للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 11 يوليو 2012

فيتنام وأميركا: سخرية التاريخ


هيلاري في هانوي.. والتاريخ في الثلاجة
هؤلاء الفيتناميون "الخونة"



- I -
هيلاري كلينتون بدت أكثر من سعيدة وهي تُلمح إلى "شبه تحالف"  استراتيجي (في مواجهة الصين) وأكثر من تحالف تجاري بين أميركا وفيتنام.
وهي على حق، كما سنرى بعد قليل.


لكن قبل ذلك، فلنتذكر شيئاً أخر: رئيس الورزاء الفيتامي السابق فان فن خاي، خرح من أول لقاء مع رئيس أميركي في واشنطن منذ نهاية  "الحرب الفيتنامية " ( كما يسميها الأميركيون ) او " الحرب الأميركية "  ( كما يصفها الفيتناميون )، ليعلن بأنه : " لا رغبة لدينا الان بالحديث عن إقامة قواعد عسكرية أميركية فوق أراضينا " ( ... ).
لا رغبة لدينا الان ؟ هل هذا يعني أن هذه الرغبة قد تولد غداً ؟. ما هذا الذي  يحدث ؟. هل دفعت فيتنام مليوني قتيل ، وخمسة ملايين جريح ،  ومئات مليارات الدولارات ،  لاخراج القوات الأميركية من الباب، كي تعيدهم بعد ثلاثة عقود من الشباك ؟.

- II -
المحللون الواقعيون لديهم الجواب السريع والقاطع : هذا من طباع الامور. ففيتنام اليوم  ليست فيتنام هوشي مينه والجنرال جياب. إنها الان إقتصاد قبل أن تكون وطن. وهو إقتصاد ليبرالي إلى حد بعيد:  فقد  أعيدت الملكية الخاصة للأراضي للفلاحين، وتم  "تحرير" القطاع الخاص والتجارة، وفتحت البلاد على مصراعيها امام المستثمرين  الاجانب،  في خضم إستعدادات هانوي للأنضمام إلى درة تاج النظام الرأسمالي العالمي: منظمة التجارة العالمية . إضافة ، 60 % من الشعب الفيتنامي ( 80 مليون نسمة ) ولدوا بعد نهاية الحرب الفيتنامية العام 1975 ، ويودون بشدة الأنفتاح على العالم والعولمة عبر البوابة الاميركية .
منطق واقعي؟ أجل . لكنه منطق عبثي أيضاً. ويكفي لأثبات ذلك تخّيل أن ملايين ضحايا الحرب الفيتناميين يراقبون الان ما يجري من وراء  كواليس في عالمهم الأرواحي : ماذا سيقولون ؟ ألن يندموا  لأنهم " إستشهدوا " دفاعاً عن أفكار سرعان ما  سيغيّرها تغّير الزمن ؟ ألن يشعروا أن هنري كيسنجر كان على حق حين قال ان " الخيانة مسألة تواريخ ؟.
   
       - III -                              

بالطبع، لا نقصد هنا لا رفض التقارب الاميركي- الفيتنامي ، ولا حتى نقد توجهات فيتنام الأصلاحية الليبرالية. كل ما في الامر أن احتمال التعاون العسكري بين الطرفين، أثار  في الذهن القليل من التوتر والكثير من التفكير حول معنى التاريخ وفلسفته، أو حتى ما إذا كان ثمة معنى ما للتاريخ.
 أول من تطرق إلى هذا الجانب من فلسفة التاريخ كان المؤرخ الأيطالي الكبير بي. كروس . قال : " كل التاريخ الذي نعرف هو " تاريخ معاصر" . بمعنى أن هذا التاريخ  يستند أساساً إلى رؤية الماضي عبر عيون الحاضر ومشكلاته ".  وقبل كروس ، كان ثمة مؤرخ آخر هو كارل بيكر يصل إلى إستنتاجات أخطر : " حقائق التاريخ لاتوجد بالنسبة إلى أي مؤرخ ، إلا حين يخلقها " ! .
الفيتناميون لايفعلون الأن إلى ما قاله كروس وبيكر: إنهم  يرون ماضيهم النضالي ضد اميركا عبر نظارات حاضر مصالحهم الأقتصادية معها ، فيعيدون بذلك  خلق حقائق الماضي لحل مشكلات الحاضر. وهذا أمر لا يلامون عليه :  إذ  أنيد الموتى الأبطال مثل هوشي مينه وجياب، لا تستطيع الأمساك بيد الشبان الفيتناميين الاحياء الساعين إلى العمل والبحبوحة والرخاء الأقتصادي .
لكن ، ومع ذلك ، يبقى السؤال التاريخي الكبير سؤالاً كبيراً معلقاً في الهواء : هل كان ثمة  ضرورة أصلاً  للحرب الفيتنامية ، إذا  ما كانت المحصلة في النهاية ستعني إستبدال السيطرة الاميركية  المباشرة  بالهيمنة الاميركية غير المباشرة ؟.
أي هدف ،  أو معنى ،  سيكون حينذاك للتاريخ ؟.
هل عرفنا الآن لماذا هيلاري على حق حين شعرت بالسعادة؟

                                                                                         ( سعد )