للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 22 يوليو، 2012

كيف تخرج انتفاضة البحرين من "حالة اليُتُم?






                                                                            - I -
إلى متى يمكن أن تبقى البحرين "الحلقة المفقودة" في سلسلة الربيع العربي؟
هذا السؤال طرح نفسه بقوة، بعد أن أثبتت مظاهرات الأمس الصاخبة في البحرين وما تخللها من قمع عنيف للمواطنين، أن الانتفاضة البحرينية لا تزال حية وتركل وانها وجدت لتبقى.

                                 انتفاضة البحرين: ماشروط الانتصار (غوغل)

لكن هذه الانتفاضة في هذه الدولة الخليجية الصغيرة التي تتكوّن من 33 جزيرة والتي يبلغ تعداد سكانها الأصليين 500 ألف شخص يضاف إليهم 500 ألف آخرين من جنسيات آسيوية وإيرانية وعربية، لاتزال يتيمة (إذا جاز التعبير).
صحيح أن انتفاضات تونس ومصر جوبهت هي الأخرى  في بدايتها بمحاولات إجهاض من جانب تكتل الأنظمة السلطوية التي كانت تهمين على المنطقة العربية، إلا أن الثورة الشعبية في البحربن كانت الأكثر عُرضة إلى الحصار والقمع بسبب "سوء حظها" الجيو- استراتيجي.
 إذ هي تقع في قلب الحصن الأخير للأنظمة السلطوية العربية في منطقة الخليج. كما أنها العرين الرئيس للاسطول الخامس الأميركي الذي يقود العمليات العسكرية في منطقة شاسعة تمتد من البحر الاحمر إلى مياه الخليج والمحيط الهندي.
والأهم أن هذا الأرخبيل الصغير، الذي تشكّل فيه الصحراء 92 في المئة من مساحته والذي أطلق عليه البحرين بسبب تداخل البحر مع ينابيع المياه الحلوة فيها، يقع ضمن دائرة الاهتمامات التوسعية والاستراتيجية والتاريخية لإيران في منطقة الخليج. إذ أن طهران تعتبر نفسها "لاعباً محلياً" في الشأن البحريني وتطالب بين الفينة والأخرى بـ"استعادة" الجزيرة وضمّها إلى أراضيها، مُذكِّرة بأن الامبراطورية الفارسية حكمت هذه البلاد من القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن السابع مع مجيء الإسلام، ثم منذ العام 1602 ولمدة قرنين حين فرض عباس من السلالة الصفوية المذهب الشيعي فيها.
أكثر من ذلك، قامت إيران بالفعل بمحاولات جدّية لتقويض نظام الحكم في البحرين بالقوة.
 ففي العام 1981، وبعد سنتين من انتصار الثورة الإسلامية في إيران، شجّعت طهران أصوليين شيعة بحرينيين على القيام بمحاولة إنقلاب بإشراف "المنظمة الإسلامية لتحرير البحرين"،  بهدف تغيير نظام الحكم وجعله ثيوقراطياً (دينياً) ، برئاسة رجل دين شيعي بحريني منفي إلى إيران هو حجة الإسلام هادي المدرسي. وفي العام 1994، شن الأصوليون الشيعة موجة من أعمال العنف أشعلت فتيلها مشاركة النسوة في حدث رياضي.

- II -
الموقع الجغرافي- التاريخي، إذا، يعتبر عاملاً مهماً في تعقيد صورة الانتقاضة البحرينية.
 ولذا، وعلى رغم أن البحريينيين أثبتوا في غالبيتهم مراراً وتكراراً  أنهم بحرينيون أولاً (حين صوّتوا إلى جانب استقلال بلادهم ورفض الانضمام إلى إيران)، وحين شاركوا في كل مراحل الحياة السياسية في البلاد (عبر خوض المعارك الانتخابية)، إلا ان لعنة الجغرافيا تفرض عليهم مستلزمات أخرى لاتواجهها الانتفاضات العربية الأخرى.
أولى هذه المستلزمات، أن تعي المعارضة الوطنية بأن مصير مسيرتها يرتبط بشكل وثيق بمصير الربيع العربي في منطقة الخليج. فالديمقراطية في المنامة تفترض الديمقراطية في الرياض والكويت وباقي المنظومة الخليجية. وهذا يجب أن يدفع إلى صياغة استراتيجية بعيدة المدى لتوحيد جهود كل قوى الإصلاح الخليجية. فالسفينة واحدة، والبحر واحد، والرياح يجب أن تكون واحدة كما تشتهي هذه السفينة.
ثاني المستلزمات، أن تمتلك المعارضة الجرأة الكافية للوقوف في وجه كل من إيران والسعودية في آن، وأن تُثبت بالقول والفعل أن الوطنية البحرينية مستقلة وعلى مسافة واحدة بين هذين العملاقين الإقليميين، اللذين تدفعهما تركيبتهما السياسية إلى ممارسة سياسات خارجية طائفية- مذهبية.
ثالث المستلزمات أن تنشط المعارضة البحرينية في الدول التي انتصر فيها الربيع العربي، كي توضح لها أن انتفاضتها وطنية وعروبية لاطائفية، وأن العناصر الشيعية المتطرفة في البلاد هي أقلية معزولة، ويمكن أن تُعزل أكثر إذا ما حظيت هذه الانتفاضة بدعم الثورات العربية الأخرى.
بالطبع، مثل هذا المسعى لن يكون سهلاً، بسبب مضاء  سطوة العضلات المالية الخليجية في الدول العربية المُنتقلة إلى الديمقراطية (كما دلّت على ذلك بوضوح زيارة الرئيس المصري مرسي للسعودية). بيد أنه (المسعى) ليس مستحيلاً أيضا، بسبب "الحرب الأهلية" المتوقعة بين الإسلام الديمقراطي والإسلام اللاليبرالي في المنطقة.

بكلمات أوضح: يتعيّن على الانتفاضة البحرينية أن تشق طريقها في مسيرة تشبه طبيعتها الجغرافية. فكما أن البحر يعانق الينابيع الحلوة فيها، عليها هي أن تكتشف "المياه الحلوة" الاستراتيجية الإيجابية لها في خضم البحر الإقليمي اللجب والمتلاطم. فمصير ما هو وطني في البحرين، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما هو إقليمي خليجي. وبما أن هذا العامل الإقليمي يمر هو الأخر بمرحلة انتقالية لابد أن يخترقها فصل الربيع العربي، تُصبح الآمال بانتصار الوطنية البحرينية أكبر مما قد يتخيّل الكثيرون.

                                                            - III -
في التاريخ القديم، شهدت البحرين حدثاً جللاً زلزل كل منطقة الخليج والعالم الإسلامي. ففي العام 899 ميلادي سيطرت فرقة إسماعيلية خَلَاصية هي القرامطة على البلاد، وسعت إلى خلق مجتمع  اشتراكي طوباوي يستند إلى العقل وتوزيع كل الملكيات بالتساوي بين أتباعها. وفي العام 930 نهبت الفرقة مكة والمدينة ونقلت الحجر الأسود المقدّس من الكعبة إلى قاعدتهم في البحرين، ولم تفرج عنه إلا بعد 22 سنة.
التاريخ الحديث لايتطلب بالطبع من البحرين مثل هذه الزلزال العنيف، بل يتطلب مد الجسور إلى قوى الإصلاح في مكة والمدنية وباقي مناطق الحجاز ونجد، وكذلك تقديم أنموذج  لشيعة المنطقة الشرقية السعودية ترتفع فيه يد الوطنية فوق الأيادي الطائفية.
وهذا رهان في محله في الواقع. فالشعب البحريني يعتبر من الأكثر ليبرالية وإنفتاحاً وثقافة، ليس فقط في منطقة الخليج بل أيضاً في كل المنطقة العربية. ويكفي أن نعلم هنا أن البحرين تنشر سنوياً ما معدله 137 كتاباً لعدد سكان لايناهز نصف المليون، هذا في حين أن المعدل في العالم العربي برمته كان في ذلك العام سبع كتب لكل مليون مواطن.
الانتفاضة البحرينية ولدت لتبقى، وستبقى. لكن خروجها من حالة "اليتم" بين ثورات الربيع العربي يتطلب منها أن تفكّر بعقلية استراتيجية إقليمية- دولية في الدرجة الأولى، وبنفس طويل ولكن واثق بأن رياح التاريخ تهب في اتجاهها. وإذا مافعلت، فإنها لن تكون "الحلقة المفقودة" في ثورات هذا الربيع، بل "حلقة الوصل" بين هذه الثورات.


                                                                                       سعد