعينيات، قد حلّ محلّه تشاؤم مفرط نتيجة "للزعامة الرديئة التي تفتقر الى الصدقية، خصوصا في القطاع الخاص و في أروقة النفوذ السياسي".

و يعزو المؤلف هذا المأزق الى المشكلات التي انهمرت على ادارة الرئيس بوش السابقة التي كانت تعتبر نفسها قوة ثورية لا يقبل قادتها الخضوع لشرعية النظام السياسي القائم في الولايات المتحدة. أنّهم متطرفون يتنكرون بثياب الاعتدال. و لذلك يحلل المؤلف نوازعهم على مستوى القضايا الرئيسية التي يعالجونها، خصوصا مسألة الضرائب و خطط الضمان الاجتماعي، التي تقوم، في رأيه، على "معادلات حسابية مزيفة".
وعلى الرغم من كون بول كراغمان كاتباً إقتصادياً محترفاً و ذائع الصيت، غير أنّه يعّول في الكتاب الذي بين أيدينا، على لغة الأرقام أكثر من التحليلات السياسية و التصورات الاجتماعية،  و ذلك لكشف ما يصفه بـ " لارتكابات "  التي تقوم بها الشركات  الضخمة وأيضا  لكشف  أسباب صعود و هبوط أسعار الأسهم، و تفحّص الثغرات في الموازنة الفيدرالية ومستقبل الضمان الاجتماعي الذي سرعان ما تحول الفائض فيه الى عجز لافت للنظر.
 كما ينحو الكاتب  باللائمة على الوسائط الاعلامية المختلفة لافتقارها الى التشكك المهني المطلوب ازاء معالجة مختلف القضايا الجوهرية، ولفشلها في توخي الدقة حيال القضايا الاقتصادية و التجارية. و في أيّ حال، يقارب كراغمان هذه المروحة الواسعة من أكثر القضايا حساسية في الداخل الأميركي على نحو من توفير الشواهد و الدلائل،  لتعزيز تصوراته حول الفساد المعشش في مجالات الاقتصاد و السياسة و التجارة.
و لكون الكاتب واحدا من أكثر الاقتصاديين أهمية في الولايات المتحدة و أوروبا و العالم، ناهيك بالصدقية العالية التي يتمتع بها في الأوساط الأكاديمية في بلده، فقد حقق مؤلفه انتشارا واسعا متجاوزا بذلك سلسلة الكتب التي تناولت الفضائح السياسية لادارة الرئيس بوش التي صدرت في الأشهر الاثني عشر الأخيرة و كان لها وقع الزلزال في أوساط النخب الفكرية في الولايات المتحدة. و هو لا يتجاهل أيّا من الفضائح الكبرى التي أثارت لغطا واسعا، منذ أن تولى بوش سدة الرئاسة في العام ۲۰۰۰، و على رأسها الكواليس السرية لأزمة الطاقة في كاليفورنيا، وصولا الى  الكشف عن سوء الائتمان السياسي و الأخلاقي لادارة الرئيس بوش و تورط هذا الأخير و المحسوبين عليه، و خصوصا نائبه ديك تشيني في فضائح مالية مع شركات ضخمة من بينها "هاليبورتن".
- II -
و المهم، في هذا السياق، انّ كراغمان لا يتردد أبدا في التأكيد على أنّ الولايات المتحدة، ضلت طريقها الأخلاقي و أساءت الى الأجيال التي ترى فيها قدوة لها. كما يرسم في كتابه ما يسمّى بخارطة طريق تحتاج اليها السلطة السياسية في واشنطن والرقابة المالية على الشركات الكبرى لاستعادة الولايات المتحدة الى الطريق القويم. و يستدل على ذلك بالقول انّ ثمة ما يدعو الى الاعتقاد انّ هيمنة الشركات العملاقة على آلية الأسواق في الولايات المتحدة قد تجاوزت كل الخطوط الحمر و الخضر، الى درجة انّ هذه الأخيرة أصبحت شبيهة بالشرنقة السوفياتية التي كان ينسجها الحزب الشيوعي الحاكم في الكرملين.
و يأسف الكاتب لانّ الأميركيين لا يزالون موقنين بانّ زعمائهم في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، هم أصحاب رؤية و مبادئ. و هم ليسوا كذلك في حقيقة الأمر.
- III -


الكتاب الثاني هو ايمي تشوا ( 2 ) .
 تتساءل الكاتبة في مطلع الكتاب عمّا اذا كان يحقّ لأميركيين كثر أن يعتبروا انّ اطلاق الحوافز للأسواق في ظل من التوافق العالمي على حرية التجارة و الاستثمار، من شأنه أن يسفر عن تحسن جذري للأوضاع الاقتصادية على الساحة الدولية، وعن إنسجام داخلي في كل من الدول التي تعتمد هذه النظرية الاقتصادية، و تعاون واسع بين الديمقراطيات، قديمها و الجديد ؟
و تجيب  عن هذا التساؤل بسؤال آخر، مغزاه أنّه هل تؤدي الأسواق المفتوحة و الحوافز الشعبية، على هذا الصعيد، الى حركة ارتجاعية يمكن استخدامها لتبرير التسلط من قبل قلةّ متنفذة؟ و تضيف أنّ الأسواق المفتوحة واسعة النطاق، في حال جرى تقديمها، على نحو طائش و عشوائي، كما هو الحال في معظم الأحيان، قد تشكل سببا يبعث على تفاقم الكراهية بين مختلف الجماعات، اضافة الى العنف المذهبي و العرقي في العالم الذي يقع خارج دائرة الديمقراطيات الغربية.
و تؤكد الباحثة أنّه في خضم السعي الى تبني مفهوم ديمقراطية الأسواق الحرة بوجود أقلية تهيمن على الأسواق، فانّ النتيجة المتوقعة، على الأرجح، في هذا المجال، تتمثل في حركة ارتجاعية لا محالة. و تتجسد هذه الأخيرة في واحد من أشكال ثلاثة: أولها نزعة عنيفة ضد الأسواق تستهدف، بالدرجة الأولى، ثروات الأقلية المهيمنة. و ثانيها ردة عنيفة ضد الديمقراطية يقوم بها أولئك المستفيدون من هيمنة الأقلية على الأسواق المفتوحة. و ثالثها، نشوء العنف الذي يتخذ أحيانا شكل الابادة الجماعية، و هو موجه، على نحو رئيسي، ضد الأقلية المهيمنة على اقتصاد الأسواق المفتوحة.
و في أيّ حال، تجتهد هذه الدراسة لاضاءة جوانب واسعة من النماذج العالمية على مستوى ممارسة العنف من دون أيّ محاولة للتقليل من أهميتها أو تبسيطها بشكل يدعو الى الابتزال. ولذلك، تسعى الكاتبة الى الكشف، بجرأة كبيرة تثير الدهشة، عن المرتكزات الاثنية للسياسة الدولية، توصلا الى التعبير عن قناعة تشير الى أنّ الاستراتيجيين الاميركيين الذين يخططون، على مستوى العالم ككل، و نظرائهم الذين يناقضون هذه التوجهات الكونية، يتغافلون عن الأبعاد الاثنية للتفاوت الواسع في الأسواق التجارية المفتوحة في العالم، و يركزون انتباههم فقط على الصراع القائم بين الطبقات الاجتماعية أكثر منه الصراع بين الاثنيات.
و مهما يكن، فانّ الكتاب لن يكون مستساغا من قبل أولئك الذين يرغبون في اقامة أنواع من الأسواق المفتوحة على طريقة الديموقراطية الأميركية. ذلك انّ المؤلفة تحاول أن تضع ضوابط أو حدودا لنقاش كهذا يقوم على اظهار التأثيرات الجانبية الضارة لعملية تحرير الأنظمة الاقتصادية و تطوير الأنظمة السياسية في اتجاه الابتعاد عن حكم الفرد. و هي تدعو، في هذا الاطار، الى دق ناقوس الخطر نتيجة للأبعاد المأسوية أو المدمرة التي قد تنتج عن تغيير طبيعة هذه الأنظمة الاقتصادية على طريقة الليبيرالية الأميركية، ما لم يجر ارشادها أو استيعابها، أو على الأقل، التمهيد لهذه النقلة النوعية بكثير من الحذر و الشفافية، خوفا من أن تتحول هذه المجتمعات فعلا الى جحيم قد تمتد نيرانه على الساحة الدولية برمتها.

التوازن

 تقترح الكاتبة، على هذا الصعيد، البدء بمعالجة هذه القضية باقامة نوع من التوازن بين الأقلية المهيمنة على اقتصاد السوق المفتوح في بلد ما، و الأكثرية المهمشة بالفقر و الحرمان و القمع السياسي و الاقتصادي. اضافة الى تشجيع الديمقراطيات الليبيرالية أكثر منه غير الليبيرالية، و تحفيز الأقليات المهيمنة على الأسواق الى اتخاذ مبادرات استباقية للحيلولة دون قيام الأكثرية المهمشة بحركات ارتجاعية تنطوي على توجهات اثنية و قومية عشوائية في دلالاتها العنيفة.
و على الرغم من ذلك، لا تزعم الكاتبة انّ هذه المقترحات قد تكون حاسمة أو مرغوبا فيها من قبل كثيرين، أو ذات جدوى هامة بالنسبة الى آخرين. اذ قد يرى بعضهم عدم صوابية أيّ منها بسبب أو لأخر. و الأرجح أنّ الأصلح من بين هذه الاستراتيجيات، هي تلك المتعلقة بالتدخل الحكومي مدعوما من قبل الأكثرية المهمشة لاحداث توازن على صعيد الاخلال الاثني بتوزيع الثروة، و ذلك باعتماد برامج مماثلة لتلك المطبقة في الغرب الصناعي. و قد تبدو هذه الاستراتيجية فاعلة الى حد كبير و ذات جدوى اقتصادية و اجتماعية و سياسية، خصوصا في ظل حكومة تحظى بالأكثرية الشعبية. غير أنّ هذه الاستراتيجية قد تعتبر انتهاكا لتوقعات الأسواق المفتوحة، اضافة الى أنّها قد تهدد حرية الأفراد بما في ذلك حقوق الملكية الخاصة، أو حقوق الأقلية بمعنى أنّ الليبيرالية عادة ما ترتبط بحكم الأكثرية. و قد يكون حكم الرئيس الفنزويلي، هيوغو شافيز، مثالا حيا على الكيفية المستخدمة لتطبيق هذه الاستراتيجية.
و يبقى القول انّ المقترحات الفذة التي تقدمها الكاتبة ايمي تشوا، و هي الأستاذة في كلية الحقوق في جامعة يال الأميركية، قد تنطوي على بداية مشجعة و واعدة من خلال الاستراتيجيات المحفزة المتضمنة في هذه المقترحات. و مع ذلك فانّ الطريق، على هذا الصعيد، لا يزال طويلا و شاقا، و العلاجات لا تزال في شكلها الأولي في ظل زحف العولمة و اجتياحاتها التي تتجاوز المفاهيم السائدة و الاستعدادات الجاهزة. فهذه الأخيرة قد لا تتوقف كثيرا عند المخاطر التي تسببها الأقلية المهيمنة على الأكثرية و ما قد تسفر عنه هذه المعادلة المعقدة من صراعات اثنية و مذهبية قد تعيد بعض المجتمعات الى نقطة الصفر.

سعد
__________________________________________________


(1)  : الكشف الأكبر- ضللنا طريقنا في القرن الحادي و العشرين .
الكاتب: بول كراغمان . الناشر: W.W. Norton & Company 
( 2 ) الجحيم الكوني. ايمي تشوا . الناشر Doubleday